هل نصدق البسامي.. أم الباكستاني؟

 جريدة الوطن السعودية


.. وما كان سؤالٌ كهذا سيُطرح لولا أن تفاصيل القضية كالعادة تعاني من نقص حاد في الشفافية، مهما حاول الإعلام كشف الغطاء عن تفاصيلها. صحيفة الوطن طبقت مشكورة مبادئ التغطية الإعلامية الأساسية عندما نقلت أقوال الطرفين، ولكنها اكتفت بذلك، ولم تتخذ الخطوة التالية المتوقعة وهي استنطاق رد كل طرف على ادعاءات الآخر. القضية على وشك الانتهاء كحكم تنفيذي، وكرأي عام، ورغم ذلك ما زال المتابع العادي المعتمد على الصحافة لا يعرف أكثر من أن عمالاً أضربوا، وشركةً خيرتهم بين الاستمرار والترحيل! قالت الشركة إن العمال الباكستانيين بالذات هم أرباب المشاكل، فلماذا لم ينقل لنا الإعلام رأياً من العمال (غير الباكستانيين) تحرياً للمصداقية؟ والعمال قالوا إن الشركة تخصم تكاليف التأشيرة والإقامة والتأمين الصحي من مرتباتهم، فلماذا لم نسمع تعليق الشركة على هذا الادعاء؟ ألا يشعر المتابع المهتم بمسار القضية بفضول شديد تجاه إجابات صادقة لهذه الأسئلة الضرورية؟
على أي حال، إن لم يحصل المتابع عليها، فبالتأكيد أن القائمين على الفصل في مثل هذه المنازعات العمالية قد حصلوا على الإجابات التي تخولهم اتخاذ القرار، ولكن هل هذا يكفي؟ هل كانت قضية مثل هذه حرية بالاشتعال والانطفاء في أحد مكاتب وزارة العمل والسلام؟ أن يرتكب أكثر من 300 عامل باكستاني بدعة الإضرابات العمالية في السعودية، ثم يتمسك أغلبهم بقرار الترحيل، وانقطاع الرزق، والانقلاب إلى أهليهم وعيالهم خالي الوفاض، ألا يشككنا ذلك أن الأمر بالنسبة لهم كان أكبر من مجرد محاولة للضغط على شركتهم في موسمها الأعلى؟ أيعقل أن يكون تغيير الزي سبباً لاتخاذ قرار بهذه المصيرية بحق عامل ما جلبه إلى هنا إلا الفقر والعوز؟ ثمة حلقات كثيرة ناقصة في هذا المسلسل، لم نرها، ولم نسمع عنها، وللأسف لم يقم الإعلام بدوره المسؤول هنا. فلم نر التلفزيون السعودي مثلاً يقوم بزيارة ميدانية لينقل لنا بالكاميرا أوضاع سكن العمال مثلاً، ولم تصور لنا إحدى الصحف المحلية أي وثيقة رسمية أو بنكية تثبت أن الشركة استقطعت بالفعل رسوم التأشيرة من راتب العامل الهزيل، رغم أن هذه الفرصة الإعلامية سهلة الانتهاز، ولا تكلف أكثر من محرر عنيد، وكاميرا، وورق!
من الجهة الأخرى، وقبل أن ننزلق في ما تجرنا إليه الطبيعة الفطرية الإنسانية بالانتصار للأضعف لا شعورياً، هل يعقل أن نسكت ونتعاطف ضمناً مع جماعة من السائقين يختارون قرار الإضراب رغم علمهم المسبق بما سيجر ذلك على الشركة من خسائر هائلة؟ ولماذا تجاهلوا كل الوسائل القانونية الأخرى لإيصال تظلماتهم ما داموا يملكون الوثائق والأدلة الواضحة على مخالفة الشركة لبعض بنود نظام العمل والعمال؟ هل كان مبلغ بحجم 15 مليون ريال (كما أعلن البسامي) سيسقط من حسابات الشركة، واقتصاد الوطن، ومصالح العملاء لو أن هذه المجموعة المضربة اختارت أن تتفاوض أولاً مع الشركة، ثم تشتكي ثانياً إلى مكتب العمل، ثم تستقيل بهدوء ثالثاً إذا لم يعجبهم العمل، بدلاً من ممارسة هذا الانتقام الإضرابي الذي لم يجنوا من ورائه كما يبدو إلا الترحيل، أو الانصياع إلى قانون الشركة التي لا ريب أنها ستتربص بهم في المستقبل؟
مرة أخرى، لماذا لم ينقل لنا الإعلام تفاصيل أدقّ عن موقف الشركة بدلاً من أن تضطر الشركة إلى نشر إعلان مدفوع الثمن في الصحف لتوضيح موقفها، الأمر الذي لم تكن لتضطر إليه لو أن إعلاماً محترفاً تناول القضية كما ينبغي تناولها، دون أن تضطر الشركة إلى عرض عضلاتها المادية بنشر الإعلانات، وإطلاق التهديدات، والانتصار بالسلطة والمسؤولين على مجموعة من العمال لا يتجاوز مجموع رواتبهم الشهرية دخل يوم واحد فقط للشركة، ولا يملكون بالطبع ثمن إعلان أنيق في الصحيفة يوضح وجهة نظرهم. وبالنسبة للباكستانيين، ألم يتمكن الإعلام من القيام بدور أكبر من مجرد تصويرهم في الشارع، متقرفصين، وملتحفين من البرد، ثم مقابلة عامل واحد منهم فقط، ونقل أقواله للصحيفة؟
الرأي العام المتحلق حول هذه القضية بالذات ليس مجرد مجموعة من التبريرات المتناقضة التي يخترعها المتابع العابر، ويلوكها في مجلس، وينساها بعد شهر. إنه أكثر من ذلك بكثير، إنه قلق المسؤول السعودي من وصول موضة الإضرابات العمالية إلى سوق العمل السعودي، وقلق المستثمر الأجنبي من فعالية نظام العمل والعمال السعودي، وقلق المسؤول الحقوقي من مدى صدق الاتهامات الموجهة للسعودية حول استغلال العامل الآسيوي الأبكم، وقلق المواطن العادي من احتمالية اختلال روتينه الاستهلاكي بسبب إضراب ما. (لنتخيل إضراب عمال المطارات مثلاً؟)، وقلق العامل الباكستاني نفسه من قرار القدوم إلى السعودية بدلاً من دولة خليجية أخرى. إنه قلقٌ كثير، كان يبحث عن إجابات واضحة للغموض الذي اكتنف قضية عمالية بهذا الحجم، فتعامل معها الإعلام وكأن الأمر لا يعدو كونه انتقاداً معتاداً لجهاز حكومي، وتبريراً صحفياً للمواطن الذي لم يستطع شحن سيارته في العيد.
بغض النظر عما آلت إليه القضية، وما فصل فيها. ثمة مواطن ومتابع ومتلق يهمه عندما يحدث أمرٌ كهذا أن تصل إليه المعلومة دقيقة ووافية وواقعية حتى يتاح له اتخاذ قرار ما من طرفه، من منطلق واع، ووفق تصور واضح عن طبيعة الأمر في السعودية، وإلا فما فائدة الإعلام؟

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي