|
قال فرنسيس بيكون، الفيلسوف الإنجليزي: (عندما يعمل الإنسان حول
نفسه، كما يصنع العنكبوت نسيج بيته، عندئذ يكون عمله عقيماً، يدور
في دائرة، وينسج نسيجاً من العلم يستحق التقدير بسبب جمال الخيوط
وجودة صنعها، ولكنه نسيج مجرد من اللب والفائدة!)، وإذا عرفنا عن
بيكون نزعته الدائمة لمساءلة الموروث، وحساسيته التلقائية تجاه كل
الأفكار المتلقاة كما هي، والمقبولة في العقل الجمعي، والممنوحة
حصانة ثقافية ضد الاختبار النقدي، تعرف أنه الفيلسوف المناسب لخنق
مثل هذا السلوك الثقافي الرديء وليس الثقافة نفسها. والفرق بين
السلوك الثقافي والثقافة ليس معقداً فحسب، بل تتوه في مداره تيارات
بأسرها. فكما يضلّ الفرد تضلّ الجماعة، والدوامة الصغيرة في
الفنجان لا تختلف في ميكانيكية نشوئها عن الدوامة في المحيط. وكما
أوضح المفكر السعودي إبراهيم البليهي: (من البداهات في الفكر
الغربي أن النقد ليس انتقاصاً للعظماء بل هو نوع من مواصلة
التمجيد. فمن المعروف أنه في الثقافات المزدهرة يأتي النقد دلالة
على التعظيم للمنقود فلولا الأهمية التي يستحقها والمكانة العالية
التي يحتلها لكان نصيبه الإهمال، أما وقد كلّف النُّقاد أنفسهم
عناء الدراسة لآثاره، والتمحيص لأفكاره، والمواجهة لرؤاه، والنقد
لتأثيره، والمساءلة لكل ما انتهى إليه، فإن هذا الاهتمام وحده
دلالة الاعتراف بأهميته)، السلوك الثقافي هنا يكمن في الاحترام
السلبي للفكر القديم، بالامتناع عن نقده، وتعريضه للتآكل التدريجي
في ماكينة الحضارة الدائبة التي لا ترحم التروس التي لا تتم
صيانتها/ نقدها باستمرار. إنهم يقتلون الثقافة من حيث يعتقدون أنهم
يحمونها، و(بيكون) وغيره من فلاسفة البحث العلمي الحديث تم تصنيفهم
فكرياً بوصفهم أعداء التراث، وهراطقة الفكر الحديث، بينما كانوا في
الحقيقة، أبناء التراث البررة، ومنقذوه من مغبة التبجيل الذي يأخذ
شكل التحنيط، والتقديس الذي يجفف الفكرة، ويعلقها على حائط الزمن.
وظل التشكيك في نوايا نقاد التراث من الأمراض الفلسفية المستوطنة
في المجتمعات زمناً طويلاً، وعندما نشطت حركة الاستشراق، بوصفها
نقداً خارجياً للموروث الحضاري، ومحاولة لإنعاشه، دُفع كما يُدفع
الغزاة، واعتبر المجتمع جرأة المستشرقين في مساءلة القديم ونقده من
قلة الاحترام، واستخفافاً بمشاعر وثقافة المجتمع، لاسيما وأن ما
تبع الاستشراق من حركات سياسية واستعمارية جاءت من نفس الجهة أدى
إلى ردة فعل عنيفة ضده، وأودى بالكثير من فرص التلاقح الحضاري التي
تهيأت أسبابه نسبياً آنذاك، ونشطت في الأطراف المستقرة سياسياً،
والنشطة تجارياً. ثم إن نقاد التراث، والفلاسفة المتسائلين، عادة
ما يصطدمون بمثل هذه الحيطان الثقافية الصماء التي تسعى إلى تحجيم
فلسفتهم المعاصرة إزاء الفلسفات القديمة، والاستهانة بقدرتهم على
الإتيان بما لم تستطعه الأوائل، فتتجاوز ردة فعلهم ذلك الدور
التنويري المفترض إلى أدوار تكسيرية، وتخريبية، حادة، وموجهة بقوة
إلى مفاصل السلوك الثقافي بنية تقويضه، وإعادة بناء سلوكيات حضارية
تقدّر النقد، وتمنح الجديد نفس الفرصة التي منحت للقديم. هذه الحدة
النقدية تزيد الطين بلة، وتُحدث ذلك التصدع الأزلي في جدار الفلسفة
بين المحافظين والتقدميين، وتحول المشروع برمته من محاولة فلسفية
جادة للتواصل مع القديم المنقطع، إلى صراع اجتماعي لا تفوِّت القوى
السياسية استغلاله لمصالحها الأيديولوجية التي لا تنتهي.
والدين هو جوهرة الثقافة بطبعه، ومن النادر أن تظهر على وجه
التاريخ ثقافة لم تتمحور حول الدين بشكل مباشر أو غير مباشر، من
قريب أو من بعيد، وبشكله الكلي، أو بجزئياته المتناثرة عبر العصور،
فالثقافة غالباً ما تكون إما سابقة للدين، أو لاحقة له. وفي
النهاية، فهما يتعالقان ويشتبكان ببعضهما بحميمية مبررة، حتى يصبح
المساس بأحدهما مساساً مباشراً بالآخر. وهذه أحجية تاريخية أخرى
تزيد بيكون وزملاءه دوخة. ولكن علاقة الدين بالثقافة لا تتعارض مع
ما سبق من الأسباب التي تدق الإسفين بين نقاد التراث، وسدنته. وفي
أغلب المجتمعات القديمة بالذات، لا يكاد استبدال كلمة الدين
بالثقافة يحدث أي فارق، بعكس ما هو الحال عليه الآن، ولعل هذا ما
جعل ويل ديورانت، المؤرخ الأمريكي الذي درس كل حضارات الإنسان
تقريباً، وعن كثب، يقول، مؤكداً الفكرة السالفة في المقال (إن أبرع
حماة الدين هم أشد أعدائه، لأن آراءهم تولد الشك، وتحفز العقل)،
وهذه المقولة تُقرأ من اليمين إلى اليسار، وبالعكس، وتؤدي إلى نفس
المعنى. فسدنة الثقافة، ومستنكفو نقدها إنما يخنقون خلايا الفكرة،
ويمنعون عنها أكسجين النقد المتجدد، بينما يلبس نقاد الثقافة لبوس
المنقذين، إذا افترضنا حيادية الهدف، وموضوعية النقد وتجرده، وهذه
افتراضات ممكنة جداً، ولكن من الصعوبة بمكان إثبات إمكانية تحققها
في واقع ثقافي مستفَزّ بطبعه.
وإن كان ديورانت يرى أن العلاقة بين الفلسفة والدين ليست فقط
إيجابية، وفاعلة، ومهمة من أجل تخصيب المجتمع بأفكار حيوية جديدة،
بل إنها أيضاً علاقة دائرية، تعود إلى نقطة الأصل في النهاية،
عندما يقول (القليل من الفلسفة ينزع بعقل الإنسان إلى الإلحاد،
ولكن التعمق فيها ينتهي بعقول الناس إلى الإيمان)، وإذا صح لنا
تفسير قوله هذا، وإسباغه على نوايا الفلاسفة النقاد، فلعل كل
محاولاتهم الفلسفية باتجاه نقد التراث لم تكن أكثر من محاولة لدفع
التراث إلى إقناعهم أكثر. إنهم يستفزون الثقافة، نقدياً، لدفعها
إلى تقديم أفضل ما لديها من أفكار تؤدي بهم إلى الإيمان، وحسب
قابلية الثقافة لهذا الاستفزاز العقلي والنقدي، تتضح أهليتها
للتموضع في خارطة المجتمعات الإنسانية. |