نادي لصوص الكلمة

 جريدة الوطن السعودية


في غياهب الإنترنت، مطموراً تحت ملايين الصفحات الإلكترونية الأكثر حظاً في الوصول إلى متصفحها، يوجد موقع صغير، وجاد، وقائم على جهد فردي، اسمه (نادي لصوص الكلمة)، (www. bader59.com) وهو باختصار، لمن لم يزره من قبل، معنيٌّ بالقبض على المقالات المسروقة، وإحالة أصحابها إلى القضاء الإلكتروني، لتتم إدانتهم افتراضياً، ثم معاقبتهم بالتشهير! المدهش ليس فكرة الموقع، ولا آلية عمله البسيطة، أو اعتماده على جهد رجل واحد فقط، بل تلك الوجوه والأسماء المقالية البارزة المحشورة في زنزانة (بدر)، صاحب الموقع، والتي قد تجعلنا نفاجأ بكمية الغش البصري التي تكال لنا يومياً على صفحات الصحف والمجلات كل يوم!
تصفح الموقع لأول مرة يشبه التعرض لسلسلة من الصدمات الكهربائية البسيطة عندما نمر على كل كاتب من الكتاب الذين كنا نظن بهم خيراً، وكانوا يظنون بنا حمقاً. كلها تفتح الباب على قافلة من التساؤلات تبدأ من إشكالية الكتابة الدورية، ومدى فعالية آلية الاستكتاب، والمتابعة، وتقدير القيمة المعرفية للمقال، ولا تنتهي بإعادة تدوير أسطوانة الحقوق الفكرية العربية التي طولب بها حتى انشرخت، وكتب عنها ماتت القضية هماً. وكأن كل أجهزة القضاء والتجارة والإعلام في العالم العربي، ابتداءً من استراتيجياتها النظرية، وانتهاء بأذرعتها التنفيذية، عاجزة تماماً عن استيعاب هذا الثقب الهائل في اقتصاد بلدانها، وحجم السوق الهائل الذي تخسره اقتصاداتنا العربية يومياً بسبب التسيب والتباطؤ في إحكام القبضة على الحقوق الفكرية، وتمهيد الطريق لصناعة فكرية خصبة. إن الأمر يشبه لو أن دولة مجاورة مدّت أنبوباً في عمق الأرض، لتسرق من نفط الوطن، كيف سيكون الأثر السلبي المباشر على اقتصادنا بسبب ضياع أرباح هذا النفط المختَلَس؟ كذلك هو كل مقال مسروق، وكتاب مصوّر، وبرنامج كمبيوتر منسوخ، ليست إلا أنابيب نهمة، تجعل من سوقٍ فكرية كاملة، سوقاً كسيحة، عاجزة عن المشاركة في دعم الاقتصادات الوطنية، وزيادة رفاهية الشعوب.
أكثر من ثلاثة قرون مرت منذ أصدرت بريطانيا أول قانون لحماية الحقوق الفكرية في التاريخ. لم ينفض المجتمع البريطاني آنذاك، في عام 1662، دهشته من تطور الآلة الطابعة، وبدء صدور الكتب في طبعات متطابقة، وانتهاء عهد النسخ اليدوي، حتى أيقنت الحكومة أن ثمة قانوناً يجب أن ينظم هذا الأمر. ولعله من الجحود التاريخي نكران فضل هذا القانون على عصر النهضة والتنوير الذي أعقب ذلك في أوروبا. إن فكرة أن يكون للكتابة قيمة مادية في تركيبة الاقتصاد هي اعتراف حضاري بأن المعرفة تعتبر من (موارد) المجتمع التي وُجد علم الاقتصاد أصلاً لتنظيمها (علم الاقتصاد: هو علم دراسة وإنتاج وتوزيع واستهلاك موارد المجتمع). فالمعرفة إذن أصبحت في العرف الاجتماعي للنظام البريطاني منذ القرن السابع عشر، مورداً اجتماعياً ينطبق عليه ما ينطبق على بقية الموارد المادية من حقوق، مثل حمايتها من السرقة، والضياع، وسوء الاستخدام!
أعتقد أنه من زيادة الكلام التدليل على مكاسب بريطانيا الحضارية من ذلك القانون، خلال السنوات الثلاثمئة الأخيرة، بإطلاقه العنان للعقول (الآمنة على حقوقها) للإبداع والابتكار. ولكننا بصدد الحديث عن المكاسب الاقتصادية فقط، بوصف الاقتصاد لغة فطرية يفترض أن يتكلمها العالم والجاهل. ألا يكفي أن قانوناً كهذا، صدر قبل 340 سنة في بريطانيا، جعل امرأة بريطانية واحدة فقط، قادرة على دعم اقتصاد بلادها بأكثر من 15 مليار دولار، بعد أن ألفت سلسلة من كتاب واحد، وهذا يعني أن كتاباً واحداً، سهرت السيدة راولينج على تأليفه ليالي طويلة، عاد على الاقتصاد البريطاني بأكثر مما عادت به إيرادات النفط على دولة نفطية مثل البحرين، لسنة كاملة!
صاحب الموقع كويتي، وهذا ما يفسر أن أغلبية ضحاياه كانوا من الكتّاب الكويتيين، إلا أن قائمته احتوت على بعض الكتاب السعوديين أيضاً. وصاحب الموقع يصر على إخفاء هويته الكاملة، ويكتفي باسمه الأول فقط، حتى لا يقع في مأزق المجاملات الذي قد يمنعه من ممارسة (فضحه) الإلكتروني المرتب للسارقين والسارقات. ورغم اطلاعه الواسع على العديد من الصحف والدوريات العربية كل يوم، مما يتيح له رصد عمليات (القص واللصق) اليومية، إلا أن الأمر يظل جهداً فردياً، لا يمكنه الإحاطة بكل التجاوزات الفكرية الممكنة في العالم العربي (الواسع) مساحة وضميراً! وحتى اجتهاده في تصميم الموقع، وتحديثه، وإضافته للشواهد الواضحة جداً للسرقة بتظليل الجزء المسروق، والمسروق منه، يظل اجتهاداً نتمنى لو أنه كان مؤسساتياً، أو حكومياً. إن (بدر) باختصار هو مواطن عربي يقوم وحده بالدور الذي كان ينبغي أن تقوم به المؤسسات القضائية والإعلامية والتنفيذية في 21 دولة عربية، بكل ما فيها من كوادر وموارد بشرية ومادية وتقنية. وبالتالي فإنه لا يفضح لصوص الكلمة فقط، بل وحراسها الافتراضيين النائمين

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي