كم ريالاً تساوي الدقيقة من وقتك؟

جريدة الوطن السعودية، 9 أغسطس 2007


يروي البروفيسور يونس، الحائز على جائزة نوبل عام 2006، أنه أثناء سعيه لإقراض النساء تلك المبالغ الضئيلة، حسب استراتيجية بنك الفقراء الذي قام بتأسيسه، كانت النساء، من فرط الفقر، يتخوفن من النقود، ويترددن في تناولها منه، حتى إن إحداهن صرخت في وجهه ذات مرة: (لماذا تعطيني نقوداً! أعطها لزوجي)، وأخرى قالت له: (هذه أول مرة في حياتي ألمس ورقة نقدية!)، ولكن البروفيسور يونس كان واثقاً أن النساء بطبعهن أكثر تدبيراً من الرجل عندما يتعلق الأمر بحافة الحياة، وإطعام الأطفال، والاشتغال باليد، لأن المرأة كائن تنمويّ بطبعه، هذه القروض الصغيرة التي كانت لا تتجاوز الدولارات العشرة أحياناً كانت تحيي القرى الميتة، وتعيد الأمل لأسر طواها الفقر طياً حتى صارت تعتقد أن الفقر والعوز هما الأصل، والكفاف هو الاستثناء. هذا المبلغ التافه الذي كان يقرضه البروفيسور يونس لعملائه لو سقط من جيب بعض الأفراد في بلد آخر، وطارت به الريح، لشعر بالخجل من ملاحقته، وتركه غير آسف عليه. لأن وقته أثمن من ذلك. فالوقت في البلدان الاقتصادية المنتجة هو سلعةٌ تحمل ثمناً ما، بينما في البلدان الفقيرة لا تشكل الأيام المتتالية أكثر من أقداح دهرية متعاقبة من التعاسة الثابتة.


وحول علاقة الوقت بالنقود، أجرى بعض الاقتصاديين دراسة طريفة، طرحت نتائجها في بعض المؤتمرات، كانت تدور حول المفهوم التالي: إذا سقط من جيبك مبلغٌ ما، وأنت مشغول، فربما تنحني لالتقاطه كما يفعل الناس غالباً، ولكن ماذا لو كنت موظفاً كبيراً، أو رجل أعمال، ربما كان الوقت الذي تستغرقه هذا الانحناءة أغلى من قيمة المبلغ الذي سقط أصلاً، وبهذا يكون لكل شخص، حسب مستوى دخله، وثمن وقته، حد أدنى من المبالغ التي يجب أن ينحني لالتقاطها، أو يتركها ويمضي. وبالطبع فإن هذه الدراسة افتراضية، فلا أحد يوزع ثوانيه ودقائقه في معادلات، ولكن الاقتصاديين استخدموا أساسها النظري في تطبيقات أكثر واقعية، وكذلك علماء الاجتماع، في محاولة لفهم أثر تزايد القيمة المادية للوقت على سلوك الأفراد في المجتمع. الطريف في الدراسة، أنه عندما تمت برمجتها كمعادلة رياضية في الكمبيوتر، وقام الباحثون باستخدام بيل جيتس، أغنى رجل في العالم، كمُدخل من مدخلات البرنامج، كانت النتيجة: أن أقل مبلغ ينبغي لبيل جيتس أن ينحني لالتقاطه هو 11 ألف دولار أمريكي! أما أقل من ذلك، فهو.. خسارة مبينة من وقته الثمين!

لاشك أن 11 ألف دولار هو أكثر مما يجنيه مواطن فيتنامي، طوال عمره، منذ طفولته وحتى انطفاء يومه الأخير في الحياة، وهذه من مفارقات هذا الكوكب الذي لم يزل يشيح بوجهه خجلاً منها منذ أن دبّ الإنسان عليه. ولكن الدراسة مغرية بأن نحاول تطبيقها على حياتنا نحن، ويتساءل كل منا، حسب مستوى دخله، كم ريالاً تساوي الدقيقة من وقته فعلياً؟ ربما ستعبر الفكرة عبور الكرام، وربما، في حالة البعض، قد نراجع أنفسنا في سلوكيات كثيرة!


يرى الاقتصاديون والسوسيولوجيون معاً أن تزايد القيمة المادية للوقت هو الذي أدى إلى اتساع الفارق السلوكي بين الدول المتقدمة والنامية، وفق متواليات من المؤثرات والعادات والحاجات تتصل ببعضها لترسم الصورة الظاهرة التي يلتقطها العابر لأول مرة في فضاء مجتمع ما. فمثلاً: هم يعزون انخفاض معدل ولادات الدول المتقدمة إلى أن الوقت الذي تستغرقه تنشئة الطفل وتربيته ثمين جداً في تلك الدول، مما يجعل الأسر نزّاعة إلى تأخير هذا المشروع، واستغلال هذا الوقت في العمل لساعات أطول، لأن ساعة عمل محامية ألمانية في برلين قد تساوي 200 يورو، بينما ساعة عمل مزراعة سريلانكية في حقل شاي تساوي أقل من ربع يورو! فأي المرأتين يا ترى سترى أنه بإمكانها التفريط في هذه الساعة من أجل إرضاع طفل؟


إن إدراك قيمة الوقت هو حافز أساس على خلق النظام داخل المجتمع، فالمجتمع الذي اتفق أفراده ضمنياً أن الوقت ثمين، يدركون ضمنياً أيضاً أنهم إذا لم ينظموا أنفسهم فسيتسرب الوقت من يومهم، والنقود من دخولهم، ولذلك اندفعوا في منظومة اجتماعية نحو تحقيق النظام كهدف اقتصادي، وليس كترف سلوكي، وتحولت تدريجياً إلى محض عادة لا تتغير، وصار الخروج عنها يعدّ شذوذاً سلوكياً منذوراً بالإعابة الاجتماعية، وهذا بالطبع يشكل عنصر حماية كافياً يكفل استمرار هذه العادة الحميدة التي أنجبها لهم الاقتصاد. ولاشك أن هذا اللاوعي الاجتماعي هو الذي يجعل البريطاني يقف في الصف بشكل آلي، وينتظر دوره أمام مكتب البريد وكأنه يمارس التنفس (يشتهر البريطانيون عموماً، في جملة ما يشتهرون به، بالاحترام المبالغ فيه للصفوف!)، بينما في بعض الدول العربية مثلاً تجد أن ثلاثة أشخاص فقط عاجزون تماماً عن تكوين صف واحد أمام المخبز! إلا أن يكون صفاً أفقياً يتيح لهم جميعاً الصراخ في وجه الخباز، واستعجاله، مع أنه لا يوجد فارق عقلي شاسع بين هذا البريطاني العابر، وذلك العربي. كلاهما يملك الرشد الإنساني الكافي، ولكن الفارق يكمن فيما اتفق عليه الذهن الجمعي وما لم يتفق، وفيما حثّ عليه العقل الاقتصادي البريطاني، وما أهمله نظيره العربي.

وللأسف أني أتحدث عن أهمية الوقت بينما أنا متأخر في تسليم هذا المقال يوماً كاملاً! وهذه نكتة شخصية جداً، ولكنها تشير أيضاً إلى أن الالتزام بالوقت ليس إيماناً، ولكنه عادة. وهو تدريب سلوكي أكثر من كونه اعتقاداً نظرياً، وفي مجتمع لا يمنح حوافز كافية (أو صرامة كافية) للالتزام بالوقت، فإن ذلك يتطلب جهداً مضاعفاً لمغالبة النفس، حتى ينقذنا الاقتصاد يوماً ما من هذا التفريط. ومن يرى أنه من المبالغة تتويج الاقتصاد بكل هذه البطولة، عليه أن يحاول استيقاف رجل أعمال لنصف دقيقة، ولن يفلح، ولكنه بالطبع يستطيع أن يدردش مع فقراء الطريق، حتى صباح اليوم التالي! 

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي