|
كان سقراط، فيلسوف الشك والتساؤل، يؤمن بوجود إله واحد، بينما كان
كابيلا، مؤسس المذهب السانخي الهندي، ينفي وجود الله. الفلسفة قادت
الأول إلى الإيمان بوحدانية الله، وسط المجتمع اليوناني الذي كانت
آلهته تتكاثر مثل البشر، بينما قاد الدين كابيلا إلى أن يخرج من
جلده، هو الذي كان قسيساً براهمياً من قلب الهند القديمة المغموسة
في الأديان إلى أخمصها، وينزع إلى تكوين مذهب مستقل، يتخذ من
الفلسفة عقيدة له. وهذا ليس بمستغرب، ففي الحضارات القديمة لم يكن
رجل الدين إلا فيلسوفاً يجري على لسانه الكلام المقدس، وفي
المقابل، تحولت أفكار الكثير من الفلاسفة، ونظرياتهم حول الخلق،
والوجود، والحياة، والموت، والخير، والشر.. إلى أديان!
ورغم ما قد يبدو على علاقة الدين والفلسفة من الخصام والتنافر
أحياناً، يجدر القول بأنهما، في الحقيقة، كانا حليفين تاريخيين في
أعماق الوعي الإنساني، وشواهد ذلك لا تظهر بالتنقيب المباشر في
الحضارات المختلفة فقط، وإلا كنا خرجنا بمنظومتين مختلفتين من
الأفكار، تقتسمهما الدراسات الميثولوجية، والفلسفية، دون دراسة
وسطى تبحث عن القواسم مشتركة، ولذلك لا نستفيد كثيراً، لأننا في
الحقيقة نحتاج إلى تجريد مستمر للمأثور الفلسفي والديني لاستنباط
المنطقة المشتركة في الوعي الإنساني التي اشتركا في حرثها معاً، ثم
تركاها تفرز حضارتها على مهل، حتى نفهم طبيعة هذا التحالف المزعوم.
إن إيمان سقراط بالإله الواحد، ربما يرجِّح فرضية كونه أحد
الأنبياء السماويين الذين لم يذكروا في القرآن، ولو كانت هذه
الفرضية حقيقة، فإنها تكون أجلى صور التحالف الفلسفي الديني
الممكنة، وكان بوذا في الأصل رجلاً زاهداً، خلع عن نفسه المُلك،
ولم يدْعُ الناس إلى عبادته أو تقديس أقواله وأفعاله على الإطلاق،
ولكنه بمرور الأعوام تحول إلى ذلك الإله الذي يعبده أكثر من نصف
مليار إنسان على وجه الأرض، ولهذا السبب تتم الإشارة إلى البوذية
في الموسوعات الكبرى بوصفها ديناً أحياناً، وأحياناً أخرى بوصفها
مجموعة من الفلسفات المتنوعة. وفي المأثور عن بوذا سخريته الشديدة
من رجال الدين، وتخوفهم من الفلسفة، فيقول لأصدقائه (هناك يا
إخواني بعض الرهبان، وبعض البراهمة، يتلوّون مثل ثعابين الماء،
فإذا ما ألقيت عليهم سؤالاً في هذا الموضوع أو ذاك، عمدوا إلى غموض
القول، وإلى تلويّ الثعابين)، وقد استنبط المؤرخ الأمريكي ويل
ديورانت عن بوذا (كانت فكرته عن الدين خُلُقية خالصة، فكل ما يعنيه
هو سلوك الناس، أما الطقوس، وشعائر العبادة، وما وراء الطبيعة،
واللاهوت، فكلها عنده لا تستحق النظر!)، ولكن هذا لم يغير الكثير
من مآله التاريخي، فعلى الرغم من سخريته من فكرة تقديس البشر بعضهم
البعض بدوافع دينية، نجده نفسه وقد تحول، بفعل أتباعه عبر التاريخ،
إلى ثاني أكبر معبود بشري في التاريخ بعد المسيح الذي تقول أغلب
الطوائف المسيحية بألوهيته.
ورغم ما يكشفه تاريخ الحضارات القديمة من تناغم بين الدين
والفلسفة، وتعاون جاد على هيكلة الوعي الإنساني، إلا أن علاقتهما
لم تخل من صدامات عادت بنتائج سلبية على الحضارات من حين لآخر.
فكلاهما، الدين والفلسفة، اضطهد الآخر في حضارة ما، في زمن ما،
وظروف معينة. إلا أن هذا الصدام يبدو مثل متلازمة حضارية لا تكاد
تخلو منها أي من الحضارات المتوسطة، وأغلب الحضارات الحديثة.
بالرغم من التسامح الظاهر بينهما في الحضارات القديمة. ولعل الأمر
يعود إلى طبيعة تقدم الإنسان أصلاً، فالأشياء تنقسم من أصل واحد،
ثم تختلف مع بعضها. مثلما أن البشرية خرجت من رحمٍ وحيد، ثم حاربت
بعضها البعض. والدين والفلسفة خرجا معاً من المحاولة الإنسانية
الأولى لفهم الحياة، واستيعاب ماهية الوجود، ولم يكن هناك أكثر من
طريقين لذلك: فإما قراءة المأثور الإلهي المفسر للحياة (الدين)، أو
استخدام الدماغ الكبير الذي يتميز به الإنسان عن بقية أدمغة
المخلوقات (الفلسفة).
لقد كان الدين دائماً محاولة جادة لتبسيط الحياة المعقدة لهذا
الإنسان المصدوم فيها، وتوضيح معادلات الخير والشر بأبسط ما يمكن،
ومساعدته على تخفيف آلامه، أو قبول مفهوم التألم على الأقل.
والقاعدة الأساسية لمذهب سانخيا الهندي كانت (إن انعدام الألم، هو
أكمل غاية ينشدها الإنسان). وفي المقابل، كانت الفلسفة تحاول أن
تساعد الإنسان في تعزيز ثقته بنفسه، وقدرته على وضع قدميه على
الأرض باتزان، وتفسير الأشياء الكائنة بنفسه، دون افتراضات مسبقة،
باعتبار أنها تقود إلى الإيمان، كما يرى ديورانت.
إذن يبدو أن الإسفين بين الدين والفلسفة لم يُدقّ إلا بعد أن قطعت
الإنسانية شوطاً طويلاً، وبعد أن أطلت السياسة برأسها كعنصر من
عناصر تكوين الوعي البشري. لقد نضج العالم، وازداد تعقيداً، حتى
أصبح للقوة الماديّة قدرة على تشكيل الوعي الإنساني أيضاً، بعد أن
كان ذلك مقتصراً على الدين والفلسفة فقط. الأمر الذي لم يكن ممكناً
من قبل، عندما كانت الحضارات تتشكل على أسس عرقية/ دينية/ فلسفية
بسيطة، وتتقاسم منطقة مشتركة من الوعي، يتيح لها مناخ التمدد
الحضاري. وبازدياد الأمم، أصبح تصادمها العسكري مع بعضها واقعاً
مستمراً، وانتبهت مراكز السلطة إلى أهمية التدخل في تشكيل وعي
الشعوب لتسهيل فرض الهيمنة، وهذا ما قامت به فعلاً، والشواهد كثيرة
جداً، ولهذا نرى في التاريخ كيف كانت القوى السياسية لا تكتفي بوضع
القوانين، وقائمة بالممنوعات والمسموحات، بل كانت تسعى بكل طموح
وعنجهية إلى إعادة تشكيل الأدمغة والقلوب. فالفرعون أخناتون الذي
قرر فجأة أن يتخذ إلهاً جديداً غير إله أبائه وأجداده، لم يترك
دينه الجديد، رغم نبل صفاته، يستميل قلوب الناس على مهل، بل أمر
بطمس كل معالم الدين السابق، وإقفال هياكله، وتشويه مراسمه، محدثاً
آلاماً هائلة في عواطف شعبه ومشاعرهم الدينية. وعندما طرأت
لـ(أكبر) إمبراطور في الهند فكرة دينية فجأة، جمع في مجلسه رهبان
الهندوس، وشيوخ المسلمين، وأمرهم أن يجمعوا بين تعاليم الدينين،
ويشكلون ديناً مشتركاً، يؤمن به كل الهنود! وعندما قررت روسيا أن
تتحول إلى دولة شيوعية، لم يكن لشعبها أي خيار في ممارسة حرية
الإيمان.
ولكن السلطة، باعتبارها عنصراً مستجداً من عناصر تكوين الوعي
البشري، كانت حديثة نسبياً في هذا الشأن، فلا تملك عراقة الدين،
ولا منطق الفلسفة، ولذلك احتاجت إلى التحالف الدائم مع أحدهما، ضد
الآخر. كما حدث في أوروبا في العصور الوسطى لأنها لا تستطيع
التحالف معهما معاً، فالدين والفلسفة يعملان بشكل تكاملي ليساعد
أحدهما الآخر على صياغة وعي بشري نافع، هذا الوعي الذي تحاول
السلطة تجنبه، لأنه يتصادم مع الأطماع السياسية التي تسعى منذ
الأزل إلى تخدير الوعي العام، وإبقاء القرار نخبوياً. ولذلك كانت
التفرقة بينهما هي الهدف السياسي الأول للسلطات النزاعة إلى
السيطرة.
عندما تحالفت الممالك
الأوروبية الوسطى مع الكنيسة، نتج عن هذا التحالف، سيئ النوايا،
مواليد ولا أقبح، واخترع رجال الدين في سبيل إرضاء الحكومات تهمة
الهرطقة، واتهموا بها كل من يخرج عن القطيع الفكري المذعن للسلطة
السياسية،وأحرقوا أصحابها في الطرقات. وعندما تحالفت السياسة مع
الفلسفة في زمن آخر، لم تكن النتائج أقل دموية من ذلك، كما حدث في
الثورة الفرنسية التي تمخض عنها عصر التنوير الأوروبي المشبع
بالفلسفة، فما أن تولى التنويريون السلطة، حتى وضعوا جانباً تلك
الأفكار الجميلة، ولم يكونوا أفضل استخداماً للسلطة من رجال الدين،
ووسمت الثورة الفرنسية باضطهادات كبيرة ضد الكنائس، والقسيسين،
والحريات الدينية. وغير الثوار حتى أسماء الشوارع الباريسية التي
كانت مسماة بأسماء رجال الدين، ومنعوا كل الممارسات الدينية، وسعوا
بكل ما يستطيعون إلى نزع الدين من كيان الأمة بالقوة، وأصبحت علاقة
أي مواطن بالمسيح مثل علاقته بجاسوس من البلدان المعادية!
إن هذا يثبت أن الدين والفلسفة حليفان أزليان، يؤدي غياب أحدهما عن
خارطة الوعي في أي مجتمع إلى خرابه، وتأزمه المحتوم. وكما تعلم
الإنسان من الدين فضيلة (اليقين)، كانت الفلسفة هي التي تنبه
الإنسان دائماً إلى خطورة (الإفراط) في اليقين. وربما كان هذا
السبب الذي أدى طوال قرون، وفي عدة أديان، من تحسس المتدينين من
الفلسفة، لأنهم يخلطون كثيراً بين (اليقين) و(الإيمان)، ويعتقدون
أن الفلسفة تهاجم إيمانهم بينما هي تحاول التخاطب مع يقينهم ليس
إلا، باعتبار (اليقين) ممارسة عقلية، تحدد للإنسان نقطة الانطلاق
في التفكير باتجاهات يتوخى منها نتائج نافعة، بينما (الإيمان) هو
ممارسة قلبية، تتيح للإنسان الارتكاز على قاعدة نفسية مريحة يستطيع
أن يغالب بها صعوبة الحياة. ولذلك، كان عدم إدراكهم لهذا الفرق هو
سبب منافحتهم عن (اليقين)، ورفضهم لمحاولات نقده وتغييره،
لاعتقادهم أنه يستهدف (إيمانهم) الذي ليس لأحد حق مصادرته، وهم
محقون في ذلك طبعاً، لأن الإيمان فعلٌ قلبيٌ لا يمكن للعقل
مناقشته، كما قال الفيلسوف الفرنسي باسكال (إن للقلب تفكيراً لا
يفهمه العقل أبداً!).
إن هذا يجعل من محاولة تغيير هذه القاعدة النفسية، (الإيمان)،
فعلاً غير مفيد، وغير مجد في تطور الإنسان الاجتماعي، على العكس من
محاولة تغيير القاعدة العقلية، (اليقين)، التي هي أمر ضروري من أجل
إنعاش الفكر الإنساني، ومنحه مساحة للتحرك الحضاري في اتجاهات
جديدة، ومختلفة. إن (إيمان) الإنسان يشبه الوسادة التي يرتاح
إليها، ولا جدوى من محاولة إقناعه بوسائد أخرى ما دام مرتاحاً، ولم
يشتك منها. بينما (يقينه) يشبه ملابسه التي تتقادم، أو تصغر، وتصبح
تدريجياً غير صالحة للاستمرار معه في أيامه القادمة، ولا بد من
(مرآة) فلسفية تقنعه أنها صارت رثة وقديمة. وهذا ما سعت الفلسفة
إليه منذ البداية،بأدواتها المتسائلة التي تعلم الإنسان فضيلة
(الشك)،مثلما علمه الدين فضيلة (اليقين). وكلتاهما فضيلتان
تكامليتان في روح الإنسان،وعقله، ومجتمعه. ولا تتناقضان إلا في
حالات من القصور الإدراكي لدى الإنسان بعينه، أو الكسل الحضاري لدى
مجتمع بأسره.
لقد حاول الدين في المقابل أن يمنع الفلسفة من الجنوح في الشك،
والإفراط فيه. ليس لأن الشك المفرط هو ممارسة غير مجدية، ولكن لأنه
ممارسة غير واقعية. فالشك قائم على تقويض اليقين، مثلما أن اليقين
قائم على تبديد الشك. وكل ما يطرحه الدين في هذا المجال هو أن على
كليهما العمل وفق رتم متساو يتيح للمجتمع الاستفادة من عمليتي
تقويض اليقين، وتبديد الشك. فمن الضروري عدم تقويض اليقين بسرعة
تتجاوز قدرة المجتمع على طرح يقين بديل يمتلك خصائص فكرية أكثر
قدرة على إفادة الإنسان في مرحلته الفكرية والحضارية الراهنة، ومن
الضروري أيضاً عدم تبديد الشك إلى الحد الذي يخفيه تماماً، ويغيب
دوره في المسرح الفكري، فيتحول إلى ممارسة منقرضة ومنسية وغير
مشجعة، مما قد يؤدي بالتالي إلى تسرطن اليقين، وتضخمه، ليتحول إلى
كائن دوغمائي متوحش، ومتسلط، وغير قابل للتبديل. وهذه الحالة
بالطبع قد تؤدي إلى قرون من التأخر الحضاري للمجتمع. (أعتقد أن
الأمثلة التاريخية على ذلك كثيرة جداً!).
هكذا سعت الفلسفة إلى حماية الدين من سلوكيات أتباعه، عن طريق زرع
طريق تديُّنهم بأعمدة الإنارة الفكرية التي تمنعهم من الركون إلى
الحقيقة الجامدة، وتعطيل قواهم المتسائلة. إن الأمر يشبه أن نقول
(إذا وصلنا إلى الوزن المثالي للجسم، هل نتوقف عن الرياضة؟)، وكذلك
إذا وصلنا إلى الحقيقة الإيمانية الكبرى، هل نتوقف عن التساؤل؟
ومثلما أن الاستمرار في الرياضة لن يضر الجسد، فكذلك الاستمرار في
التساؤل، لا يمكن أن يضر بالإيمان. الفلسفة هي التي تحمي الأديان
من أن يحولها الناس إلى كهنوت روتيني. كما أن نقد الفلاسفة،
وسخريتهم أحياناً، كثيراً ما أعادا للناس قدرتهم على رؤية اللمعان
الحقيقي للدين، بعد أن انشغلوا بالمزايدة في طقوسه، عن التعمق في
ماهيته. ولعل فولتير، بفلسفته الساخرة، كان يمارس هذا الدور عندما
قال (لقد كان أول كاهن، هو أول محتال، يقابل أول أحمق!)
في المقابل، كان الدين يؤدي معروفه للفلسفة أيضاً، عن طريق واحد من
أهم الأدوار الحضارية التي حاول الدين أن يمارسها في حياة الشعوب،
وهو التأكد من بقاء المسافة بين العقل الفردي السريع نسبياً، وبين
العقل الجمعي البطيء نسبياً ثابتة عند الحد الذي لا يؤدي إلى
انسلاخات ثقافية في عمق المجتمع،وما يلي ذلك من بوادر التهدم،
والفوضى. والأداة الأساسية التي يقترحها الدين هنا هي المزامنة
الديناميكية الحكيمة بين تقويض اليقين، وتبديد الشك، مع حمايته
للإيمان،بوصفه مصدر الطمأنينة الذي يلجأ إليه كل فرد حسب حاجته،
ليبقى فاعلاً، ومنتجاً، وحراً، وآمناً.
وللفيلسوف الألماني، إيمانويل كانط، رؤية عملية لهذه العلاقة بين
الدين والفلسفة، ولكن رؤيته هذه تحتمل بعض التوضيح أولاً قبل أن
تنتزع مقولته من سياقها الفكري، فتفهم بشكل معكوس. ذلك أن إيمانويل
كانط، كما يبدو من كلامه، يقصد بالدين هنا: طريقة ممارسة البشر له،
وليس الدين نفسه. كما أنه يتكلم عن الفلسفة باشتقاقها الأخلاقي،
باعتبارها نابعة من جمال العقل، يقول كانط (إن الدين لا يجوز أن
يقوم على أساس منطق العقل النظري، بل يجب أن يقوم على العقل العملي
للشعور الأخلاقي، ويجب أن يحكم عليه بما له من قيمة أخلاقية، وليس
باعتباره هو الحاكم الأخلاقي). من السهل جداً عند قراءتنا لهذه
المقولة أن نفترض أن كانط يهاجم الدين، ويتهمه بعدم الأهلية
الأخلاقية، وبالحاجة الماسة إلى مقوّم أخلاقي خارجي للدين، وهذا
غير صحيح. لأن افتراض سلبية الدين يجعل من مقولة كانط كلها غير
ضرورية، فكيف يمكن أن يفترض كانط قيمة أخلاقية في الدين إذا كان
يراه مفهوماً سلبياً؟ ولعل توضيحاً لمقصده هذا يأتي في مقولة أخرى
له، عندما يقول(إن قيمة المعتقدات الدينية تكون بمقدار تعاون الجنس
البشري على التطور والرقي الأخلاقي، أما إذا تحول الدين إلى مجموعة
من المراسيم، والعقائد، والطقوس الشكلية، وعلّق الناس عليها أهمية
كبرى، وفضّلوها على الناحية الأخلاقية التي جاء بها الدين، وجعلوها
امتحاناً تقاس به الفضيلة، فإن هذا يعني انتهاء أمر الدين،
وزواله).
إن هذا التحذير الفلسفي الصادر من فيلسوف مثل كانط، لا يدل إلا على
حرص الفلسفة على بقاء الدين جميلاً، ومتمسكاً بقيمه، ودوره الكبير
في حياة البشر. مثلما أن الدين نفسه سعى إلى إبقاء جذوة الفلسفة
مشتعلة في الوجدان الإنساني، ولعل تكثيف الثناء القرآني على (أولي
الألباب)، وتحفيزهم على التدبر والتبصر هو من أوضح الأدلة على
مكانة الفلسفة العالية في الضمير الديني، فأين هي منه الآن؟ |