المدينة الإيكولوجية

جريدة الوطن السعودية، 20 سبتمبر 2007


  (أوفرتورنيا) مدينة صغيرة شمال السويد، لا تكاد تلفت الانتباه، بسكانها الذين لا يتجاوزون الآلاف الخمسة، يعاني ربعهم تقريباً من البطالة، وبأجوائها الباردة بحكم موقعها الجغرافي، بالإضافة إلى رتم الحياة البطيء والصعب فيها. هكذا كان من الممكن وصفها في عقد الثمانينات الميلادية، عندما لم تكن مخاوف سكانها تقف عند حدود ركودها الاقتصادي فقط، بل تتجاوز ذلك إلى أفكار مرعبة حول خطر التحول إلى بلدة مهجورة، تصفر فيها الريح، بسبب التناقص السنوي لسكانها الذين يهاجرون بحثاً عن فرص أفضل للعمل، ومدن أرقى للعيش. وكان من المتوقع جداً أن يكون هذا هو قدرها المحتوم الذي تنتهي إليه بلدة كهذه، بعد أن فقدت البلدة خُمس سكانها فعلاً، لولا أن انتخب الأهالي (توربجورن لاتي) في منصب مخطط المدينة، ليبدأ بعدها رحلة لإعادة الأمل إلى بلدته الخائفة على مستقبلها، ولينتهي بعد خمس وعشرين سنة بأول نموذج في العالم للمدينة الإيكولوجية، بمفهومها العملي، الناجح، والمنتج اقتصادياً، والمقبول اجتماعياً.
لم تكن أهداف لاتي تتوقف حول إنعاش اقتصاد المدينة فقط، بل استبداله باقتصاد جديد تماماً، يعتمد في أساسه على الصداقة مع البيئة. إنه اقتصاد المدن الإيكولوجية الذي يوجه جهود المجتمع نحو بناء اقتصاد يوفر الرغد المادي والاجتماعي لسكان المدينة، دون الإضرار بالبيئة، وباستخدام جميع البدائل التكنولوجية، والاقتصادية الممكنة التي لا تتسبب في إنضاب الموارد الطبيعية للبيئة، أو تلويث الماء أو الهواء، أو المساهمة في الاحتباس الحراري للأرض. وخلال فترة وجيزة نسبيا قياساً إلى عمر المجتمعات، استطاع (لاتي) وشركاؤه في العمل الحكومي أن يحققوا هذه الأهداف التي كانت أشبه ما تكون بمعجزة اقتصادية- بيئية صعبة الحل، عجزت عنها من قبله قائمة طويلة من علماء البيئة، وجهابذة الاقتصاد، ورجال السياسة أيضاً.
اليوم، يوجد أكثر من ستين مدينة في السويد وحدها تتنافس بجدية لتحذو حذو أوفرتورنيا الصغيرة، وتستفيد من تجربتها، متخذة إياه قدوة في العمل البيئي والاقتصادي الذي لم تسبق إليه مدينة أخرى في العالم من قبل. هذه المدينة نفسها هي التي كادت أن تشطب من خارطة السويد قبل عقدين من الزمان فقط، أصبح خُمسُ مدن السويد تقريباً تحلم أن تبلغ ما بلغته، وبدلاً من أن تتحول إلى نقطة قديمة في ذاكرة البلاد، وكبار السن، راحت تلمع مثل نجمة بيئية واثقة، تخبر العالم أن عصر التضحية بالبيئة، من أجل اقتصاد منتعش قد مضى، وأن إنعاش الاقتصاد لا يعني بالضرورة الحياة فوق كوكبٍ مريض. وهو النموذج المثالي الذي تسعى إليه دول العالم الكبرى حالياً، والتي أرهقها البحث عن معادلة مفيدة تبقي معدلات النمو الاقتصادي الضرورية، دون أن تستمر في الإضرار بالبيئة، لاسيما وأن الأخيرة لم تعد تعوّل فقط على محاميها من أنصار البيئة محدودي التأثير، بأدواتهم الأخلاقية البسيطة، بل أصبحت تستعين بمؤشرات اقتصادية وسياسية تنبئ أن الكارثة البيئية القادمة لم تعد مجرد تخرصات علمية، ونبوءات سوداء، بل حقيقة موقوتة، بدأت فعلاً في الكشف عن لثامها على شاكلة كوارث الطبيعة المتزايدة مؤخراً، وانتشار الأمراض، وتناقص الموارد الناضبة مقارنة بتزايد السكان المضطرد. وهذه كلها كوابيس مفجعة لكل الاقتصاديين، دون استثناء.

المدن والمجتمعات الإيكولوجية هي النتاج الطبيعي لالتقاء وتضافر الجهود العلمية والاقتصادية معاً، والمعنية بتحسين العلاقة بالبيئة بعد عقود من المعاملة السيئة. وطوال سنوات طويلة، قدمت التكنولوجيا الكثير من الحلول المقترحة لإرضاء البيئة، وإعادة الاعتبار للطبيعة بوصفها أماً للبشر، بينما راح الاقتصاد يماطل في المشاركة المتوجبة عليه. وهو ما أدى لهذه الإعاقة المزمنة لجهود المحافظة على البيئة والتي شهدها الإنسان في العقود الثلاثة الأخيرة بشكل واضح. ولهذا كان ظهور تجربة واقعية مثل تجربة (أوفرتورنيا) مهماً ومنعشاً للآمال الميتة، ذلك لأن (أوفرتورنيا) لم تقف عند حد استخدام (الطاقة البديلة) فقط، بل تجاوزت ذلك إلى خلق (الاقتصاد البديل) أيضاً، وهو العنصر الذي ظلّ غائباً عن المعادلة لعقود طويلة، ليتركها غير مكتملة، وغير قابلة للتطبيق، ولتبقى مجرد معادلة معلقة في أحلام أنصار البيئة، وجهودهم البطيئة لإقناع المدن والمجتمعات بتغيير طريقتها في التعامل مع البيئة.
(أوفرتورنيا) الآن مدينة خالية من المحروقات النفطية تماماً. ومنذ عام 2001، صار البحث عن نقطة نفط في المدينة يشبه البحث عن عملة أثرية في مجمع تجاري حديث! فـ(أوفرتورنيا) لا تستخدم النفط الأحفوري في توليد أي طاقة لازمة لتشغيل أي مصنع، أو مسكن، أو سيارة. هذا يجعل المدينة بأكملها لا تكاد تسمع بـ(أوبك)، أو أسعار النفط التي أقلقت العالم، ولا تلقي لها بالاً. فالنفط في ثقافة هذه المدينة هو جزء من الماضي، ومصدر من مصادر الطاقة قديم جداً، أثبتت المدينة بالبرهان الاقتصادي، والتجربة الفعلية، أن الاستغناء عنه ممكن، وأن علاقة نهضة الإنسان بهذه المادة السوداء اللزجة التي خرّبت البيئة، ولوّثت العالم، وسخّنت الأرض، ليست مصيرية، وأن الطلاق بينهما ممكن، وبالمزيد من النوايا الموجهة، والعمل الاقتصادي المنظم يمكن أن يتحول إلى طلاق بائن، لا رجعة فيه. وتستخدم المدينة بدلاً من النفط وقود الإيثانول الحيوي، بالإضافة إلى تشجيع بعض العادات الاجتماعية الحسنة، مثل جعل المواصلات العامة مجانية، وحكر حق الدخول إلى وسط البلدة لقائدي الدرجات الهوائية فقط!
على ضوء هذا الاقتصاد الجديد الذي يتخلق، وجدت الكثير من الشركات فرصاً تجارية مربحة في (أوفرتورنيا)، مما شجع الاستثمار في الطاقة البديلة التي تستخرج من النبات بدلاً من الأرض، وخلال فترة قليلة، انتقلت أكثر من 500 شركة إلى المدينة، أو افتتحت فروعاً لها، ملتزمة بقوانين المدينة الصارمة بيئياً، ومتنافسة فيما بينها على العناية بالبيئة إلى أقصى الحدود، ودافعة عجلة الابتكار والتطوير في حلول البيئة بسرعتها القصوى، وبسبب التحول الإيجابي نحو الوقود الحيوي البديل، تحولت أوفرتورنيا إلى أكبر منطقة زراعية في السويد كلها، تستثمر في إنتاجها الزراعي فقط أكثر من مائتي شركة، وهو رقم كبير نسبة إلى عدد السكان.وبهذا صارت (أوفرتورنيا) تحتل موقعاً رائداً في سوق المدن الإيكولوجية، يشبه موقع نيويورك في بورصات المال. وتحولت (أوفرتورنيا) إلى مقصد للعلماء والباحثين والاقتصاديين الذي يسعون للاستفادة من هذه التجربة الفريدة، وتطبيقها في مجتمعاتهم ومدنهم. و أصبح (لاتي) من المؤسسين للجمعية السويدية الوطنية للمدن الإيكولوجية، ولتصله الدعوات من أنحاء العالم لينقل رؤيته الواقعية إلى مدن أخرى طموحة، تسعى لاغتنام هذه الفرصة البيئية الاقتصادية، والتحول إلى مدن نظيفة، وهو عدد متزايد في العالم، لأن التجربة لم تعد مجرد مخاطرة غير مضمونة العواقب، بل أصبحت مشروعاً مجرباً، ذا خطوات مدروسة، لا يحتاج إلا إلى التوقيت المناسب للبدء.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي