المشروع المجهول

 جريدة الوطن السعودية


صباح أحد أيام عام 1942، استيقظ العديد من الأمريكيين الباحثين عن عمل على ما كانوا يحلمون به طيلة الليل، وصافحت أعينهم في الصباح تلك الإعلانات المكثفة التي وجدوها في كل مكان،وكلها تبحث عن العمالة المدربة في كل التخصصات، بلا استثناء.انتصبت اللوحات الهائلة في الطرق الرئيسة وهي تحمل في محتواها الكثير من الحفز والتشجيع.. والغموض أيضاً. ذلك أن صيغة الإعلان لم تكن تلك المعتادة في مثل هذه الحالات، لأنها لم تكن توضح شيئاً عن الهدف، أو المشروع الذي سيعمل فيه هؤلاء العمال المطلوبون، بل كل ما كانت تقوله:(لا نستطيع إخبارك ما الذي ستشارك في بنائه، ولكن نعدك أن يكون هناك (قطعة لحم) على طاولة عشائك كل ليلة)، وكان ذلك يبدو مؤشراً كافياً آنذاك على مستوى العوائد المادية لهذه الوظائف الموعودة، لأن توفر اللحم كل ليلة كان حلماً فارهاً، لاسيما في خضم الحرب العالمية الثانية التي كانت أمريكا تحارب فيها على جبهتين، الغربية مع حلفائها في أوروبا، والشرقية ضد اليابان التي دخلت الحرب فجأة دون إنذار، ودمرت ميناء بيرل هاربر الشهير. ويبدو أن هذا الإعلان نجح في مخاطبة البطون الجائعة للآلاف من الأمريكيين الذين ما زالوا قريبي عهد بأيام (الإحباط الكبير) الذي ضرب الاقتصاد الأمريكي في الثلاثينات، ولم ينته إلا بمضاعفة الإنفاق الحكومي الذي أوجبته حالة الحرب، لتشغيل المصانع الحكومية، ولم يكن هذا المشروع إلا واحداً منها، ولكنه ذو طبيعة خاصة، أوجبت هذه السرية البالغة. بل وجاءت نتائج الإعلان أنجح مما توقعه المعلنون، وازدحمت مواقع المشروع المتعددة بأكثر من 75 ألف متقدم ومتقدمة، انضموا جميعاً إلى زملائهم الذين سبقوهم في المشروع من قبل، ليصل العدد الإجمالي إلى أكثر من مئة وثلاثين ألف عامل وعاملة. هذا العدد الذي يفوق في مجمله جيوش بعض الدول، راحوا جميعاً يعملون بكل دأب في مشروع واحد، يجهل أكثرهم كنهه وماهيته، ولكنهم كانوا يستشعرون حتماً أنهم يعملون في أضخم مشروع علمي وهندسي في تاريخ الإنسان آنذاك.
تحولت مواقع المشروع المتعددة من مجرد بقع خاوية في البرية، إلى مدن كاملة! فمدينة لوس آلموس في ولاية نيومكسيكو كانت مجرد أرض خواء، اشتراها الجيش الأمريكي ببضعة ملايين من الدولارات، وتحولت في غضون سنة واحدة إلى مدينة كاملة يقطنها أكثر من 75 ألف عامل وعاملة مع أسرهم، يعملون في المشروع المجهول. ومدينة أوك ريدج لم تكن موجودة من قبل في خريطة البلاد، ولكن المشروع أسسها من الصفر، لتصبح خامس أكبر مدينة في ولاية تينيسي، كذلك هو الحال تقريباً في مدينة هانفورد في ولاية واشنطن التي أخلاها الجيش من سكانها، وحول مساحاتها الهائلة إلى موقع عسكري سري.
كان المشروع هو مشروع مانهاتن الذي تبنته الحكومة الأمريكية بعد أن تواترت إليها المعلومات أن الألمان يسعون لصناعة قنبلة من التفاعل المتسلسل للذرة، فجندت له كل الطاقات المادية والبشرية الممكنة، لبناء أول قنبلة ذرية في تاريخ الإنسان، وبالإضافة إلى مختبرات العمل الفعلية في المدن الثلاث المذكورة، توزعت العشرات من مراكز البحث والتطوير المشاركة في الولايات المتحدة، وبعضها في كندا، وبريطانيا أيضاً. وبلغت كلفة المشروع آنذاك أكثر من ملياري دولار تقريباً، وهو ما يعادل تقريباً أكثر من عشرين ملياراً من دولارات هذا اليوم، ويكفي أن نذكر أن حجم الطاقة الكهربائية التي كان يستهلكها هذا المشروع وحده كان يعادل عُشر الطاقة الكهربائية المستهلكة في أمريكا بأكملها.
بعد عدة سنوات، نتج عن ذلك المشروع الهائل ثلاث قنابل فقط. الأولى كانت قنبلة البلوتونيوم التي تم تطويرها في هانفورد، وتم تفجيرها تحت الاختبار في موقع ألموقوردو، في ولاية نيو مكسيكو، والثانية كانت قنبلة اليورانيوم المخصب التي تم تفجيرها في مدينة هيروشيما اليابانية في السادس من أغسطس عام 1945، والثالثة كانت قنبلة بلوتونيوم أخرى، وتم تفجيرها فوق ناجازاكي، بعد ذلك بثلاثة أيام. وانتهت الحرب!
انتهى الجزء التاريخي من المقال،والمزيد من المعلومات عن طبيعة المشروع، ومراحله، ومشكلاته، وشخوصه الشهيرة يمكن الحصول عليه من أي موسوعة، أو مرجع تاريخي. ولكن بقيت تلك الأسئلة التي تحوم حول الأثر الذي تركته صناعة هذه القنبلة الجبارة على الإنسانية، وهو محور جدلي، توتر على أطرافه العديد من السياسيين، والعسكريين، والفلاسفة،والمؤرخين، وغيرهم. هل كانت هذه القنبلة الذرية في الحقيقة، نافعة للإنسانية؟
إن على الذي يروج لهذه الفكرة، أن يأخذ في الاعتبار تاريخ الحروب لدى البشر. لقد ظل عدد قتلى الحروب في تاريخ البشرية يتناسب طردياً مع تزايد عدد البشر طوال كل القرون السابقة. وظلت تلك العلاقة بين الرقمين ثابتة، وفي الحرب العالمية الثانية بلغ رقم الضحايا ذروته، ثم بعد إلقاء القنبلتين على هيروشيما وناجازاكي انخفض هذا العدد دراماتيكياً، حتى إلى مستويات ما قبل الحرب نفسها! وبغض النظر عمن سبق إلى اختراع القنبلة، كان يبدو آنذاك أن العالم يحتاج إلى قوة عظمى واحدة، لأن سبب الحرب العالمية كان توفر الأسباب البشرية والمادية التي أدت إلى تواجد أكثر من دولة قوية في نفس الوقت، وبنفس مستوى القوة تقريباً. مما جعل كلاً منها لا يرهب الآخر. لقد كان العالم آنذاك أشبه ما يكون بمجموعة من البلطجية الأقوياء الذين أخذتهم نشوة الحرب، وكان العالم بحاجة إلى أن يتفوق أحدهم على البقية، ليتوقف القتال.
ولعله من الصعب استنتاج شكل العالم لو أن دولة أخرى قبل أمريكا سبقت إلى هذا الاختراع، فمن جهة ما، كان الحلفاء، وعلى رأسهم أمريكا، هم الدول ذات الأيديولوجية الأقل تعسفاً تجاه بقية الحضارات والثقافات، رغم أنهم استمروا في الاستعمار بعد النصر مباشرة، (باستثناء أمريكا التي لم تكن بحاجة إلى الاستعمار، وما زالت مكتفية بقارتها العلوية المعزولة عن العالم، يأتيها رزقها من العقول والثروات المهاجرة حتى موانئها دون أن تسعى هي إليه)،فأغلب دول الحلفاء كانت ديموقراطية في نشأتها، وهو ما يختلف جذرياً عن نازية ألمانيا، وفاشية إيطاليا، وإمبريالية اليابان. وكل هذه الدول الثلاث الأخيرة كانت تعتمد على معايير عرقية، ودينية، متشددة في نظرتها لبقية العالم، وهو ما لا يبشر بخير لو أن النصر كان حليفهم.
لقد صفعت هذه القنبلة البشرية صفعة هائلة، أعادت إليها رشدها الذي فقدته طويلاً. مما جعل القول إن فوائد القنبلة الذرية الأولى كانت واضحة يبدو مقبولاً إلى حد ما، ولعل من أوضحها عدم قيام أي حرب عالمية منذ ذلك الوقت، إذ أصبح القرار أصعب كثيراً على السياسيين، وخلعت الأيديولوجيا ملابسها العسكرية، وراحت تعمل في ميادين الثقافة، والفلسفة، والاقتصاد، بعد أن تيقنت أن الميادين العسكرية أصبحت باهظة الثمن، وأكثر كلفة مما يمكن أن تتحمله الأيديولوجيا نفسها، في أشد صورها المتطرفة. لقد كان النازيون في أوج صلفهم الأيديولوجي، ثم كانت الحرب من الهول أن أنستهم النازية تماماً! وبعد الاستسلام، غيرت اليابان مسارها تماماً، عكس الاتجاه، وهي متألمة بشدة في مدينتيها المنكوبتين، وكذلك فعل الإيطاليون الذين شنقوا زعيمهم الفاشي، وعادوا إلى بقية العالم.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي