|
يقول عالم البيئة الأمريكي موللي بيتي (على المدى البعيد، الاقتصاد
والبيئة ليسا إلا اسمين للشيء نفسه، وكل ما هو غير بيئي، هو غير
اقتصادي بالضرورة، هذا هو قانون الطبيعة!)، ومقولته هذه اتفق عليها
تقريباً كل النافذين في منظومة الاقتصاد العالمي، وأصبحت الآراء
المخالفة لذلك من التاريخ البائد، ذلك أن الاقتصاد بصفته علماً
اجتماعياً يهدف إلى تنمية موارد المجتمع بما يحقق الرخاء لأفراده،
لايمكن أن يتجاهل (البيئة) ما دامت كلمة (التنمية) موجودة في
تعريفه الأساس. الجدل الآن مقتصرٌ على ما هو بعيد المدى، وقصير
المدى من العائد الاقتصادي، والعائد البيئي. فالإصلاحات البيئية
قبل أن تتحول إلى ضرورة حياتية لسكان الكوكب، ماتزال معادلة
اقتصادية معقدة، تحتاج إلى جهود كبيرة لتفكيك الطريقة التي بنى
عليها العالم اقتصادياته في القرن الأخير، وإعادة تركيبها من جديد،
بشكل يأخذ صحة الكوكب في الاعتبار، والحاجة الاستهلاكية المتزايدة
لسكانه. ولأنها معادلة اقتصادية معقدة كما سبق، فإن كل الحلول
المطروحة تحتاج إلى تجريب واقعي لإثبات مدى إمكانية أن يقبل
المجتمع أطره الاقتصادية الجديدة، ويعيد ترتيب مصالحه وطرائق سعيه
وكدحه. ومن الصعب قبول الحلول والنظم الاقتصادية النظرية كما هي
على الورق، وافتراض أنها ستعمل جيداً على أرض الواقع ما دامت
الأرقام دقيقة، لأن الاقتصاد يتمحور دائماً حول أفعال الناس،
وافتراضاتهم، وتوقعاتهم، ومعاييرهم لمستوى العيش المقبول، والعيش
المرفوض.
هكذا يكون التجريب على نطاقات المجتمعات الحضرية الصغيرة ضرورة،
لأنه لا توجد دولة بإمكانها أن تتحمل الثمن الفادح لانهيار
اقتصادها في حالة اتخاذها منعطفات حادة لإعادة توجيه الاقتصاد نحو
أهداف بيئية، فالاقتصاد بطبيعته العملية سريع الانهيار، بطيء
البناء، بسبب صعوبة استعادة ثقة المستثمر، وتشجيع رأس المال. وفي
السنوات الأخيرة، كانت تجربة إنشاء نظام اقتصادي واجتماعي صديق
للبيئة على نطاق القرى، والمدن الصغيرة، وبعض الشركات، هو ما تقوم
على تشجيعه الكثير من الدول الغربية، (راجع مقال المدينة
الإيكولوجية: الوطن، 8 رمضان 1428). وثمة شيء من العدالة أن يبادر
إلى الإصلاحات البيئية أولئك الذين أسهموا بشكل أكبر (وما زالوا)،
في تخريب البيئة. فأمريكا مثلاً، والتي تجتاحها هذه السنوات
الأخيرة صحوة بيئية عالية، تحتل الترتيب الأول في قائمة الدول من
حيث انبعاثات الكربون الضارة، والمسببة لظاهرة الاحتباس الحراري
الشرسة. وإذا كانت أمريكا قد أثرت ثراءً بالغاً من وراء تلك
المشاريع التي دفعت البيئة ثمنها غالياً، فمن المناسب أن تقوم
أمريكا إذاً بتجربة كل الحلول والأفكار الجديدة، وتحمُّل تبعاتها
الاقتصادية، قبل أن يستقبلها العالم، بعد أن تثبت جدواها وصلاحيتها
للتطبيق، وتعتمدها الدول الأخرى.
وعلى أية حال، فإن هذا ما يحدث فعلاً. فإذا استثنينا اليابان
وأستراليا، فإن أغلب الجهود البيئية المبذولة حالياً هي غربية
المنشأ والدافع، تأتي في مقدمتها الدول الإسكندنافية، وكندا، وبقية
دول أوروبا، ثم أمريكا. وأسباب ذلك كثيرة، منها ارتفاع الوعي
البيئي لدى المواطن الغربي، وتأثر تلك الدول تأثراً مباشراً
بالكوارث الطبيعية مؤخراً، والضغوط التي تمارسها الجمعيات الصديقة
للبيئة وسط أنظمة ديموقراطية يمكن الوصول لنتيجة معها، بالإضافة
إلى توفر الجامعات ومراكز الأبحاث التي تجعل الأمور تبدو حقيقة
واقعية، وليس مجرد تخرصات لا تحتمل أخذها بجدية.
إن العمل على الإصلاحات البيئية بدأ فعلاً، ويوجد العديد من
النماذج الواقعية المكتملة والناجحة، بالإضافة إلى العشرات من
الاختراعات التقنية التي تنتظر الموافقة (الاقتصادية) الرصينة على
دخول السوق، مدعومة بقوانين تمنحها قوة تنافسية بجوار البدائل
المضرة بالبيئة. ولا يؤخر هذه الجهود إلا انشغال السياسيين
بالصراعات العالمية، بالإضافة إلى تحالفات الشركات الكبرى لتعطيل
القوانين بعض الوقت حتى يتسنى لها إعادة ترتيب أوراقها، بالإضافة
إلى تباطؤ بعض الدول النامية التي ترى أن الاهتمام بالبيئة ليس إلا
نداءً مترفاً من الدول الغنية التي استوفت مقوماتها التنموية، ولا
يعاني أهلها من الجوع والفاقة. ورغم ذلك، فإن كل المؤشرات تشير إلى
أن (الاقتصاد الأخضر) قد بدأ يتموضع في الضمير العالمي، وسيبدأ
خلال العقود القليلة القادمة في الهيمنة على كل الأنشطة الإنسانية
عموماً، لأن الأمر لم يعد مجرد مشكلة أسماكٍ تموتُ في محيط بعيد،
أو جفاف يحيق بصحراء أفريقية، بل تعدى ذلك إلى كوارث تتربص بمناطق
حضرية كبرى، استثمر فيها الإنسان أموالاً هائلة. ذلك ما جعل الجدل
حول موضوعات البيئة يأخذ شكل التهديد الاقتصادي هذه المرة، وهو جرس
الإنذار الذي لا يمكن لأحد تجاهله. ولعل بعض الأرقام عن الخسائر
التي خلفها إعصار كاترينا قبل أعوام، وحرائق جنوب كاليفورنيا
الحالية، تدفع موضوعات البيئة عدة مواقع إلى الأمام في أجندات صناع
القرار حول العالم. |