|
ثمة شعور غريب يكتنف الذي يرى جموع اليابانيين في هاواي، سواحاً
هذه المرة، بعد أن جاؤوها (كاميكازاً) من قبل، وأمطروها بالنار
والقنابل. والأغرب أن تجدهم في المزارات التذكارية لميناء بيل
هاربر، صامتين تحت القبب البيضاء، يصلون من أجل الموتى، ويضعون
أزهاراً قليلة تحت أسماء ضحايا القصف الياباني الشهير الذي قصم ظهر
البحرية الأمريكية في المحيط الهادي عام 1941، كأقوى ضربة عسكرية
تتلقاها أمريكا في تاريخها. هاواي مليئة بالغرائب، ولكن هذه
الكثافة اليابانية في الشارع والشاطئ تكاد تكون الأغرب منها. هل هو
اعتراف ياباني شعبي بالذنب الذي ارتكبه عهدهم الإمبريالي السابق؟
أم أنه مجرد تسابق حضاري من أجل إثبات أنهم الأكثر تسامحاً،
والأوسع قلوباً؟ أو أن الآلة الإعلامية الأمريكية استطاعت أن تغزو
قلوبهم، وتؤلبهم على آبائهم وأجدادهم؟ كل هذه احتمالات اجتماعية
قابلة للدهشة، ولكن المستبعد من قائمة الاحتمالات أن تكون ذاكرة
اليابانيين التاريخية ضعيفة إلى هذا الحد.
مجاناً، يمكن لكل السواح زيارة النُصُب التذكارية المبقاة على
حالها في بيل هاربر، بعد أميال قليلة من العاصمة هونولولو.
يستقبلهم فيها ضباط من الجيش والبحرية الأمريكية معاً، ببدلاتهم
الأنيقة جداً، والمكوية بعناية، ووجوههم المنقوش عليها رصانة حزن
حربي قديم، حدث قبل 66 سنة، وما زال مصلوباً في الوجدان الحربي
الأمريكي مذ ذاك. رغم أن الأمريكيين انتقموا لأنفسهم بعد أربع
سنوات انتقاماً هائلاً جداً، بحجم 220 ألف ياباني سقطوا بعد تفجير
القنبلتين الذريتين فوق هيروشيما وناجازاكي. وإذا علمنا أن ضحايا
قصف بيل هاربر كانوا 2388 جنديا تقريباً، فهذا يعني أن الأمريكيين
ثأروا لكل جندي واحد منهم، بمئة ياباني!
كلا الضربتين كانتا بشعتين، واكتوى بنارها الطرفان إلى الحد الكفيل
بطي الصفحة، وإحالة الأمر برمته إلى مصائب التاريخ السوداء التي
تتورط فيها الشعوب، ثم يفيقون على حجم الخطأ، فيمضون قدماً في
الحضارة، وينسونها. ولكن بالطبع، ليس هذا المتوقع من المجتمعات
التي قامت دساتيرها على الاعتبار الفردي قبل الجمعي، ولهذا تبقي
أمريكا ذكرى كل ضحية من الـ 2388 الذين قتلهم القصف الياباني في
بيرل هاربر حية، وتقيم لهم النصب والمزارات، مثلما أقام اليابانيون
نصبهم في ناجازاكي وهيروشيما، لأسباب ومبررات قومية لا تنتهي. هذا
ليس الغريب، ولكن الغريب كما أسلفت، محاولة استيعاب مشاعر الياباني
في بيرل هاربر، والأمريكي في هيروشيما، بعد ستة عقود فقط من
الكارثة، وهو أقل من عمر رجل واحد. تجدهم سواحاً، ورجال أعمال،
وأصدقاء، ويرتبطون بواحدة من أقوى العلاقات الاقتصادية وأكبر
التبادلات التجارية في العالم!
أعود إلى بير هاربر، حيث يُشترط على كل زائر للنصب التذكاري أن
يحضر عرضاً لفيلم وثائقي قصير عن بيرل هاربر قبل أن يسمح له بزيارة
النصب نفسه. هذا الشحن العاطفي التاريخي (الإجباري) على كل سائح هو
المسؤول عن حالة التأثر الواضحة التي تكسو وجوه الزوار جميعاً، بما
فيهم اليابانيون الذين صنع آباؤهم، وربما بعضهم، هذه الكارثة
الحربية قبل أكثر من نصف قرن. اليوم، يأخذهم القارب، بقيادة ضابط
بحري أمريكي، وهم يتأبطون زهورهم وكاميراتهم، إلى موقع النصب الذي
تم بناؤه في موقع غرق إحدى السفن الحربية الأمريكية الكبرى
بطوربيدات اليابان، محتجزة في داخلها المئات من الجنود الأمريكيين
الذين أخذوا على حين غرة، فماتوا في أماكن عملهم المعتادة. وفي
النصب، يهيمن الصمت كقانون صارم تفرضه النظرات العسكرية الناقدة
لكل من يصدر صوتاً عالياً في حضرة الموتى، وعلقت لوحة الأسماء
الرخامية بحجم حائط كامل، لم تستثن ميتاً واحداً منهم أبداً.
أشياء كثيرة أبقتها حكومة الولاية على حالها في بيرل هاربر، من
السفن المعطوبة، حتى بقايا الطوربيدات، وشظايا القنابل. وساهمت
الطبيعة أيضاً في إحياء الذكرى عندما أبقت شيئاً من وقود السفن
المتسرب، ما زالت تلوث الميناء بقطرات صغيرة، تصعب ملاحظتها، لتشهد
على معاناة هذه الجزيرة الصغيرة المطعونة في خاصرتها بعنف لا
تستحقه طبيعتها المسالمة أبداً.
جزر الهاواي التي أوقعها حظها السيئ يوماً في منتصف الطريق بين
قوتين عظميين متحاربتين، أمريكا واليابان، ينقلب بها هذا الحظ،
ليصبح فألها السعيد أن تقع هذه المرة في منتصف الطريق بين أقوى
اقتصادين في العالم، يصب فيها السواح في النقطة التي ينتهي عندها
الغرب، ويبدأ معها الشرق، وتولد الأيام الجديدة. هؤلاء السواح
الذين ينثرون فوقها العملات الصعبة نقلوا الجزر من حالتها البدائية
التي كانت عليها إلى الولاية العصرية التي لا تختلف عن أي من مدن
أمريكا الكبرى، وإن ظلت وجوه أهليها تراوح بين العرق الهاوايّ
الأصلي، وقدامى المهاجرين اليابانيين، وبقية البيض، سواء أولئك
الذين جاءوها من أمريكا بعد انضمامها إليها طوعاً، أو الأوروبيين
الذين حطوا رحالهم فيها مستكشفين، عندما كان اسمها (مملكة هاواي)،
وتحكمها الملكة (ليلي أوكلاني) التي انقلب عليها الأهالي عام 1887،
وأجبروها على توقيع اتفاقية تتحول بموجبها إلى ملكة دستورية، تملك
ولا تحكم. وتلك غريبة أخرى من غرائب هاواي، فالولاية التي انتهى
عهدها الملكي بآخر ملكة، يبدو أنه قد عاودها الحنين إلى هذا الحكم
الناعم، لينتخب أهلها عام 2002 حاكمتهم الحالية، ليندا لينقل، ثم
يعيدون انتخابها عام 2006 مرة أخرى. هي الجمهورية، اليهودية،
المطلقة، العازبة، (بل والمتهمة من قبل الحزب المعارض بالشذوذ!)،
وتلك التهمة الأخيرة هي التي تقهر السياسيين في أمريكا، وتنهي
مشوارهم السياسي إلى الأبد.
أكثر من 114 عاماً بين المرأتين، ليندا لينقل التي تحكم الولاية
الآن بنجاح وشعبية كبيرة، وليلي أوكلاني التي انتُزع منها عرشها
انتزاعاً بتحريض من العدد المتزايد من البيض في الولاية بعد أن
حاولت أن تنقلب من الملكية الدستورية إلى الملكية المطلقة التي كان
عليها آباؤها الملوك. وأعلن بعد تجريدها من لقبها الملكي قيام
(جمهورية هاواي). وتدريجياً، تم استفتاء الأهالي في فكرة الانضمام
إلى الولايات المتحدة الأمريكية في بداية القرن العشرين، فوافقوا
بأغلبية، لتتحول في البدء إلى مقاطعة لمدة طويلة، قبل أن يتم
إعلانها الولاية الخمسين، وآخر ولاية أمريكية، عام 1959.
بقيت غريبة أخيرة من غرائب هاواي، طريفة هذه المرة، ففي عام 1993،
وقع الرئيس الأمريكي بيل كلنتون قراراً تعتذر فيه الحكومة
الأمريكية رسمياً عن مساهمتها في إسقاط الملكية في هاواي عام 1893
! |