|
أعتقد أن الكاتبة إيمان القويفلي اختزلت كثيراً في مقالها الأخير،
ولم تسهب. ولو أنها أسهبت، لأنقذتنا كتابتها المحنكة المعتادة من
فوضى التعريف، وتحديد الأولويات التيارية، واستيعاب قوانين
الإعلام. فمقالها الأخير، أثار نقعاً ولا شك، والدليل أن التعليقات
المنسكبة على مقالها في موقع "الوطن" الإلكتروني تُبيّن أن البعض
أعشاهم هذا النقع، وأثارهم ذلك الغبار، وهذا ليس من عادات
القويفلي، فلطالما كانت مقالاتها تحليلية الطابع، تعيد تناول
القضايا بتبسط عميق، وتنظر إليها من زوايا لا يدركها إلا من أوتي
مثلها حظاً من الاستبصار، والفهم، والثقافة، ثم تعيد طرحها بهدوء،
وبدقة متناهية في التعريف والتوظيف.
ورغم أن مقال إيمان لم يتطرق إلى الهيئة بشكل مباشر، بقدر ما انتقد
طبيعة التناول الإعلامي/اللبرالي لها، إلا أن البعض اعتقد أنها
دافعت عن الهيئة، فكالت لها (جمعية أصدقاء الهيئة) ذلك الثناء
الجاهز، ولم تحرمها (جمعية خصوم الهيئة) من العتب المشوب بالصدمة
والخذلان! بينما البعض الآخر وجد أن تصنيفها لمشكلات الهيئة على
أنها جرمٌ أصغر، إزاء ذلك الجرم الأكبر الذي مثلت له بسرقة أموال
الناس، هو بحد ذاته تعبير واضح عن آرائها السلبية تجاه سلوكيات بعض
من في الهيئة. ولم أظن يوماً أن إيمان ستقع في دائرة الرتابة
المقالية، فتضرب الميت، أو ترفع الشعارات البائتة، وتخوض كما
خاضوا، وهو الظن الذي لم تخيبه إيمان حتى الآن، ولكن البعض أيضاً
ظنوا أنها فعلت، ولم يخرجوا من مقالها المختزل ذاك بأكثر من أن:
(إيمان دافعت عن الهيئة، وهاجمت اللبرالية!)
ولكني أعود وأقول إنها اختزلت، وأدى اختزالها إلى هذا التسطيح في
التلقي من القارئ، وأتاحت في المقابل أن يتقول القراء الأقاويل،
وينشغلوا بلعبة التصنيف الصغيرة المعتادة، فتقلصت بذلك فوائد
المقال، وذابت فيتاميناته النقدية في وحل من الأدلجة الاجتماعية
المتربصة بالمقالات. فبدلاً من التركيز على صلب المقال، وهو نقد
هرم الأولويات الإعلامية لدى التيار اللبرالي، أصبح المقال أشبه ما
يكون براية مرفوعة في الجبهة الخاطئة! وإيمان، كما يعرفها قراؤها،
لم تكن من ذوي الرايات، ولا الجبهات. فهي مستقلة باستقلال طرحها
التنويري الطابع، والمنتمي للحقيقة المجردة فقط. وبالتالي، فإن
مقالاً مختزلاً كهذا لن يكون إلا تشويشاً مؤقتاً لذلك الطرح، وذلك
الانتماء. ولا أظنها، ولا قراؤها، يرغبون في ذلك.
هكذا فتح المقال النار على اللبرالية من أحد الثقوب الواسعة في
ثوبها، كما تراه إيمان، وهو اعتباطية التعاطي الإعلامي للقضية،
واستغلالها للأهداف التيارية قصيرة المدى، وعدم الاحتكام إلى
المبدأ الثابت. وهذه تهم كبرى، كفيلة بإفقاد التيار أهليته
الاجتماعية بالكامل، رغم أنه بريء منها نسبياً، لسببين: أولها، أن
للصحافة قانونها المهني المستقل، وميكانيكيتها الإعلامية تحددها
تجاذبات (العرض) المسموح بها، و(الطلب) المقروء محلياً. ومنذ
التسعينات الميلادية والهيئة قضية مجتمع، وحالة تخص كل فرد. وبغض
النظر عن إيجابية ذلك أو سلبيته، (ولنترك ذلك للمتجادلين فيه، وهم
كثر)، إلا أن الصحافة تتناول الأمر من باب سياسة تعظيم أرباحها
الإعلامية، وزيادة رقعتها المقروءة، كما تفعل مع أي قضية أخرى،
كانهيار الأسهم، وكفاءة النسب، وغيرها. وإذا أخذت مواضيع الهيئة
طابعاً استمرارياً فهذا لا يدل إلا على كونها بضاعة رابحة للتاجر
الإعلامي الذي يسلط الضوء على ما يتهافت القراء لقراءته فقط، كما
تتطلبه أسس مهنته، وهذا هو المتوقع منه والطبيعي، وليس هناك متسع
لتأويلات غير عقلانية تذهب أبعد من ذلك، وتفترض وجود أجندات،
وسياسات، وتحاول قراءة ما بين السطور من تحركات التيارات.
وبالتالي، فإن تحميل التيار اللبرالي وزر الآلة الصحفية، يشبه
تحميل جمهور فريق ما، وزر الهزيمة، فمهما صفق الجمهور للاعبي
فريقه، ووافقهم على أفعالهم، فإنه (رسمياً) لا يتحمل وزر تصرفاتهم
داخل الملعب.
ثاني الأسباب التي تبرئ اللبرالية كتيار من اتهامات إيمان الثقيلة
هو أن التيار، أي تيار، هو حركة أيديولوجية في النهاية، وهدفها
الأساس هو السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الخارطة الثقافية
للمجتمع، وهو هدفٌ أناني في طبيعته النظرية، ولكنه في واقعه
العملي، صحيّ وبنّاء، لأن تدافع التيارات وتنافسها، إذا ما أتيحت
له قاعدة اجتماعية عادلة، وموازين قوى متساوية، هو الوقود المحرك
لتطور المجتمع، ونضجه، وحراكه، مهما كان لهذا الوقود من عوادم
مثيرة للضيق والاستفزاز أحياناً. فالمجتمع لا يتقدم دون أن يسائل
بعضه البعض، من خلال تياراته الفكرية. وإذا كان التيار اللبرالي
يمارس دوره الكلاسيكي في المجتمع كتيار، فلا يمكننا أن نطالبه
بأكثر مما تحويه أجندته الأيديولوجية المزدحمة أصلاً. لاسيما وأن
هذا التيار يزعم أنه في حالة حرب تحريضية كبيرة ضده، وأنه يقاوم من
أجل أن يعيش ويبقى، فضلاً عن أن يقتسم المنابر الاجتماعية بإنصاف،
فلا يمكنه، في حالة الحرب الفكرية في ميدان المجتمع، أن نطالبه
بإعادة تشكيل أجندته لتأخذ أبعاداً تنويرية، ولا يمكننا أن ننتقي
له القضايا حسب ترتيبها الإنساني. ففي الحروب العادية، لا شك أن
ملاجئ الأيتام أحق بالتموين من أسلحة الجيش، ولكن في حالة الحرب،
ثمة قائمة أولويات مختلفة!
إن تجريد التيار من المبدأ لمجرد أن توزيع جهوده على القضايا
المطروحة لم يكن مثالياً هو حكم قاس. لاسيما وأن مشاريع إصلاحية
كبرى مثل العدالة الاجتماعية الكاملة، والحرية الإعلامية، وتقنين
القضاء ما زالت قيد العمل، ولم تكتمل بعد، أو تصل على الأقل إلى
الحد الذي يتيح للتيار أن يطرح أولوياته (المرتكزة على مبادئه) دون
عوائق هائلة من التشكيك في النوايا، وتعارض المصالح، وتأليب
السلطات. وبالتالي فإن الشروع فيها دون مراعاة لقدرة المجتمع على
الاستجابة الإيجابية يتعارض مع الديناميكية البراجماتية التي تعمل
بها التيارات في المجتمع. رغم أن التسبب في وفاة إنسان (بغض النظر
عما آل إليه التحقيق)، لا يقل أهمية عن سرقة أموال الناس مثلاً،
(والتي لم يبدأ التحقيق فيها بعد).
لملاجئ الأيتام، ولهوامير السوق، وسارقي أقوات الناس، لا يمكن أن
نستصرخ القوم الغارقين في ضجيج صراعهم الأيديولوجي، سواء كانوا
لبراليين، أو إسلاميين، أو أياً كانوا. فهم لن يسمعوا على أي حال،
وإن سمعوا فاستجاباتهم ضعيفة، مهما كانت نواياهم حسنة، لأن جهودهم
مستنزفة، ولكن بالطبع، يبقى لدينا مفكرو هذا المجتمع، المستقلون
بأفكارهم، والمتطهرون من درن الصراعات الأيديولوجية، والمكتسبات
العابرة، والذين يملكون الصفاء النقدي الكافي لتشكيل أجنداتهم حسب
الأولوية الإنسانية المفروضة، ومنهم بالطبع، إيمان القويفلي. |