|
في جنوب المحيط الهادي، تقع جزيرة صغيرة جداً، لا يلاحظها العالم،
اسمها (نيو)، وهي، رغم صغرها، تعتبر دولة مستقلة، ويبلغ عدد سكانها
2166 نسمة فقط، يتكلمون اللغة النيوية، ويرتبطون باتفاقية
دبلوماسية مع جارتها الكبيرة نيوزيلندا تتيح للأخيرة تمثيل الجزيرة
في المحافل الدولية، والتحدث باسمها، وتمكينها من استخدام الدولار
النيوزيلندي كعملة رسمية. وذلك لأن حجم نيو، ومواردها البسيطة جداً
لا يتيحان لها القيام بهذه المهام وحدها. وبالطبع، فإنه حسب سجلات
(السي آي أيه)، لا يدين أي من سكان هذه الجزيرة بالإسلام، بل تتوزع
أديانهم حول بضع طوائف مسيحية، وديانات محلية، وبعض اللادينيين.
وليس لديهم جيش نظامي، واقتصادهم ضعيف، يعتمد بشكل أساس على صيد
الأسماك، بينما يقوم معظم السكان بزراعة غذائهم بأنفسهم. وهم
منعزلون عن العالم، والأهم من ذلك كله أنها من الدول القليلة جداً
الباقية في العالم والتي لا تحمل عضوية الأمم المتحدة!
وبمحاولات بحثية بسيطة، لم يتوفر في كل مصادر البحث المتاحة ما يدل
على وجود أية علاقة دبلوماسية بين معظم الدول الإسلامية الكبرى
وبين دولة نيو، وإذا كان هذا صحيحاً، فهناك متسعٌ للحوار الجاد
بشكل واقعي مع القائلين باستمرارية وشرعية أحكام جهاد الطلب، وهو
حسب التعريف الاصطلاحي (هو قتال اختيار، وفرض كفائي، في حال قدرة
المسلمين عليه، أن يأخذوا بنصوص القتل والقتال وغزو المشركين
والقعود لهم في كل مرصد؛ ليؤمنوا بالله أو يدفعوا الجزية عن يد وهم
صاغرون، إعلاء لكلمة الله، وإخراجاً للناس من الظلمات إلى النور،
ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد). وهو ما ماج الجدل حوله قبل
سنة تقريباً على صفحات الوطن، وما زال. فدولة نيو في جنوب المحيط
الهادي تحقق الشرطين الأولين الذين وضعهما أنصار جهاد الطلب، وهي:
قدرة المسلمين على الغزو، وعدم وجود عهد بين المسلمين وبينهم. ومن
الواضح أن أغلب الدول الإسلامية قادرة على احتلال دولة نيو في غمضة
عين، فهي دولة بلا جيش كما سبق، ويحكمها نظام كافر (حسب التعريف
الأصولي للكفر)، كما أن عدم ارتباطها بالأمم المتحدة، أو بمعاهدات
مباشرة مع الدول الإسلامية يحقق الشرط الثاني. وبالتالي، لا يبقى
إلا تحقق الشرط اللاحق الأخير، وهو موافقة ولي الأمر، لتتحرك
الجيوش الفاتحة بإذن الله، لفتح دولة نيو، على خطى الفتوحات
الإسلامية القديمة!
ربما تكون المطابقة بين الشروط الجهادية الثلاث، وبين واقع دولة
نيو الفعلي غير دقيقة، لغياب المصادر التي توفر المعلومة المؤكدة،
وكذلك الضبابية التي أحاطت بهذه الفتوى الشرسة. ولكن في الحالتين
يظل الأمر قابلاً للجدل، والحوار معاً. فإذا كانت دولة نيو تنطبق
عليها شروط جهاد الطلب فعلاً، فلعل كل المسلمين الآن في انتظار
إشارة ولي الأمر في أي دولة إسلامية لينطلقوا، وإذا لم تنطبق عليها
الشروط، فمن باب أولى ألا تكون منطبقة على أية دولة أخرى في
العالم، وهذا بدوره يحيل فتوى جهاد الطلب إلى التقاعد التاريخي، مع
كل الاحترام والتقدير للأدوار التاريخية التي لعبتها في مصائر
الأمم السابقة، أما اليوم، في القرن الحادي والعشرين، فلا يمكن لها
أن تبقى قيد التفعيل، إلا في ساحات العناد الجدلي التي يحتلها
بجدارة أنصار هذه الفتوى بالذات، وصفحات جريدة الوطن قبل عام تشهد
على ذلك.
مثل هذه المحاولة البسيطة جداً لمحاكمة الفتوى واقعياً تُعفينا من
الدخول في الجدليات الشرعية الطويلة التي يمكن أن يطرحها
المتجادلون، بلا جدوى. فما معنى أن تكون الحجة الشرعية لأحد
الأطراف أقوى أو أكثر تأثيراً إذا كانت الظروف المحققة للفتوى
مستحيلة الوجود، وغير قابلة للتطبيق إلى الأبد؟ وتبقى بالطبع رؤية
من يرى أنها غير مستحيلة، وأن العالم سيعود مرة أخرى إلى نزعاته
الاستعمارية الإمبريالية القديمة التي تحتل فيها الأمم الأقوى
الأمم الأضعف بحجج مختلفة، ليس آخرها نشر الدين، وليس أولها ابتلاع
ثروات الشعوب. أنصار الفتوى المصابون بهذه النوستالجيا السلبية،
والتواقون لعودة عصور محاصرة المدن، وفرض الجزية، سيظلون متعصبين
لها خشية أن يؤدي تهميشها إلى سلسلة من التهميشات الأخرى، لفتاوى
وأحكام جذرية، يمكنها أن تهدد القاعدة الأيديولوجية للتيار، لذلك
هم يعاكسون تيار الحضارة من أجل العودة إلى الضفة القديمة، بينما
جاء خصوم الفتوى مدججيين بأدوات شرعية لنقض الفتوى، بينما كان من
الأجدى لو أنهم قالوا لمناظريهم ببساطة: أعطني مثالاً لإمكانية
تطبيق فتواكم بشكل واقعي، في العصر الحالي؟
وحتى لا يتوجس النيويون من هذا المقال الذي سلط عليهم الأعين،
وأغرى بهم شهية الفاتحين والغزاة، عليهم أن يطمئنوا أن الشرط
الثالث من شروط جهاد الطلب، وهو موافقة ولي الأمر، لن يتحقق أبداً،
إذ سيبقى الشرط الذي يكبح جماح المتهورين من ممتطي صهوات الفتاوى
العشوائية منتهية الصلاحية، وعلى الأقل، فإن الفتاوى المشروطة، خير
من تلك المفتوحة على مصراعي الهوى والحماس. أما إذا بقي، رغم
الشرط، من لا يزال متحمساً لغزو دولة نيو، وقتل محاربيهم، وسبي
نسائهم، فمن الضروري جداً أن يسارعوا بذلك، لأن دولة نيو دولة
متناقصة في عدد سكانها، وليست متزايدة كبقية الدول، وذلك بسبب هجرة
السكان إلى نيوزيلندا، فلن يكون من الظريف أبداً أن يتكبد الفاتحون
مشقة السفر، وأهوال البر والبحر، ليغزوا جزيرة خلت من سكانها، ولم
يبق فيها إلا الشعب المرجانية. |