حافلة القوانين المشنوقة

جريدة الوطن السعودية، 13 سبتمبر 2007


  ((.... لقد بلغ من حب اللكريين لقوانينهم، أن حتّموا على كل من يريد أن يقترح قانوناً جديداً أن يتكلم وفي جيده حبل، حتى إذا رُفض اقتراحه، شنقوه بأقل كلفة من الأموال العامة!))، وبخلاف أن اللكريين، من شعوب حوض البحر المتوسط القديمة التي عاشت في (لكرى)، غرب اليونان، قد عاشوا قبل 600 عام من ميلاد المسيح، فهذا لا ينفي أننا، وأسلافنا، ما زلنا متشابهين اجتماعياً إلى حد كبير، وذلك هو التاريخ، يعيد مسرَحَةَ نفسه بهذا الشكل الفانتازي الضاحك، وكأنه سلسلة من الحكايات العجيبة، كانت ولم تعد، ولكنه في الحقيقة يشير بإصبع السخرية إلى حاضرنا الذي نتباهى بواقعيته، ونضجه، وتحضره، وانفصاله عن مجتمعات التاريخ البدائية. صحيح أنه لا أحد في هذا العالم اليوم يقترح القوانين المشنوقة أبداً، ولكن هناك من تُشنقُ قوانينه قبل أن يقترحها، وتنصب لها قصبة شنق معنوية تقتل الأفكار، وتبخّر أحلام الإصلاح والتنوير، لا لشيء إلا لأن المجتمعات دائماً مشغولة بقولبة الحكمة، وترقيمها، ثم تكديسها في الحسابات الاجتماعية لتيارات معينة، حتى إذا جاءت من غيرهم، فإنها لا تجيء إلا مزورة، ومغرضة، وناقصة الأهلية. وهذه التيارات النافذة فكرياً هي التي تطبع المجتمع على حب التقليدي، ونبذ المختلف، وهذا السلوك، بالتالي، هو الذي يمنح المجتمع حصونه المنيعة، وأسواره العالية، وتلك الصحة المعنوية المؤقتة، والمَنَعة الذاتية الزائلة، ولكنه هو نفسه السلوك الذي يقوِّض المجتمع من الداخل، ويجفف جذور اشتباكه مع الحياة، بمعاكسته لفطرة الإنسان في التحول، والتطور، والبحث عن المزيد من إجابات الوجود. وتدريجياً، بدأ الإنسان في اكتشاف هذه الحقيقة فكرياً، كما اكتشفها عمرانياً قبل زمن. فلم تعد هناك مدن تبني حولها الأسوار للحماية من الغزاة، لأن الحاجة الحضارية انتفت، والمدن صارت تتحصن بأدوات أخرى، فما بال المجتمعات ما زالت تعلي الأسوار الفكرية، وتتحصن خلف التقاليد المصمتة؟
إذن الإنسان مطبوعٌ على التحول، والمجتمع مطبوعٌ على الثبات. وليس من المستغرب أن تتعاكس حركية المجتمع مع حركية الإنسان نفسه، رغم أن الإنسان هو العنصر الأساس، فذلك قانون اجتماعي سائد. إن هذا يشبه أن يتحرك الراكب داخل الحافلة في الاتجاه المعاكس للحافلة نفسها. هذا الراكب لن يصل إلى وجهته أبداً، لأن الإرادة الجمعية للحافلة، أقوى من إرادته الفردية في اختيار اتجاهه الشخصي. ولكنه في نهاية المطاف، سيملُّ من تجاهل الحافلة لحريته في اختيار الاتجاه، وسينزل منها عند أقرب محطة. هكذا تتغير المجتمعات. ليس بعكس اتجاهات سير الحافلات عنوة، بل بتزايد عدد النازلين منها، والذين هجروا الاتجاهات الجمعية الإجبارية، من أجل اتجاهاتهم الاختيارية الحرة. وسيظل في الحافلة صنفان من الناس: الأول هو صنف المستفيدين من الاتجاه التقليدي الذي تسلكه الحافلة، والثاني هو صنف الذين لا يعرفون الاتجاه الصحيح، وبالتالي يلتصقون بالأكثرية. ومن الطبيعي أن الصنف الأول، المستفيدين، يراقبون بقلق تزايد عدد النازلين، لأنه قد يؤدي إلى تزايد الشك في كون الحافلة تسلك اتجاهاً صحيحاً، وبالتالي تزايد الضغط الاجتماعي من أجل تغيير الاتجاه، فيصبح من مصلحتهم البدهية الترويج للاتجاه التقليدي للحافلة، وزيادة عدد الأتباع الباقين، ومهاجمة النازلين، وتسفيه خياراتهم الباطلة.
(اللكريون)، طيبوا الذكر في أول المقال، كانوا في حافلة تاريخية مشابهة. الفرق أنهم بدلاً من الاكتفاء بتسفيه النازلين، كانوا يشنقونهم! وهو ما كان يتيحه لهم القانون السائد آنذاك، ولا يتيحه لللاحقين. رغم اتفاق النوايا على وجوب معاقبة من يحاول تغيير الاتجاه أو التأثير على معتقدات بقية الركاب. والحقيقة أن الحافلة اتجهت بهم إلى سقط التاريخ، وسلة مهملاته هائلة الحجم، حتى إن أحداً من غير المؤرخين المتخصصين لا يكاد يعرف أن قوماً حملوا هذا الاسم، عاشوا ذات يوم على ظهر هذا الكوكب، لأن مجتمعهم انتحر بالاختناق الفكري الاختياري، متأثراً بالبكتيريا التي تتكاثر في الأماكن الرطبة المغلقة التي لا تمر منها تيارات التغيير، والنقد، والتجديد، والمساءلة. ورغم اعتزازهم الكبير بقوانينهم التي كانت تعتبر أول قوانين مكتوبة في بلاد اليونان، والتي يزعمون أنها نزلت وحياً من السماء، إلا أن التاريخ يعِدُ بمصير مشابه لكل المجتمعات التي تتنازل طوعاً عن حق الفرد في تحديد الاتجاه، على حساب الفئة الفكرية المسيطرة على فكر المجتمع، واتجاهات الحافلة التي لا تصل إلا إلى محطاتهم المحببة، المليئة بالامتيازات الاجتماعية.
الداعي للتفاؤل أن حضارة الإنسان أصبحت أكثر تعقيداً من أن تسمح لحافلة واحدة باحتكار الطريق. فالمترجلون من حوافل مجتمعاتهم هذه الأيام لا يكملون طريقهم سيراً على الأقدام بالضرورة، لأن ثمة حافلات أخرى تتجه إلى كل اتجاه ممكن في الأفق الفكري الإنساني. والعالم صار أكثر رحابة في استقبال الذين يحملون أفكارهم على ظهورهم ويرحلون، وصار من التعقيد، أن تكونت في كل منعطفاته وأزقته، زوايا مظلمة للمتشبثين بثقافة اللون الواحد، والرؤية الأحادية، ليموتوا فيها على مهل، محفوفين ببروتوكولات الهوية النقية، والمعتقد النبيل، إلى آخر هذه العزاءات القومية. وهي بروتوكولات لم يبق مجتمع في التاريخ، ولا دين، ولا جماعة، إلا زعمتها لنفسها، واستأثرت بها دون غيرها.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي