الفاشية الإسلامية.. (كيف) نعترض؟

 جريدة الوطن السعودية


يقول الروائي الدانماركي بيتر فوقتيدال: (اكتشف العالم مؤخراً أن المسلمين لا يملكون روح الدعابة!)، وبالتأكيد كان يقول هذا تعقيباً على حماقات رسامي الكاريكاتور الدانماركيين الذين أرادوا أن يحرجوا مسلمي الدنمارك في لعبة سياسية فأغضبوا خُمس سكان الأرض! انتهت الأزمة الآن تقريباً، وهدأت النفوس، وانجلى الحماس، وحتى المقاطعة التجارية الشعبية راحت تضعف تدريجياً، مصداقاً لما قاله المؤرخ الأمريكي ويل ديورانت قبل أكثر من 60 سنة من هذه الحادثة "يؤيد التاريخ أن المقاطعة التجارية لابد وأن تنتهي بالفشل، لأن التجارة تميل بطبيعتها إلى تتبع أقل التكاليف"، فالتجارة بطبعها ممارسة ديناميكية، وليست أيديولوجية، وإن أدلجها الناس مؤقتاً في غمرة الغضب. ولهذا كان من الأجدى لو قاطع المسلمون الجريدة نفسها، حتى يكون الأمر حضارياً ومؤثراً ويعود عليهم بمكاسب ترضيهم في قضيتهم، بدلاً من أن يصبوا غضبهم على دولة بأكملها، مستحضرين في خيالاتهم أمجاد حطين، وعين جالوت، حتى تخدروا دوغمائياً، وظنوا أنهم في غزوة تجارية فعلية. ولكن هذا الرأي البراغماتي الحكيم اختفى في لجة الحماس الطاغي آنذاك، والشعوب المشحونة بالحنق المتراكم، والهزيمة المعنوية منذ انهيار الدولة العثمانية، ولم يجدوا لها متنفساً إلا الانتحار، أو الشتم، وأخيراً المقاطعة.
وحتى لا يُظْلَمَ بيتر فوقتيدال، فقد كان ضد رسوم الكاريكاتور، واعتبرها إهانة لمواطنين دانماركيين مسلمين، ولدينٍ كبير، واستفزازاً لا طائل منه. هو المهتم أصلاً بالآداب العربية، والتراث الإسلامي، ولكنه كان يتحدث بلسان العابر في الشارع الدنماركي، وماذا صار يظن بالمسلمين عموماً. لقد بسّط رجل الشارع الدانماركي الأمر إلى حده الأدنى عندما أحاله إلى افتقاد المسلمين لروح الدعابة كونهم يغضبون من رسم كاريكاتوري، بينما يسخر الغربيون من الأديان، والقسيسين، والبابا نفسه، في أفلامهم، ومسلسلاتهم، وجرائدهم، كل يوم، دون أن يكون لأي شخصية دينية أو سياسية أي قداسة تمنعه من التعرض للسخرية. وبالتأكيد أنهم لم يبحثوا كون الأمر مختلفاً لدى المسلمين الذين يعتبر تقديس الأنبياء لديهم جزءاً من الطقس الديني، وشرطاً من شروط البقاء على الملة، وليس مجرد (زيادة) في التقرب والامتنان لذواتهم التاريخية. وهذا هو الخطأ الذي ارتكبوه، بتجاهلهم لاختلاف الأديان في التعامل مع رموزها، ومحاولة تعميم القانون الليبرالي على الخصوصية الأقلية، وهو مما يتناقض مع مبادئ الليبرالية نفسها التي تحمي حقوق الفرد الواحد، فضلاً عن الأقلية كلها.
على أي حال، انتهت القضية، واستنتج الدنماركيون بعض الأشياء، ولكن ماذا عن المسلمين أنفسهم؟ ماذا استفادوا من القضية؟ هل خرجوا منها بمرئيات مفيدة تساعدهم على التعامل بشكل حضاري مع صدامات مستقبلية محتملة، والتخاطب بلغة عالمية مع الثقافات الأخرى؟ بدلاً من المقاطعة التجارية، وحرق السفارات، والهتافات التي لا تستهلك إلا حناجر الناس، ولا تعود عليهم بأي مكسب حضاري يضيف إلى قيمتهم العالمية كمسلمين؟ هل أصبح لدى المسلمين، أو مؤسساتهم الدولية على الأقل، أجندة واضحة، وخطة طوارئ جاهزة، في حالة حدوث بركان إعلامي جديد كالذي فجرته الرسوم الكاريكاتورية؟ هذا هو السؤال، هل بدأنا في آلية التعلم من التجارب أم ليس بعد؟
في الوقت الحاضر، تقوم جماعة طلابية بقيادة الناشط الأمريكي، ديفيد هورويتز، بإحياء ما أسماه (أسبوع التنديد بالفاشية الإسلامية) في الجامعات الأمريكية الكبرى، وهو ما يثير جدلاً واحتجاجات في اتجاهات مختلفة، من الأمريكيين أنفسهم، ومن غير المسلمين قبل المسلمين، ورغم تبيان أصحاب الحملة أن المقصود هو الذراع المتطرف من الإسلاميين، كالقاعدة وأشباهها، وليس الإسلام نفسه، أو بالأحرى (المتصفين بالفاشية من المنتمين للإسلام)، إلا أن المبدأ الاحتجاجي ما زال قائماً، ومعترضاً على عدة نقاط جوهرية في مبادئ الحملة، وأهمها أنها تستخدم مصطلح الفاشية الإسلامية بشكل يهدد بتجاوز المصطلح لحدود الوعي المطّلع على الفئة المقصودة، وتحوله إلى مصطلح ملتصق بالمسلمين عموماً. وهو أمرٌ ممكن جداً، كما حدث أثناء الحرب العالمية عندما أصبح كل ألماني هو نازي، وكل إيطالي هو فاشي، وكل ياباني هو إمبريالي، ومن السهل جداً، في الظروف الحالية، أن يتحول كل مسلم إلى إرهابي، فاشي، متطرف.. إلى آخر ما يمكن أن يمتصه الذهن الجمعي الأمريكي، ويرسبه في وعيه إلى الأبد.
الأسبوع بدأ أنشطته فعلاً، وسط صراخ مؤيديه ومعارضيه، كما هو الحال في كل الأنشطة الثقافية الجدلية، ويبدو واضحاً أن المراكز الثقافية الإسلامية في أمريكا أصبحت أكثر ذكاءً وحنكة في التعامل مع هذه الأنشطة، كما أجبرتهم الظروف على التعلم، أو أجبرهم المجتمع الأمريكي، ذو التعدد الثقافي الأوسع على مستوى العالم، على تصور أنفسهم في موقع الآخر دائماً، حتى يتسنى لهم تبصّر حقوقهم، وحدودهم أيضاً بوضوح يتيح لهم الرد بشكل فعال، وقانوني، وذكي، ومقبول. السؤال الموجه للمسلمين المحتجين على هذه الحملة، كيف بظنكم اقتنع العالم فيما بعد أنه ليس كل ألماني نازي، ولا كل إيطالي فاشي؟

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي