كلمات متقاطعة: بن لادن، العودة، ابن باز

جريدة الوطن السعوددية 27 سبتمبر 2007


بالفعل، كانت الأسماء المنثورة فوق الخبر تشبه الكلمات المتقاطعة. ووجه الشبه أنه في الكلمات المتقاطعة، تشترك الكلمات وتتقاطع في حرف واحد فقط، ولكنها تتحرك في اتجاهين مختلفين (عمودي، أفقي). ورغم ذلك، يظل هذا التقاطع في الحرف الوحيد، مضللاً، ومثيراً للجدل، ويوهم أن ثمة علاقة تجعل كل كلمة تؤدي إلى الأخرى. وهذا ما هو حاصل مع هذه الأسماء. فهي تشترك في حرف وحيد، وفي صفة بسيطة، وفي توجهات عامة جداً، ولكنها تختلف في بقية الأحرف، وبقية الصفات، وبقية التوجهات التي تميز كلا منها. ولكن هذا التقاطع هو الذي سحب وراءه سنوات من العراك التياري، والجدل الأيديولوجي، وإلا فما العلاقة السببية بين بن لادن وابن باز وسلمان العودة؟ إلا ما يتخرصه المجتمع، وتنتهزه التيارات، ويبتهله اليائسون من معاركهم الطويلة.
الخبر كان بسيطاً جداً، فالشيخ سلمان العودة، يصرّح ضمنياً من خلال منبره الإعلامي أنه غير راض عن أفعال بن لادن، (إذا افترضنا أن توجيه النصيحة هو تعبير ضمني عن المخالفة في الرأي!). وهو لم يكن ليكون أكثر من رأي من بين ملايين الآراء المائجة في العالم حول هذا الرجل، بن لادن، الذي أعادت أفعاله العالم إلى ممارسة كل العادات الأيدلوجية السيئة. فلماذا يحتمل رأي سلمان العودة كل هذا الضجيج؟ ولماذا يستدعي توقيته ومضمونه كل هذا التأويل؟ سؤالان من الأسئلة التي لا يمكن إجابتها إلا على ضوء السلوكيات التيارية، وبراغماتية انتهاز الفرص، ونثر علامات الاستفهام الشوكية. وهي سلوكيات مشتركة في أغلب التيارات، مارسها التيار الإسلامي وما زال من خلال بعض نوافذه الإعلامية، عندما نثروا نفس علامات الاستفهام حول علاقة اللبراليين بالسفارات الأجنبية، ومدى اتفاقهم مع أجندات الغرب في المنطقة، والآن يكيل لهم اللبراليون نفس المكيال حول علاقة أحد رموز الإسلاميين، العودة، ببن لادن، ومدى اتفاقه مع أجندات القاعدة في العالم (على افتراض أن تأخره في الإنكار، يفتح باب الظنون الثمينة).

والحكمة لا تعترف بهذه الممارسات بطبيعة الحال، فالتيارات المتصارعة قد تكون ذكية، ولكنها ليست بالضرورة حكيمة، لأن آلية التصارع المستمر، والاستفزاز الدائم، تقلل كثيراً من فرص التدبر الاجتماعي، والتموضع بشكل صحيح في حياة المجتمع وثقافته، والإسهام في خلق الحلول الحضارية النافعة. (في الحقيقة، الحكماء لا يلعبون الكلمات المتقاطعة، بينما قد تستهوي لعبة الكلمات بعض الأذكياء!)، ولعله كان من الذكاء، بأخذ أهداف التيار المؤقتة في الاعتبار، أن يضع اللبراليون الكثير من الخطوط الكثيفة تحت تأخر سلمان العودة في التنديد بانحراف بن لادن، بل وفي صيغة نصيحته اللينة، الرقيقة، وكأن بن لادن لم يكن إلا مراهقاً يمكن مناصحته ليرعوي، وليس المطلوب الإرهابي الأول في العالم بأسره. إلا أنه، بالمنظار الحكيم للصورة الكبيرة، فإن اتفاق العودة وبن لادن في الحرف الوحيد من الكلمات المتقاطعة المتمثل في اعتبار الغرب عدواً، لا يعني بالضرورة اشتراكهما في بقية الأحرف واتجاهاتها التي تتخذ ألواناً طيفية مختلفة، تبدأ من عدم الموالاة، والبراءة، والدفع، وتنتهي بإعلان الحرب، والإرهاب، وقتل الناس. ولا يمكن محاسبة الشيخ سلمان العودة على إعلانه الاتفاق أو الاختلاف، فضلاً عن توقيت ذلك الإعلان، فهو في النهاية، رمز تياري مستقل، وغير مسؤول إلا عن أقواله وأفعاله الشخصية.
كما أن إقحام الشيخ ابن باز في الصورة يجعلها أكثر تعقيداً، وينزع عنها صفة العمق التحليلي للموقف، ويجعلها تبدو مكرسة لإلحاق الأذى الجدلي بالطرف الآخر فحسب، فالشيخ المتوفى لم يعد يملك صوتاً ليوصله حول الراهن من الأمور والمستجدات، ولا يمكن استخدام آرائه السابقة للحكم على أشخاص معاصرين، لأن عدد المتغيرات هنا هائل جداً، ولا يمكن أن يُبقي المعادلة ثابتة. وبالتالي، فإن استخراج الفتاوى البازية من محيطها الزمني السابق، واستنباط الآراء المثالية المطلوبة منها حول قضايا معاصرة فيهما ظلمٌ لمرجعية الشيخ أولاً، بحكم أنه قد أسيء استخدامها علمياً وعملياً، فلم يكن الشيخ ابن باز، لو كان حياً، ليمنح أياً من آرائه حول الأشخاص صفة الديمومة، ما دام هذا الشخص يتغير، والظروف تتغير، وبذلك يكون استخدام تزكية أو تخطئة الشيخ ابن باز لبن لادن أمراً لا يخلو من خطورة الوقوع في معاكسة واضحة لمنهجية الشيخ نفسه. وثانياً، لأن فيها إساءة أدبية له كذلك، بحكم أنه يزج به في صراع تياري غير حكيم، لاسيما وأن فتاواه القديمة يتم إظهارها وإخفاؤها حسب الظرف الأيديولوجي المراد التجادل فيه، فعندما تم إعدام صدام حسين العام الفائت، واشتعلت المروءة العربية والإسلامية في الحطب الخطأ، تمت التعمية عن فتوى الشيخ ابن باز القديمة بتكفير صدام، كونه بعثياً مؤمناً بأفكار البعث الإلحادية، وحاول القليل من المتجادلين تبرير الفتوى بكونها قديمة، وأن صدام تغير في سجنه، وتاب، وتأبط المصحف، وأطلق اللحية، وتشهد قبل الموت، رغم أن فتوى الشيخ ابن باز، حسب نصها المثبت في موقع سماحته كانت قاطعة بقوله (صدام كافر ولو صلى وصام!). فإذا كان تقادم فتواه حول صدام يبطل مشروعية الأخذ بها، فإن أي فتوى أو تزكية أو تنديد صدرت من الشيخ تجاه بن لادن هي مرهونة بوقتها، ولا يمكن اعتبارها في المحفل الجدلي هذا، واستخدامها كوسيلة لإدخال اسم ابن باز في الكلمات المتقاطعة.
وبغض النظر عن جدوى التنقيب في الحقائق المبطنة، والنوايا المبيتة، والميول القلبية، فإن اللعب بالكلمات المتقاطعة يضيع وقت المجتمع، مثلما أن الكلمات المتقاطعة في المجلات هدفها تمرير الوقت. فالشيخ ابن باز، ذو المشروع الشامل النزاع للسلم، والتوسط، والهدوء، والسكينة، وتجنب العنف، والتآزر مع ولاة الأمر، قد أفضى إلى ما قدم من عمل جليل، وهو وحده الذي يملك حق توضيح ملامح مشروعه هذا، ولا يمكننا إعادة تشغيل هذا المشروع في اتجاهات قد تختلف مع نوايا الشيخ الراحل. والشيخ سلمان العودة، الذي تقلب على عدة جبهات أثناء مراحل عمله الدعوي، انتهى أخيراً إلى هذا المنهج البراغماتي في الدعوة، والحوار مع الآخر، وراح يصوغ مشروعاً أكثر جدوى في مخاطبة المجتمع، وتوعيته، وتنويره، وتحصينه، ونقله إلى العالمية بسلام حضاري وثقافي، حسب فلسفته. كلاهما غير مسؤول إلا عن مشروعه الشخصي، ونتائجه على مجتمعه. ومن الظلم فعلاً أن يتحول مشروع كامل، بكل مكتسباته الوطنية المنتظرة، إلى مجرد كلمة عمودية أو أفقية فقط، وتتقاطع مع من؟ بن لادن!

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي