البغـْي الاجتماعي

جريدة الوطن السعودية، 11 يناير 2007


 

عندما تسأل فرنسياً عابراً: من تكون؟، بدون أي إيضاح إضافي، فإن إجابته ستكون بالضرورة معبرة عن توجهه السياسي: يساري، ليبرالي، شيوعي، إلى غيرها من الفلسفات الأيديولوجية الشائعة في الشارع الفرنسي، وعندما تسأل أمريكياً السؤال نفسه، فإن إجابته ستحمل طابعاً مهنياً: أنا مصرفي، عامل بناء، مدير، رجل أعمال. أما في وسط إفريقيا، فستحمل الإجابة بُعداً قبلياً: أنا من هذه القبيلة أو تلك. هذا السؤال يكرّس مدى شيوع معنى جماعي للهوية في المجتمعات، فالهوية في فرنسا سياسية، وفي أمريكا مهنية، وفي إفريقيا قبلية، وفي بلد كاليابان، قد تكون الهوية أكثر إمعاناً في التخصيص إلى درجة الانتماء لشركة ما بعينها، فيجيبك الياباني: أنا من تويوتا، سوني، نيسان، وغيرها.


كلما صبت إجابات أكثر في نفس الوعاء المعهود لكل دولة، فإن هذا يشير إلى ازدياد معدل ثقة الفرد بمجتمعه، إلى حد يجعل سؤال الهوية حاضراً في ذهنه دائماً، فلا يتردد في الإجابة عليه، بينما أن انخفاض معدل ثقة الفرد بمجتمعه، يجعل كل فرد حاملاً لمفهومه الخاص عن الهوية، أو ربما، يسقطه سؤالٌ كهذا في حيرة من أمره، فينقذ نفسه من هذه الحيرة بأن يستسخف عمومية السؤال، ويطالب بتوضيحه أكثر حتى يتمكن من الإجابة عليه بشكل مريح، دون أن يرهق نفسه المهزوزة. ولربما اختار هوية شديدة التعميم لينجو من شَرَك السؤال، مثل (أنا مسلم)، أو شديدة الخصوصية، ليفقد السؤال أهميته، مثل (أنا من الحي الفلاني)!


الشاهد من الموضوع أن التحزب والانتماء إلى تيارات مختلفة سمة بشرية اجتماعية لم يسبق للتاريخ أن جاء خالياً من ملامحها، وهي متطورة بتطور المجتمع، فكلما كان المجتمع محتشداً بتيارات متنوعة، دل ذلك على خصوبة أرضيته الثقافية التي تتيح لكل هذه التيارات أن تنمو في وقت واحد، ومكان واحد، بينما يدل التوحد في تيار ما على أن هذه الأرض لا ينبت فيها إلا نوع واحد مهيمن من الأشجار، وأنواع أخرى قليلة، غير مؤثرة في الصورة النباتية العامة. هذه حالة طبيعية، ولكنها للأسف، تتعرض للأمراض حسب الظروف التاريخية والاجتماعية، مما يؤدي لتحولها إلى (حالة غير طبيعية)!


من هذه الأمراض قانونٌ تاريخي/اجتماعي ما زال يتكرر بدقة غريبة عبر التاريخ الإنساني، ليكون مسبباً رئيساً في صياغة السلوك العام للتحزب، وهو، كما أفهمه أنا، (أن تسليط فكر على فكر آخر بالقوة يؤدي، بالضرورة، إلى فساد كليهما)، والشواهد كثيرة، وكان نصيب مجتمعاتنا بالذات من هذه النظرية شاهدين كبيرين على صحتها: الأول هو الانفصام المؤلم بين الشيعة والسنة، والثاني هو الصراع غير النافع بين التيار الليبرالي الناشئ، والتيار المحافظ المهيمن. ولأن هذين الشاهدين يدور حولهما أغلب الجدل الذي تفرزه دولة بأكملها، فمن الصعب اختزال المسببات في نظرية، لاسيما أن الانقسام من سنن البشرية الفكرية، كما هو بالطبع من سننهم الجينية، فلولا أن الخلايا تنقسم لما تكوّن أي مخلوق ولا تطورت أي حياة، فما بال الفكر؟


بعد أن كان الخلاف السني الشيعي قضية سياسية بحتة يوماً ما، كان يمكن أن يتجاوزها الزمن وتطوى بالنسيان والتقادم حتى لو لم يوفق الطرفان إلى حلول مُرْضية وقتها، كان الخلل المؤلم الذي حدث، وحوّل القضية إلى ما هي عليه الآن، وهو حيازة السلطة من قبل أحدهما، ثم تسليطها بنوايا سياسية بحتة على الفكر الآخر، وفرض الفكر ذي الثوب الواحد على مجتمع بأكمله، وهو، بلا شك، تدخل سياسي باطل في حركيات المجتمع الطبيعية، شيء يشبه التخريب، إن صح التعبير، للسيرورة الاجتماعية التي تنمو بهدوء، ووفق قوانين ثابتة عبر الحضارات. هذا الحدث نتج عنه في النهاية: فكران مشوّهان، أحدهما مبتلى بالغلو والتقوقع، والآخر مبتلى بالإقصائية والأحادية. ولو أن أحدهما لم يتسلط على الآخر بالقوة، ولم تجد النظرية أعلاه مكاناً لها بينهما، لربما تنافس التياران بينهما بشكل نافع، إيجابي، ومثر للثقافة الإسلامية الحرة، غير الموجهة، ولا المستفزَّة، ولربما كان شكل العالم الإسلامي الآن مختلفاً عما هو عليه.


يتكرر القانون مرة أخرى في قضية معاصرة، لُمِسَت مع بداية نشوء تيار ليبرالي، أو بالأحرى، تيار ينادي بالليبرالية، سواء كان محققاً لشرطها الثقافي أو لا، وسواءً كان نشوؤه هذا قد اعتمد على قواعد نظرية كافية أو أنه كان مجرد ردة فعل ضرورية ومستوردة على عجل، فإنه، في كل الأحوال، قد بدأ في ممارسة حقه الاجتماعي الطبيعي في التشكل، والتنظير، ومن ثم في مرحلة لاحقة، تطوير سلوكيات مميزة، ومتكلمة بلسان الحال النظري للتيار، وسواءً فشل هذا التيار على المستوى التنظيمي، لأسباب لا تعد ولا تحصى، إلا أنه لم يكتف بهذه الخسارة فقط، حتى لحقت به الخسارة الأكبر، حسب القانون إياه، فتشوّه نظرياً!، بعد أن تسلط عليه، وعلى مدى سنوات طويلة، الفكر المهيمن للتيار المحافظ، فتحول التيار الليبرالي في المقابل إلى تيار نزق، معكر المزاج دائماً، ومتذمر بشكل مستمر من أي سلوك اجتماعي ظاهر يمارسه التيار الآخر، وأصبح التيار الليبرالي يفكر بذهنية المهزوم، التي تكره كل علامات المنتصر في معركتهم البطيئة، وترفض كل نظرياته، حتى تلك النظريات التي كان من المحتمل أن يتفقوا عليها لو أنهم تحاوروا بشكل صحيّ، تجدهم يفندونها واحداً تلو الآخر، بسبب أعراض مرضية في ذهنية التيار نفسه، سببتها له مطارق القرع الشديد التي يتعرض لها منذ ولادة جسده الهش، والمتداعي سلفاً.


وإذا كان التيار المحافظ، المتمكن من كل أدوات السلطة الاجتماعية تقريباً، قد استمرأ الممارسات الكبتية التي أحكم بها ضرباته للتيار الليبرالي، ذي المنهجية المستحدثة، فإنه لم يسلم من خسائر أخرى، قد تكون أكثر فداحة. إذ إنه خسر اعتداله النظري، واحتكامه للأصول، وتوجهه المقاصدي، وتحول إلى آلة نمطية الحركة، وغير خلاقة، ومتمحورة حول ذاتها، وتمارس أدواراً قمعية ثابتة تجاه كل ما يحمل رائحة الليبرالية، من أفعال شخصية أو جماعية، واستنفد السلفيون الكثير جداً من طاقاتهم التيارية التي كان حرياً بهم تسخيرها في قنوات الإصلاح الاجتماعي بدلاً من تضييعها في ملاحقة الرموز الليبرالية، وتشويه الأساس النظري لها، فاتحين الباب أمام المزايدات، ومن يعلم ومن لا يعلم، ليتجاوزوا بالأمر نطاق التيار المحلي، فيتشكل لديهم فكرٌ متصلب، متشنج، تجاه كل ما هو أجنبي، وغربي، من حيث جاءتهم الليبرالية كما يعتقدون.


هذا (البغي) الاجتماعي الفكري من فئة على فئة أخرى، يشكل خطورة مستمرة على صحة المجتمع وسلامته من أمراض أصبحت شائعة جداً، مثل: العنف، وعدم الشعور بالانتماء، وانكماش جهود الإبداع، وضيق مساحة الحرية الفكرية، والنزعة المستمرة للاستعانة بالغريب والخارجي، وغيرها. ولهذا فهو، أعني البغي الاجتماعي، أصبح ظاهرة ينبغي أن تُقاتل فكرياً، حتى تفيء إلى أمر الله!، وأيضاً، ينبغي إحالة قضية تسليط فكر على آخر إلى المحاكمة الاجتماعية، ليتم إدانتها وترسيخها في الذهن الاجتماعي على أنها فعلٌ مناف للأخلاق، وذو طبيعة بدائية، وهمجية، وضد الحكمة، والعدل، والمروءة. وذلك عكس ما هي عليه الآن في ذهنية التيارين معاً كجهاد فكري عند السلفيين، ونضال ثقافي عند الليبراليين!


إن تسليط فكر على فكر آخر بالقوة السياسية يحرمنا من التمتع ببيئة طبيعية آمنة، يختلف فيها أفراد المجتمع بشكل خلاّق، وتنافسي، ذي طبيعة تكاملية، هادئة، وعادلة. ويؤدي بنا إلى أن نقف الآن في ساحة فكرية مائجة بتلاطم فكرين كلاهما فقد أهليته لقيادة دفة الإصلاح الاجتماعي!، وقطع الجسور الممكنة لتفعيل حوار عقلاني موضوعي بين الطرفين، هدفه التعاون من أجل الإصلاح، كلٌ من منطلقاته، وليس حوار بصيغة المناظرة الهادفة إلى سحق أفكار الآخر، والإقناع، ودحض الحجج، وبقية أفعال المناظرة التي حتى ولو انتهت بنتائج واضحة، وهذا نادر، فإنها غير مفيدة في الغالب، لصعوبة تعميمها على الآخر، واستحالة تحويلها إلى قناعة جماعية في النهاية.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي