منهج دراسي: التربية البيئية

 جريدة الوطن السعودية


يقول الروائي الأمريكي مايكل كريتون في روايته الفريسة ((إنها طبيعة الإنسان، لا يتصرف إلا متأخراً))، وحسب رأي كريتون، فإن المشكلة ليست حماقة الإنسان مثلاً، أو ضعفه، بل الأمر أسوأ منذ ذلك: طبيعته! لأن الإنسان محرومٌ من نعمة الحدس الحيواني الغريزي، ومعتمدٌ بشكل جذري على الاستنتاج العقلي البطيء نسبياً مقارنةً بالغريزة، والفرق بين الحالتين هو الذي يجعل النمل مثلاً، منذ بدء الخليقة، ينظم مجتمعاته الهائلة وفق نظم حضارية احتاج الإنسان آلاف السنين، والحروب، والمحاولات الفاشلة لفهمها، فضلاً عن تطبيقها.
عن البيئة نتحدث، وكيف أن الحيوانات وحدها صنعت أنظمة إيكولوجية متوازنة جداً، كان مقدّراً لها أن تستمر آلاف السنين، دون أن تفشل أبداً. ولم نشهد من قبل جنساً حيوانياً انقرض بسبب تعدي حيوان آخر. ولم نسمع عن غابة اختفت، أو نهر جفّ، أو سماء تلوثت بفعل (حيوان)؟ بينما، إذا استثنينا الديناصورات التي انقرضت بسبب كارثة بيئية فلكية، فإن كل حيوان انقرض من على وجه الأرض، منذ بدء الخليقة، كان بسبب الإنسان، وتدخلاته المختلة في أنظمة البيئة الإيكولوجية، ((ينقرض سنوياً أكثر من خمسين ألف نوع!))، والمشكلة أن الإنسان مؤخراً، صار هو الذي يصنع حتى هذه الكوارث البيئية أيضاً. والأمر لله، من قبل ومن بعد!
وأنصار البيئة أكثر قسوة على الجنس البشري مما ذُكر أعلاه، ويكادون في سياق لومهم الإنسان يعتبرونه مخلوقاً دخيلاً على الكوكب، والأديان السماوية تقول إن الإنسان نزل من الجنة، وبذلك يكون، نظرياً، دخيلا على الأرض فعلاً! ولعل هذا يفسر فشل الإنسان في الانخراط في النظام الإيكولوجي بسهولة، واحتياجه لآلاف السنين من الحضارة، حتى يبدأ بعض البشر فقط، في القرن الحادي والعشرين، بالتفكير جدياً في الحفاظ على بيئة الكوكب الذي لا يملكون غيره. أنصار البيئة لم يعودوا ثلة من (المتطرفين بيئياً)، بل أصبحت كل الأرقام، والتاريخ البيئي بأكمله، تقف في صفهم، وتحيلهم إلى مبشرين ومنذرين، بين يدي كوارث قد تجعل حياة أبنائنا وأحفادنا على الكوكب جحيماً لا يطاق!
الأدلة التي صارت تدين الإنسان، وتضعه في قفص الاتهام، بتهمة (الإفساد في الأرض)، تجعلنا، وإن أيقنّا أن الحكم لن يصدر قريباً، فإننا نستحق أن نتواضع قليلاً، ونعترف بأن الشعور بالمسؤولية لدى الحيوانات أعلى كثيراً من الإنسان، ومن المفترض أن نحسدهم عليه، أو على الأقل، نستعيره منهم مؤقتاً لننقذ الكوكب من التخريب المستمر. هذا يحدث، ومتأخراً كما قال كريتون، وإن بدافع أكثر إلحاحاً من الضمائر الحية، بل بدافع فطري وهو: الخوف! تسنده مقولة الكاتبة الأمريكية الراحلة، ماريا مانز، في كتابها "مزيداً من الغضب"، قبل خمسين سنة تقريباً ((الأرض التي أسأنا معاملتها، ستنتقم يوماً))، وهذا ما بدأ الإنسان فعلاً، ليس في ملاحظته، بل الاكتواء بناره. والموتى جفافاً في أفريقيا، وغرقاً في نيو أورليانز، واحتراقاً في كاليفورنيا، وحراً في أوروبا، واعتلالاً بسرطانات التلوث الهوائي في المدن المزدحمة، هم شهود هذا الانتقام الأرضي اليوميون.
لذلك، يبدو أن التوجه العالمي سيخطب ود البيئة رغماً عنه، (راجع مقال: اقتصاد أخضر)، وإلا عاقبته بالمزيد من الكوارث التي تؤذي الاقتصاد في صميمه. وبما أن تغييراً كهذا قادمٌ لا محالة، فمن الحكمة أن تبادر الدول المقتدرة إلى (تخضير) اقتصاداتها منذ الآن، ما دام في الأمر فسحة واختيار، قبل أن تنتهي حقبة الاختيار. وإذا فكرنا في السعودية، فسنجد أنها من أوائل الدول التي تصادفها الآن فرصة ذهبية لأخذ هذا الاتجاه الاقتصادي الأخضر، لأسباب عدة: أولها، أن السعودية رغم كونها دولة غنية، فإنها ما زالت في طور التحول إلى دولة صناعية منتجة. وبالتالي، فإنها لن تضطر إلى الدخول في تعقيدات تفكيك الاقتصاد الحالي وإعادة بنائه، والتي تعطّل الدول الغربية كثيراً. ثانياً، لأن السعودية تحرص دائماً على الظهور بصفة الدولة الإيجابية النافعة في خريطة العالم، وليس كما يريد الخصوم تصويرها في الغرب على أنها الدولة الأنانية التي تبيع النفط، وتحتكر الثروة، وتتجاهل العالم. ولهذا، فليس أفضل، في هذه الحقبة، من المبادرات البيئية لدفع السعودية بضع مراتب إلى الأمام في سلم الجماهيرية العالمية، والسمعة الحسنة. وثالثاً، لأن السعودية، بحكم كونها محطة بترول العالم، قد تُتهم في المحفل العالمي بأنها تعارض الأنشطة البيئية العالمية حتى لا تخسر مصدر رزقها. وهو غير صحيح بالضرورة، لأن الحلول المطروحة لمشكلة الكربون ليست محصورة في إيجاد بدائل خضراء للطاقة فقط، بل أيضاً في تقليل عملية انطلاق الكربون إلى السماء، وهو يعني بقاء النفط كمصدر للطاقة، مع تغيير طريقة احتراقه، واحتواء انبعاثاته.
إنها فرصة ذهبية فعلاً للسعودية أن تقفز الآن إلى العربة البيئية، لتُحسب في التاريخ من ضمن الدول الرائدة في المجال البيئي، والمساهِمَة في إنقاذ الكوكب وأهله. واهتبال هذه الفرصة ليس عملية صعبة ومعقدة، بل في الإمكان دمجها ببساطة في الخطط التنموية الجارية، دون أن تثقل الكاهل الاقتصادي. والوسائل غير محدودة، فلنقترح أن تتبنى جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا دوراً جاداً في أبحاث البيئة، وهو دور سيلفت الأنظار العالمية إليها في الوقت الذي هي في أشد الحاجة إلى هذه الأنظار، باعتبار أن أهدافها من التأسيس هي أن تكون جامعة عالمية. وكذلك أن تستثمر شركة أرامكو السعودية في تقنيات (احتواء الانبعاثات، وعدم إطلاقها في الهواء)، إن لم تكن قد قامت بذلك فعلاً، وأن تقوم الدولة على تمويل مراكز البحث البيئية العالمية مادياً حتى يحسب للسعودية يدٌ طولى في هذا المجال، وأن تتبنى المحافظات فكرة إنشاء قرى ومدن إيكولوجية صغيرة ضمن نطاقها، (راجع مقال المدينة الإيكولوجية)، وأن يتم بناء المدن الاقتصادية المرتقبة وفق معايير بيئية نموذجية نباهي بها العالم. لا أعتقد على الإطلاق أن هذه خطوات معقدة وصعبة، وإذا كانت كذلك، فليتم وضعها على أجندة العمل الإصلاحي إذن، وليتم طرحها بجدية كمشكلة قادمة، قبل أن تصبح مشكلة راهنة!
التعليم السعودي أيضاً ينبغي أن ينشئ وعياً أصيلاً بالمسؤولية البيئية، لقد استحدثنا مادة (التربية الوطنية) عندما شعرنا بضرورة توثيق حضارة النشء بهذه البقعة الحضارية المسماة (وطن)، فكيف يمكننا أن نوثق علاقته الفطرية بمجموع الأوطان المسماة (كوكب). ولهذا يكون استحداث مادة (التربية البيئية) مثلاً أمراً جديراً بالدراسة، لسببين: الأول، أن الحفاظ على البيئة يمكن ربطه بالوجدان الإسلامي بسهولة، والثاني، أن هذا الجيل الذي يعيش طفولته الآن، سيكبر لتصبح مشكلات البيئة مؤثرة جداً في حياته، ومستقبله، ورزقه، وسعادته، وصحته، وليست مجرد فكرة مترفة يزايد بها على النبل الإنساني، وبالتالي، فمن حقه أن يفهمها جيداً من باب تهيئته النشء بما يفيده في دنياه، وما سيواجهه فعلياً في مستقبله، كما تقول الحكمة القديمة ((نحن لم نرث الأرض من آبائنا، وإنما استعرناها من أبنائنا!))

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي