|
ربما لم يعد من الواضح أيهما أكثر أهمية، رأينا عن أمريكا، أم رأي
أمريكا عنا؟ ولم يعد من الواضح أيضاً ماذا يعني رأي مجتمع ما، في
مجتمع آخر. فما هو هذا الذي يمكن أن نسميه (رأي أمريكا عن
السعودية)؟ هل هو رأي حكوماتها المتغيرة كل أربع سنوات، أم رأي
المواطن العادي، أم رأي هوليوود، أم رأي النخبة المثقفة؟ وماذا عن
رأينا السعودي في أمريكا، هل هو الرأي الدبلوماسي الحكومي، أم رأي
أئمة المساجد، أم رأي التيارات الاجتماعية المتصارعة، أم رأي
البراغماتيين، والمثقفين، والاقتصاديين؟ هل هو رأي كبار السن الذي
لا يتخلص من شوائب التاريخ بسهولة، أو صغار السن بوصفهم المعنيين
في النهاية بعواقب صياغة هذا الرأي، وعلاقتهم المستقبلية مع الأمة
الأمريكية؟ أسئلة ليست محيرة بالضرورة، وإجاباتها ليست هدف المقال،
ولكن تنوع هذه الأسئلة يبرر تنوع إجاباتها. وإذا كان يحق لنا أن
نطرح أسئلة من هذا النوع، فمن الضروري أيضاً أن نهيّئ وعينا لقبول
كل الإجابات المحتملة.
فيلم (المملكة) الذي يعرض في أرجاء العالم كلها هذه الأيام، لم يأت
إلا ليضعنا في مواجهة حادة مع هذه الأسئلة، فهذا الفيلم، رغم عدم
خروجه عن الملامح الهوليوودية المعروفة، يكاد يكون الجهد الأكبر في
تاريخ هوليوود الذي يتناول السعودية، ويضعها في قلب الشاشة، أمام
المشاهد العالمي في أغلب دول، ومدن، وقرى هذا العالم، ومن بعدها
إلى وسائط العرض المتعددة، ليبقى رهن التاريخ. الفيلم الذي يأتي في
منتصف الزحام الأيديولوجي، ويمشي على سطح المنطقة الملتهبة في
العلاقة بين البلدين، الإرهاب، ويتموضع في قلب اضطرابات الشرق
الأوسط الفكرية حول ما هو عادل وما هو ظالم، ويتناول كل ما يدور في
جبين العالم من قلق حول الحروب، والشرق الأوسط، والتطرف، كل هذه
الظروف المواكبة لصدور الفيلم لا تبشر شباك التذاكر بالخير فقط، بل
العديد من الشبابيك الأخرى التي ستشرع حتماً للاهتمامات،
والتساؤلات، والاختلافات، والاتهامات الكبيرة. ليس لأنه فيلمٌ
متقن، وعميق، وذكي. فهذه صفات لم ينجح الفيلم كثيراً في الظفر بها،
ولكن لأنه بسبب توقيت عرضه، يأتي مدعّماً بالأحداث الثقيلة التي
تؤرق العالم في السنوات الأخيرة، دون أن يبذل جهداً عبقرياً
لاستكناه ماهيتها، وهو ما يعبر عنه الناقد الأمريكي براين أورندورف
بشكل أفضل حين يقول ((من الواضح أن فيلم المملكة لم يحمل تحقيقاً
حول التشدد وثقافة العنف الإسلامي بقدر ما كان مجرد فيلم (آكشن)
روتيني يستخدم عناوين الصحف ليبقى حاضراً وحياً)).
ساعتان تقريباً من فيلم هوليوودي تدور أحداثه كلها في السعودية،
حول فرقة من المباحث الفيدرالية تشارك في التحقيق حول عمل إرهابي
استهدف أمريكيين في مجمع سكني في الرياض، حُشد فيهما الكثير من
الآراء المركبة، والجهد النظري، ومحاولة الفهم، ولكن مع الكثير من
المتوقع والمعتاد من (الخلطة الهوليوودية) للإثارة، ومغازلة مزاج
المشاهد الأمريكي في منطقته المريحة لتصوراته حول الآخر. فصناعة
الأفلام في النهاية ليس من أولوياتها مقاربة الحقيقة، وإعادة
تشكيلها في قناعة المشاهد، بقدر ما هي محاولة استخدام قناعة
المشاهد المسبقة في تمرير المتعة له. إننا نستمتع باستقبال الشواهد
الحياتية التي تؤكد لنا أننا على حق، وأن ما نفهمه من العالم صحيح
وواقعي، وتثبت ثقتنا فيما لدينا من الحكمة والثقافة، أكثر مما
نستمتع بتلك التي تسبب الانقلابات الفكرية، وصداع مراجعة النفس،
والعودة إلى الصفر العقلي، وألم الانسلاخ عن الوهم السابق.
والمشاهد الأمريكي يعيش هذه العلاقة اللذيذة مع آلته الإعلامية
الهوليوودية، وهو ما يهم الصانع الهوليوودي في النهاية، ولكن ماذا
عن المشاهد السعودي الذي يتفرج على فيلم مثل (المملكة)؟
من المحتم أن المشاهدين السعوديين للفيلم سيقفون على مسافات
متباعدة من الخط الذي طرفاه المتعة والاستفزاز. فلكل مشاهد وجهة
نظره الشخصية حول الملفات الساخنة التي تناولها الفيلم، وحسب تقارب
وجهة النظر هذه مع طرح الفيلم، أو تباعدها، سيجد المشاهد السعودي
نفسه يهز رأسه في أحد الاتجاهين طيلة ساعتين من المشاهدة، إما إلى
أعلى وأسفل علامة القبول، أو إلى اليمين واليسار علامة الرفض. وإذا
كان مشاهداً متمرساً على الحوار المتبادل وتناقل الآراء من قبل،
فلربما يراوح في هز رأسه بين الاتجاهين، متفقاً تارة، ومختلفاً
تارة أخرى مع أطروحات الفيلم المختلفة، أما إذا كان مشاهداً
محترفاً، وخبيراً في الإنتاج الهوليوودي، فلعله يريح رأسه من
الحركة، وعقله من التنظير والتحليل، ويكتفي بمتعة مشاهدة فيلم
(آكشن) آخر من أفلام هوليوود، بخلفية سعودية، ورتوش سياسية، لا
يختلف أبداً عن أفلام الآكشن السابقة التي أنتجتها هوليوود من قبل،
بخلفيات فيتنامية، أو روسية، أو أفغانية، أو مكسيكية، كلها تحكي
نفس القصة، عن أبطال أمريكيين يحاربون الأشرار في بلاد بعيدة،
وغامضة، وغريبة، ويتحالفون مع الأخيار من أهل البلد، وينتصرون في
النهاية، وسط (حفلة) من الطلقات النارية، والانفجارات، والمطاردات،
إلى آخر ما تنتجه التكنولوجيا من مؤثرات في الصورة والصوت التي
تخاطب الأدرينالين مباشرة.
يخبرنا الفيلم أن الإرهاب عدوٌ مشترك، وأن أمريكا والسعودية
تحاربان في نفس الجبهة، وتلاحقان نفسَ العدو الذي يهدد أمن
الدولتين. ولكنه يحاول بشكل أو بآخر أن يمرر (عتاب) الأصدقاء،
وربما سخريتهم، حول ما إذا كان الجهد المبذول في محاربة الإرهاب
كافياً أم لا. وهو ما (تعاتب) به وسائل الإعلام الأمريكية السعودية
منذ سنوات، دون إثبات حقيقي لأي بادرة تقاعس سعودية، (وإلا لكانوا
ملؤوا الدنيا ضجيجاً!)، ودون تفهّم لنزعة السعودية دائماً نحو
التريث، والعمل بهدوء وصمت في ملفات حساسة كهذه، بينما يفضل
الأمريكيون الضربات السريعة المثيرة.
ويحاول الفيلم أيضاً أن يكون عادلاً قدر المستطاع في توزيع أدوار
الخير والشر بين السعوديين والأمريكيين، فهناك فريق المباحث
الفيدرالية المستميت للدفاع عن أبناء جلدته، وهناك ضابط الأمن
السعودي الباسل والذكي وخفيف الظل (فارس الغازي)، ولكن هذه العدالة
مختلة بعض الشيء، فهو فيلم أمريكي في آخر المطاف، ولابد أن يظهر
فيه الأمريكيون أنبل، وأذكى، وأشجع. ولعل صناعة السينما السعودية،
إذا ما قدِّر لها أن تولد يوماً بحول الله، تنتصر لنا من هذا
الفيلم، وتظهر لنا المواطن السعودي، كما نحب أن نراه! وعلى أي حال،
لا أعتقد أن الأمريكان أنصفوا في أفلامهم أي جنسية أخرى إلى الحد
الذي يرضي أبناءها، وإذا كان السعوديون سيغضبون من ذلك، فمن الأولى
أن يغضب قبلهم الروس، والصينيون، والبريطانيون، والمكسيكيون،
والهنود، والكنديون. ففي النهاية، لم تكن هوليوود يوماً مشروعاً
إعلامياً لمجاملة شعوب الأرض!
ويحاول الفيلم أيضاً أن يكون دقيقاً في وصف الواقع السعودي، فينجح
أحياناً، (ذلك النجاح الذي لا نعتبره نجاحاً إلا إذا قارناه بأعمال
هوليوودية سابقة!) ويخفق أحياناً أخرى كثيرة إخفاقات تثير الضحك،
ولكنها لا تزيد المشاهد الأمريكي إلا تثبيتاً للنادر القليل الذي
يصل إليه عن السعودية كثقافة، ومجتمع، وسياسة. فبغض النظر عن خليط
اللهجات المضحك الذي أجراه الفيلم على ألسنة السعوديين، كان هناك
تصوير للنادر من الأفعال والتصرفات في المجتمع السعودي على أنها
أفعالٌ شائعة وسائدة فيه، مثل المشهد الذي يعترض فيه الجندي
السعودي على أن تلمس الأمريكية (الكافرة) جثة القتيل (المسلم) الذي
كانت تنوي تشريحه، (هل سمعتم بمثل هذا من قبل في مستشفيات
السعودية؟)، ومثل المشهد الذي ألمح فيه الضابط السعودي إلى وجود
تأشيرات إسرائيلية في جواز المفتش الأمريكي، (هل يفتش السعوديون كل
صفحة في جوازات القادمين؟)، والمشهد الذي منع فيه السعوديون
المفتشة الأمريكية من حضور دعوة رسمية لمسؤول سعودي رفيع لكونها
امرأة، (ألا يستقبل المسؤولون السعوديون النساء رسمياً في مكاتبهم
تحت كاميرات الإعلام الرسمي؟)
كل هذه المشاهد قد يبررها ضحالة الفهم الأمريكي لتعقيدات المجتمع
السعودي، وعدم بذل الجهد الكافي للخروج بعمل ذي خلفية متقنة، ولكن
هذه الضحالة تظهر في أجلى صورها عندما يتعلق الأمر بتناول القيادات
السياسية السعودية، فمن الواضح أن القائمين على الفيلم يجهلون
تماماً طبيعة العلاقة بين السلطة والشعب في السعودية، ولذلك
يتناولها الفيلم بصور مختزلة، متورطة في نمطية الصورة الهوليوودية
عن الحاكم العربي، وهي رؤية منقوصة، أجدر بكاريكاتير ناقص لرسام
قديم الأفكار، فضلاً عن عمل سينمائي ضخم كلف أكثر من 70 مليون
دولار، ولا يستنكف صانعوه أن ينسخوا مقدمة الفيلم من فيلم وثائقي
قديم، ثم لا يكلفوا أنفسهم حتى جهد مشاهدة القيادات السعودية في
الأخبار حتى يروا كيف تتصرف وتتعامل مع الناس؟!! |