الهوية: صداع الإنسان

جريدة الوطن السعودية، 6 سبتمبر 2007


  في إسبارطة القديمة، لم تكن الموسيقى مجرد نوع من الفنون السائدة، بل كانت تعتبر رمزاً من رموز الهوية في تلك الدولة الفتية، وكان احترام الناس لها، وتمسكهم بها يبلغ حداً لا يعقل أحياناً، لأنها لم تكن تعني لهم متعة من المتع، بل ضرورة ثقافية كبرى تميزهم عن جارتهم الكبيرة: اليونان، وعدوهم الضخم: الفرس، وتمنعهم من الذوبان في إحدى الثقافتين، مما يهدد بتقويض الحلم الإسبارطي الكبير. ولذلك تورد القصة أن الموسيقيّ الإسبارطي الشهير، تربندر، حُكِمَ عليه بغرامة ثقيلة، وسُمِّرت قيثارته في الجدار كإهانة له، لأنه جرؤ على أن يزيد في أوتارها وتراً جديداً، وخرج بذلك عن الأسلوب الموسيقي السائد آنذاك! ورغم إبداعه الكبير، كما يقول المؤرخون، إذ لم يُحفظ شيء من آثاره الموسيقية بالطبع، ظلّ تربندر مكروهاً مذموماً، ولم يكتف الإسبارطيون بذلك العقاب الذي أنزلته به الحكومة، بل ظلوا ينظرون إليه بوصفه خائناً لهويتهم الموسيقية، وعنصر هدم في الثقافة الإسبارطية الصغيرة الناشئة، حتى مات تربندر بعد أن قذفه أحد السامعين بثمرة تين، دخلت في فمه، وسدت مسالك التنفس، وقضت عليه!
الإنسان يحمل في فطرته نزعة التميز عن أبناء جنسه، ولهذا اخترع الهوية في فترات مبكرة جداً من حضارته، ولم تخترعها الحيوانات، ربما لأن الحيوانات تحدس جيداً مكامن الأذى واللاجدوى. وكأغلب ما جُبلت عليه الفطرة الإنسانية، أساء الإنسان استخدام الهوية أحياناً، وأجادها أحياناً أخرى. فالهوية منحته لقرون طويلة ذلك الوقود المعنوي الكافي لتشييد حضاراته، وصياغة وجوده على الأرض، وبين المجتمعات، وقدمت له تلك التحديات القصيرة التي تراكمت فوق بعضها، وتم توظيفها حضارياً لتتخذ منها الأمم لبوسها وهيئتها التي تميزها عن الآخر، المختلف، والأقل دائماً، كما فعلت إسبارطة تماماً، تلك المدينة الصغيرة الشجاعة التي اكتسحت جزءاً كبيراً من اليونان والشرق، بتمسكها المجنون بهويتها، ولكنها أعمته في أحيان كثيرة، وحزينة، عن الانتباه إلى كينونته الوجودية الكبرى، وحرمته من التقارب من مجتمعات كان يمكن أن يسرع تقاربه معها من عجلة التطور، ويختصر عليه الكثير من الألم، والدماء، والحروب، كما فعلت الحضارة الهلنستية في الإسكندرية، والتي دمجت بين الثقافات اليونانية والمصرية واليهودية والفارسية في أوج تصارعها مع بعضها آنذاك، وتحولت الإسكندرية بذلك إلى قلب حضارة الإنسان، لقرون طويلة.
المفهوم المعاصر للهوية أكثر تعقيداً بالطبع، لأن الجغرافيا والميثيولوجيا والسياسة في السابق كانت تساعد الهوية على الاحتفاظ بسماتها، وتمنحها الشكل العام، مثلما أن يدي الخزّاف تمنح الجرار شكلها المميز في النهاية، ولكن الأيدي تداخلت الآن، وأصبح طين الخزّاف أكثر تمرداً على يديه منه في السابق، وأكثر نزوعاً نحو الهوية المرنة، المتغيرة، وأصبح الإنسان مهموماً بهويته، متألماً منها ومن أجلها معاً، واقعاً بين أذى احتفاظه بها، وحزن تخليه عنها، وكبرت هذه المعاناة حتى صارت إنسانية الطابع، وصداعاً عالمياً، لترتفع بذلك الأصوات المطالبة بإعادة صياغة الهوية كمفهوم إنساني أبعد وأشمل من حدود الرمز، وكثرت الأفكار المتأملة في مسألة الهوية بوصفها عائقاً حضارياً، بعد أن كانت سلّم الحضارة، وطريقها المعبد.
الآخذون بأفكار المفكر الأمريكي صامويل هنتنجتون هم أكثر تشاؤماً بالدور السلبي للهوية في المستقبل، فبعد تاريخ طويل جداً للبشر من الصراعات السياسية الطابع والدافع، يعتقد هنتنجتون بشدة أن الصراع القادم هو صراع الحضارات، كما وصف ذلك في كتابه الشهير المعنون بنفس الاسم، والذي أثار جدلاً لا يقل عن الجدل الذي أثاره من قبله خصمه الفكري، فرانسيس فوكوياما، المفكر الأمريكي الياباني الأصل، صاحب الكتاب الشهير (نهاية التاريخ)، إذ يرى هنتنجتون أن الخلافات الثقافية ستكون المحرّض الأول للنزاعات البشرية بعد أن تولت السياسة هذه المهمة التحريضية لعصور طويلة، ويقول في ذلك (إن المصدر الرئيس للنزاع في العالم الحديث لن يكون في الأساس عقائدياً أو اقتصادياً. التقسيمات الكبرى للجنس البشري ومصدر الصراع الحاكم ستكون على أساس الثقافة. الدول القومية ستبقى كأقوى اللاعبين في العلاقات الدولية، ولكن النزاعات الرئيسية في السياسة العالمية ستحدث بين الأمم والمجموعات المختلفة من الحضارات. صراع الحضارات سيحكم السياسة العالمية. الفوالق بين الحضارات ستكون خطوط القتال في المستقبل). ورغم أن منتقدي هنتنجتون أخذوا عليه بشدة دعوته للتمسك بالقوميات كما تقول عبارته السابقة، إلا أنه يصر أنه ينظّر لذلك بحياد فلسفي لا علاقة له بالخير والشر، وهو ينصح الغرب دائماً بالتوقف عن محاولة دمج القوميات، والأعراق، تحت مظلات الديموقراطية، لأن ذلك يشكل خطراً على الهوية القومية، ويهدد بصراعات داخلية موقوتة، وتكوين أمة مفتتة في مواجهة قوميات صلبة ومتماسكة مثل الصين، ويقول أيضاً (الغرب فاز بالعالم ليس بتفوق أفكاره أو قيمه أو ديانته، ولكن بتفوقه في تطبيق العنف المنظم. الغربيون غالباً ما ينسون تلك الحقيقة، إلا أن غير الغربيين لا ينسونها أبداً). ومن الواضح جداً الاختلاف النظري العميق بين هنتنجتون وفوكوياما هنا رغم اتفاقهما على قرب انتهاء الصراع السياسي والأيديولوجي، ولكن الأخير يرى أن الديموقراطية الليبرالية ستعم العالم، وتتجه به نحو نهاية التاريخ، حسب عنوان كتابه الشهير هو أيضاً.
وبعيداً عن الصراع العالمي، ونهايات التاريخ، نفكر في الهوية في الواقع الاجتماعي المحدود، لنجد أن رفع شعار (الحفاظ على الهوية) ما زال يتأرجح بين الدورين، التاريخي الإيجابي، والمعاصر السلبي، فمن التمسك بها كمحاولة لحفز الروح الاجتماعية للعمل في ظروف تنافسية، تعلي من شأن القيم، وتتمحور حول الأخلاق، وتمجد الثقافة، إلى الإفراط في ذلك إلى حد اتخاذها ذريعة لإجهاض كل محاولات التجديد والتعالق مع الآخر، وفي الطرف المعاكس، تتحرك الفكرة إلى حد إسقاط الهوية تماماً، واستئصالها من أجساد الشعوب المهزومة كمحاولة لمساعدتها على النسيان، ومنحها فرصة أخرى للحياة والانتصار، في ميدان جديد، وبتشكيل ثقافي مختلف، ولكن ذلك لا يوفر حماية كافية من السقوط في وحل الهزيمة المعنوية، والتعثر الحضاري، والتبعية السلبية. وككل الشؤون النسبية الأخرى في الحياة، يظل مفهوم الحفاظ على الهوية مختلفاً فيه، ومتجادلاً عليه. وستجد هنالك واقفين على كل مستوى من مستوياته، معتقدين أنها النقطة الأنسب للوقوف بين الطرفين، ومباهين بتوسطهم الحكيم.
 

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي