بيان توضيحي

حول مقال جريدة الوطن: الديماغوجية تبعد المدونات عن هدفها الأسمى

المنشور في جريدة الوطن، العدد 2652

 


 

مـقـدمـة

تلقيتُ الكثير من تعقيبات القراء الكرام، سواءً على بريدي، أو موقع الوطن الالكتروني، أو موقع العربية نت التي نقلت المقال المعنيّ، وبعض المدونات الكثيرة التي تناولته. وأشكر لهم جميعاً هذا الاهتمام أولاً، واعتبارهم كتابتي مستحقةً للتعليق والانتباه. ولكي أخرج بتصور واضح عن ردود الأفعال على المقال أجريتُ إحصائية بدائية على كل هذه المواقع، وفرزتُ فيها من اتفق عن من اختلف، وعن القليل ممن كان تعليقه محايداً أو مبهماً. في الحقيقة، لم يقلقني أن ثلثي التعليقات كانت تختلف مع المقال بمستويات ودرجات متفاوتة، لأني أؤمن بفضيلة الاختلاف. ولكن ما أقلقني أن أكثر المختلفين في الحقيقة لم يكونوا مختلفين معي بقدر ما اختلفوا مع مقالي. وبما أنه يُفترض أن أكون ومقالي وحدةً واحدة، فلا بد إذن أن في المقال مشكلة تواصلية جعلته مقصِّراً في التعبير عني، وهي مشكلة أكبر مما يمكن لضميري الكتابي تمريرها، باعتبار أن الكتابة كلها محاولة وصول، فإن لم يتحقق هذا الوصول.. فما الجدوى إذن؟

ولهذا كان لا بد من إصدار هذا البيان التوضيحي البسيط. ليس لأوضح فيه ما كتبته في المقال، بل لأوضح (ما لم أكتبه!)، باعتبار أن أغلب الاحتجاجات التي وصلتني كانت تدور حول تجنب المقال لتناول موضوع الاعتقال نفسه، مما اعتبره البعض تبريراً للاعتقال، وتكميماً للنقد! وهذا ما لم يدر بذهني قط عندما كتبتُ المقال، وفوجئتُ أن فكرة كهذه قد وجدت طريقها إلى تصورات القراء، رغم استحالة اقتناعي به يوماً ما. ولعلي أتناول هذه النقطة، مع بقية المحاور الخلافية الكبرى التي استخرجتها من تواصل قراء المقال، وردود أفعالهم. ولكن قبل ذلك، آثرت أن أذكر تلك الأسس الأخلاقية التي يعتمد عليها كل رأي يصدر مني، والتي بدأت بها، ولم أزل عليها حتى الآن.

 

الأسس الأخلاقية، ومرتكزات الكتابة

أولاً: أنا ضد اعتقال أي شخص، لأي مدة زمنية كانت، بدون توجيه اتهام صريح وعلني له، في ظروف تكفل له كل حقوقه الإنسانية والقانونية، وتتيح له حرية الدفاع عن نفسه، وإيصال دفاعه هذا لكل من تهمه مجريات القضية.

ثانياً: أنا ضد أي ممارسة رقابية تسعى للحد من حرية التعبير عن الرأي والفكر والمعتقد. أياً كان مجالها ومضمونها، باعتبار حرية التعبير حقاً إنسانياً فطرياً مكفولاً لكل فرد. باستثناء الإجراءات الرقابية المتفق عليها اجتماعياً، والمنصوص عليها قانونياً، والتي تسعى لحماية الأفراد الآخرين والمجتمع (حسب القانون) من أي أذى قد تلحقه بهم ممارسة فرد آخر لحريته في التعبير.

ثالثاً: أنا متعاطف إلى أقصى حدود التعاطف مع الحالة الإنسانية التي خلقتها ظروف اعتقال المدوّن فؤاد الفرحان، وما ترتب عليها من قلق أسرته، وجزع أطفاله، وشفقة والديه، وفجيعة أصدقائه، وتضرر أعماله، وقبل ذلك ما يتعرض هو له شخصياً من ضغوطات نفسية وعاطفية بسبب ظروف الاعتقال. وأطالب كل من له سلطة في هذه القضية إلى التعجيل بإنهائها بالشكل القانوني الذي يقدم حقوق الإنسان والمواطن أولاً على كل الاعتبارات الأخرى، مهما كانت المبررات.

رابعاً: أنا متحيز جداً للتدوين باعتباره نافذة تعبيرية واعدة، يعوّل عليها الكثير من الانقلابات الفكرية المحمودة في المشهد الثقافي، والاجتماعي، والفلسفي، والأدبي، والسياسي، والعولمي. وأتمنى أن يتموضع التدوين في مكانه الذي يستحق، ويسهم في خلق ثقافة ناقدة، حرة، معبرة، واثقة، ويعزز من قيم حرية التعبير، وحقوق الإنسان. ويسهم في تحولنا تدريجياً إلى مجتمع يقدّس قيمة الفرد، ويحفظ له المكانة الأعلى.

 

تلك هي الأسس التي لا يمكنني الكتابة دون الارتكاز عليها، ولا يمكنني التفريط بها وإلا كان السقوط مريعاً. ومقالي الأخير لم يخالفها قط، ولم يخرج عنها حسب ما تحدسه نواياي ومآربي، إلا أن ما قرأته من ردود القراء أجبرني على إعادة النظر في المقال، بوصفه مرآة لم تجد القيام بدورها في نقل ما أؤمن به. ولهذا توجّب أن أعود إلى تحليل هذا الخلل التواصلي، وتوضيح نقاط الخلاف الكبرى حسب ما أجمع عليه المخالفون للمقال. وليسمح لي المتفقون معه أن لم أفسح لهم مساحة في هذا البيان إلا الشكر على صبرهم وتمعنهم وتجاوزهم لما قد يكون قد صرف المقال عن مقصده ونوايا كاتبه. وليسمحوا لي أن أستعير مساحتهم في توسيع توضيحي للمخالفين له، والذين هم في الأصل، حسب ما قرأته في ردودهم، يؤمنون بما أؤمن به، ويقفون معي على قاعدة مشتركة، كما رأيتُ ذلك بنفسي، وبقي أن أريهم ما رأيت.

 

المحاور الخـلافيـة الكـبرى

المحور الأول: الخلاف حول تجنبي تناول قضية الاعتقال وانتقادها في المقال.

حتى تاريخ نشر المقال، لم تتوفر أي معلومات دقيقة عن ظروف الاعتقال وحيثياته باستثناء تصريح اللواء التركي في الوطن، وما يتداوله المتابعون للقضية من أسباب مختلفة. وكلها معلومات أقل من أن يُبنى عليها تصور كامل لمجريات القضية، ويُتاح معها انتقادها بدقة وإنصاف. ولذلك آثرتُ الابتعاد تماماً عن تناول هذا الجانب، باعتباره ليس الهدف الأساس من المقال، بل كان هدفه توضيح مفهوم الديماغوجية باعتبار (بعض) موضوعات المدونة تدل عليه. فكان التطرق إلى الاعتقال قد يجرّ المقال إلى مناطق سياسية واجتماعية، حريَّ بأن يتناولها مقالٌ منفصل، ذو طبيعة أخرى. أما هذا المقال فقد كان مقالاً معرفياً نقدياً، كما هو مقدّر له. ولكن يبدو أن الصمت عن قضية الاعتقال قد فُسِّر من قبل بعض القراء على أنه موافقة ضمنية على الاعتقال، وإدانة مبطنة للمدوّن. وهذا ما يستحيل أن يكون من رأيي، أو يصدر عني، لأنه يتعارض ليس فقط مع مبادئي كإنسان، بل مع مصالحي ككاتب سعودي، قد يتعرض ذات يوم لظرف مماثل. ولهذا أكرر مرة أخرى أني، وإن لم أذكر ذلك في المقال لأسباب فنية، فإني أعارض بشدة اعتقال المدوّن السعودي فؤاد الفرحان، وأطالب بالإفراج عنه عاجلاً.

 

المحور الثاني: توقيت المقال الذي نُشر في الوقت الذي ما زال فيه المدون معتقلاً، وأسرته قلقة.

 لم يكن تأجيل المقال حتى يخرج من دائرة انتباه الرأي العام مبرراً بالنسبة لي، لتصوري أنه لن يؤثر على مجريات القضية وحيثياتها القانونية، ولن يضير المدون شخصياً لأنه مقال نقديّ، يتناول البنية الكتابية لتدويناته، وأسلوبه الكتابي، ولا يهاجم موضوعات كتابته نفسها. فلو افترضنا أن المدوّن كان شاعراً، وتم اعتقاله لسبب ما، فلا أعتقد أنه سيتأثر لو أن ناقداً ما.. انتقد وزن قصائده، أو أخطاء تفعيلاته، لأنه انتقاد فني، وتكنيكي. ولكن لو أن الناقد انتقد موضوعات قصائده نفسها، وكيف أنها (ربما) تسببت في اعتقاله، فذلك فعلٌ غير أخلاقي، يهاجم الرجل في حالته الأضعف، وهو عاجزٌ عن الرد. وهذا بالطبع ما لم أقصده أبداً، ولكن خلطاً ما حصل بين (النقد الفني لتكنيك الكاتب في صياغة تدويناته الاجتماعية)، وبين (حق الكاتب في حرية التدوين ونقد المجتمع ومؤسساته). فالأولى هي ممارسة نقدية تحدث كل يوم، ولا يؤثر توقيتها على مسار أي قضية، بينما الثانية هي ما حسمه العالم منذ زمن طويل بوصفه حقاً فطرياً للإنسان!

 

المحور الثالث: تجنب تناول دور المثقفين والإعلاميين والصحفيين في مساندة موقف المدوّن، واعتقاله.

 لأن هذا، كما أسلفت، كان مقالاً نقدياً موجهاً للبنية الكتابية للمدونة، وليس محاولة لحشد الرأي العام نحو اتخاذ موقف منصف تجاه الاعتقال نفسه. ولأن هناك جهوداً رائعة خارج محيط المقال، يقوم بها المدونون والمدونات، لتوسيع رقعة المشاركة الشعبية في حيثيات القضية، رأيتُ أني قد أتحرك في مساحة أخرى، بينما أبقي المقال مركزاً في نقاطه المعرفية والفلسفية فقط. وفي تلك المساحة الأخرى، هناك كلامٌ آخر أقوله ككاتب.. وهو ((مهما اختلفنا مع أسلوب الكاتب في التدوين والنقد، فهو في النهاية معتقلٌ في قضية رأي كما يبدو، وهذا يستدعي بالضرورة أن نقف في صفه كتّاباً ومدونين، أياً كانت توجهاتنا، لأن القضية في النهاية قضيتنا، وقد يتعرض أي منا لما تعرض له فؤاد الفرحان، يوماً ما)). هذا يعني أن موقفنا من (حرية التعبير) ثابت، بينما موقفنا من (أساليب التعبير) متحرك.

 

المحور الرابع: الديماغوجية، وهل هي مجرد قصور أسلوبي، أم تهمة؟

 وكل ما في مقالي كان يقول أن الديماغوجية مجرد مرض من أمراض الكتابة، قد يتعرض له الكاتب دون أن ينتبه. ولكن بعض القراء خلطوا بين الديماغوجية باعتبارها (خللاً كتابياً)، وبين كونها (تهمة ما). فاعتبروا أن انتقادي للديماغوجية في أسلوب الكاتب الفني هو، بشكل غير مباشر، اتهامٌ له، وبالتالي، بشكل غير مباشر أيضاً، تبريرٌ لاعتقاله! وهذا خلطٌ غير منطقي على الإطلاق، ولو كان صحيحاً، فهذا يعني أن كل شاعر لا يجيد وزن الأبيات يجب اعتقاله. والأخطاء اللغوية في النصوص يعاقب مرتكبها بالجلد، ويرمى في السجن!

الديماغوجية إذن لا تختلف عن الخلل الموسيقي في الشعر، والخطأ الإملائي في النص. مجرد قصور أسلوبي، يجعل الكتابة أقل احترافاً، ونفعاً، وجودة. إنها مشكلة تكنيكية في البناء النقدي، ولا علاقة لها بحرية التعبير. فالديماغوجيون وغير الديماغوجيين مكفولٌ لهم جميعاً حرية التعبير كيفما شاؤوا، وليتحمّل الديماغوجي منهم توابع تعبيره بهذه الطريقة، من انصراف الناس، إلى اهتزاز الموثوقية، وغيرها. فهذا قراره الشخصي الذي لا يحرمه أبداً من حقه الفطري في ممارسة حرية تعبيره. لقد أوضحتُ أني أرى في بعض تدوينات فؤاد الفرحان ديماغوجية واضحة، ولكني بالتأكيد أقف مع حقه الإنساني بحرية التعبير كما يشاء، وبالطريقة التي يراها هو مناسبة، وليس عليّ إلا اقتراح طريقة أفضل، تجعل صوته أعلى، وتدوينه أجود. 

 

المحور الخامس: التدوين، وموقعه من المشهد الثقافي والاجتماعي

بسبب عنوان المقال (الديماغوجية تبعد المدونات عن هدفها الأسمى)، افترض الكثير من القراء أن المقال يهاجم التدوين عموماً، والمدونين والمدونات في السعودية خصوصاً. وقبل أن أبدأ في تبرير العنوان عليّ أن أشير أنه لم يكن العنوان الأصلي للمقال، ولكنه تم تعديله لأسباب فنية صحفية. أما العنوان الذي اخترته أنا فكان (الديماغوجية وصلت)، ولكن كان للقائمين على التحرير في جريدة الوطن رأي آخر، حسب معطيات مهنتهم، ورؤيتهم الصحفية.

وافتَرَضَ بعض القراء أيضاً أن استخدامي (لمدوّنة) كمثال على الديماغوجية، ونقدها في (مقال صحفي) كان محاولة لتقزيم قامة (التدوين) أمام قامة (الكتابة الصحفية). ومقالي بريء من هذا الافتراض، لأن الديماغوجية هي ممارسة إعلامية قد يرتكبها المدوّن، والكاتب الصحفي، وخطيب الجمعة، والمرشح الانتخابي، والبيان الحكومي. وشخصياً، لا أرى للكتابة الصحفية أي كعب أعلى على التدوين. وكلتاهما كتابة في النهاية، محاولة لصناعة فكرة، ومرهونة بذائقة المتلقي، والكتابة النقية الجيدة ستجد طريقها إلى قارئها سواءً على ورق الجريدة، أو شاشة المدونة.

 

خـاتـمـة

كما ذكرتُ في المقال، فإن شخصية فؤاد الفرحان الكتابية تنضح بالطيبة، والمثالية، وروح التطوع، والعمل على تطوير الحس الأخلاقي والوطني العام. وهذه هي الروح التي نعوّل عليه جميعاً، باعتبارنا أبناء جيل مشترك، ووطن واحد، في بناء مجتمع مختلف، متجدد، ذو ثقافة حرة، يتناسب مع الخريطة الإصلاحية الكبيرة التي ييدو واضحاً أن الوطن يتحرك عليها في السنوات الأخيرة. ولذلك، فإن ما أتمناه له من حضور فاعل، ومساهمة جادة في بناء مجتمعنا هو ما أتمناه لنفسي، وما أخشاه عليه أيضاً من الاعتقال وغيره من التعسف الرقابي غير القانوني هو ما أخشاه على نفسي. هذا ما يفرضه علينا الواقع المشترك، وإن لم نصرح بذلك الأمر، لبداهته.

وعقب تمعّني في ردود الأفعال التي وصلتني، تمنيتُ لوهلة أمنية هائلة الحجم، لو كانت الكتابة تشبه تجارب الليزر، عندما تخرج فيها حزمة الضوء من طرف المضخِّم الضوئي، لتصل إلى الطرف الآخر كما هي. بنفس درجة التردد، ونفس مقياس الطاقة، لا تنقص فوتوناً، ولا تزيد الكتروناً. ولكنها للأسف ليست كذلك. وقليلاً ما يجود الحظ بكتابة آمنة، لا تتغير في الطريق، ولا تؤثر فيها الأنواء والأصداء، وتشوشرها التوقعات والظروف، كما تفعل بموجات الراديو. ولذلك لا أملك إلا أن أبثَّ موجةً واضحة، وأدعو أن تصل كما هي، وقليلاً ما تفعل، ولكن ليس إلى حد الشوشرة الذي بلغته هذه المرة.

ولقد كان هذا المقال بالذات من المقالات التي حرصتُ أثناء كتابتها أن تخرج واضحة قدر ما أستطيع، لعلمي أن الظروف المحيطة بالموضوع شائكة، وسيئة، والانفعالات الصادقة متضاربة. وليس من المتوقع أن تصل موجتي كما أردت في الوقت الذي يبثُّ فيه الجميع موجاتهم في كل اتجاه، كما يحدث عادةً في قضايا الرأي العام، وحقوق الإنسان، وحرية التعبير. ورغم ذلك، أزعم أن الطريق خذلني أنا وقارئي، فلم يأخذ مني الرسالة التي نويت، ولا أوصل له الرسالة التي توقّع. ولهذا كان لا بد من هذا البيان، حتى لا يظل صوتي تائهاً في مدار القضية، ولا يظل فهمهم معلقاً على العتبى الخطأ. فحرصتُ من خلال هذا البيان التوضيحي أن أعيد موضعة موقعي الصريح من هذه القضايا الكبرى التي تشابكت كلها في المقال، مما أدى إلى سوء الفهم الواضح لمن سبق له معرفتي من قبل، والأقل وضوحاً لمن كان مقالي هذا هو أول ما قرأه لي. شاكراً كل من أدلى بدلو في القضية، تعقيباً، وتصريحاً، وحواراً، أو حتى أولئك الذين كالوا لي اتهامات غريبة وفريدة من نوعها على خلفية هذا المقال!  

أتمنى للوطن الذي سنقضي فيه بقية أعمارنا حرية لا تنتهي، وحقوقاً لا يُماطل عليها، وأن تصبح سياسية الاعتقال جزءاً من التاريخ الذي لا تكاد تصدقه الأجيال القادمة.

الحرية لفؤاد إذن، الحرية للجميع، من أجل الوطن.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي