|
عندما
قدم المحلل الاستراتيجي الأمريكي لوران ميراويك تقريره عن السعودية
للمسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية، اضطروا إلى صرفه من مكاتبهم
بلطف، بعد أن استمعوا بملل إلى ما يقارب أربعاً وعشرين صفحة مما
يمكن تسميته، بدون مبالغة، ذلك الضجيج الأيديولوجي السام. فقد جاء
تقرير لوران خليطاً من التأليب العشوائي، والقراءة السيئة للواقع
السعودي، واحتوى على الكثير من التأويل الفانتازي المعتاد من بعض
الغربيين عندما يخلطون كثيراً بين الشرق الواقعي في القرن الحادي
والعشرين، وبين ما تمليه ذاكرتهم الحكائية عليهم من عوالم علي بابا
المليئة بالسحر والغموض والمؤامرات، وهي منطقة التصور المريحة التي
يمكن استهدافها في ذهنية العوام الذين لا يريدون التفكير كثيراً
فيما هو عليه الحال فعلاً في الدول الأخرى، ويتلقفون ما تلقيه
عليهم وسائل الإعلام كما هو. وقد ضمّن لوران في تقريره كل نقطة
واضحة أو مبهمة يمكنه من خلالها إقناع المسؤولين أن السعودية دولة
عدوة لأمريكا، وليست صديقة كما كانت، واستمات ليثبت لهم أن دعم
الإرهاب هو مصلحة قومية سعودية! وانتابه الجموح في نهاية تقريره
حتى راح يطوح باقتراحاته الرعناء يمنة ويسرة، وأطرفها اقتراحه
التالي (ليكن احتلال العراق هو المحور التكتيكي، واحتلال السعودية
هو المحور الاستراتيجي، وبعد ذلك يمكننا أن نحتل مصر، كهدية)!
بطبيعة الحال، لم تتجاوز أفكار ميراويك المريضة تلك غرفة
البنتاجون، ونفى المسؤولون الرسميون فيه أن يكون لاستماعهم لهذا
التقرير أي دليل على نوايا مبيتة تجاه السعودية، وهذا طبيعي، لأن
الأصوات المتطرفة في كل مكان تبدو حادة، ولكنها مهملة، مثل أزيز
الطائرات التي تشق سماء مدينة، تزعجنا، ولكنها لا تجعلنا نتوقف عن
شرب قهوتنا الصباحية، ومتابعة الحياة بشكلها الطبيعي. ولم يعان
ميراويك من إهمال مسؤولي البنتاجون لاقتراحاته بالكلية، بل تعرّض
أيضاً لحملة انتقادات واسعة على تقريره، وكتبه، ومحاضراته التي
كرّسها لهجاء السعودية، ومسؤوليها الرسميين، مستخدماً في ذلك
أسلوباً نمطياً جداً (Stereotype) يخاطب فيه العقليات النمطية في
الغرب، بل حتى إن الكتاب الذين اشتهروا بشدة انتقادهم للسعودية في
الصحف الأمريكية اعتبروا تقرير ميراويك غير منطقي، وشديد التنميط.
ولم يعد ميراويك من تقريره بناقة ولا جمل، فهو تقرير لا يصلح للعرض
على قادة البنتاجون، بل على منتجي هوليوود لتحويله إلى فيلم
فانتازي.
ليس في رأيي قسوة إضافية يردفها انتمائي الوطني، فالتقرير بكل
تجرد، لمن اطّلع عليه، يحمل لغة صبيانية، ومستوى بحث محدود، ويكاد
يكون جملة من الصراخ وليس دراسة، وطغى الدافع التحريضي فيه كثيراً
على الجانب التحليلي، وخلخلت عشوائية الاستنتاج والربط ذلك البناء
الاستراتيجي المفترض في موضوع كبير كهذا، بما لا يليق بحامل
الماجستير في الفلسفة من جامعة السوربون. وبالتالي لا يمكن أن نبرر
أفكار ميراويك، ومحاولاته لتحريض دولته على أن تتحول إلى آلة
احتلال عشوائية، إلا بأنها ناتجة عن حالة عمى أيديولوجي تام، أو
دوافع إعلامية مبطنة لم يتم تضمينها في التقرير. فالشعب الأمريكي،
(وليس الحكومة)، لم يبتلع بعد شعوره بالذنب من احتلال العراق،
ومازالت غالبيةٌ مؤثرة منهم تشعر أنها تعرضت لخديعة سياسية كبرى
أقنعتهم بجدوى هذه الحرب، وبذلك تكاد تكون حظوظ مؤيدي حرب العراق
ضئيلة نسبياً في انتخابات الرئاسة القادمة، وهذا مؤشر على التوجه
الشعبي الأمريكي، فهم الذين سينتخبون الرئيس في النهاية. وهو توجه
واضح نحو السلام، وإعادة ترميم صورة أمريكا في العالم، ومحاربة
الإرهاب فكرياً واقتصادياً، والتوقف عن البطش العسكري الطائش.
وإذا أردنا حمل تقرير ميراويك على محمل المقارنة، إيماناً بأن
التطرف مرض عالمي، لا علاقة له بدين، أو ثقافة، أو مجتمع بعينه،
فإن ميراويك يرى وجوب احتلال ما يعتقد هو أنها (منابع الإرهاب)
التي تهدد أمريكا، وتسببت بالفعل في ضربها فعلياً في عقر دارها،
وأصبح خطرها محدقاً بما يكفي للتحرك لدفعه عن الأمة الأمريكية،
بينما يرى منظرو الإرهاب المنتسب للإسلام أن أمريكا ضربت المسلمين
فعلاً في عقر ديارهم، وأصبح خطرها محدقاً أيضاً، مما دفعهم للإفتاء
بتحقق شروط (جهاد الدفع)، الذي هو فرض عين، واستهداف كل ما هو
أمريكي بوصفه محارباً. وإذا صحّ القياس، يمكننا أن نقول إن تقرير
ميراويك ينادي بـ(جهاد الدفع) هو الآخر، على طريقته القومية
والأيديولوجية، ووضح في تقريره ذلك المسوغات السياسية لفكرته تلك.
فتقرير ميراويك ليس إلا (فتوى) أمريكية متطرفة، لا تختلف عن أي
(فتوى) منتسبة للإسلام، يطلقها شيخ مجهول، في كهف ما، أو منبر غير
مستحق.
وتذكرنا الطريقة التي عرض فيها ميراويك اقتراحه على البنتاجون،
بالطريقة التي عرض فيها بن لادن اقتراحه إبان أزمة الخليج،
بالاستعانة بالمجاهدين بدلاً من قوات التحالف، بحجة أن أمريكا دولة
عدوة لا يؤمن مكرها، ولا ينبغي التحالف معها، واستقبال جيوشها.
وتتفق القيادتان، السعودية والأمريكية، في ردة فعلهما الحكيمة تجاه
كل الخطابين المتطرفين، فمثلما تم صرف ميراويك من قاعات البنتاجون
دون أن يجد أي استجابة، انصرف بن لادن أيضاً حاملاً معه اقتراحه
العجيب ذاك، لينقلب إلى ما انقلب إليه من عداء العالم، وتقسيمه إلى
(الفسطاطين) الشهيرين، وذلك بالطبع لا يختلف كثيراً عن المعنى
الضمني لتقرير ميراويك: (إما معنا أو ضدنا!)، وبالطبع، يعتبر
ميراويك وبن لادن كل منهما الآخر عدواً مبيناً، ولكن المشكلة أن
كلاً منهما يستخدم خطاب الآخر كمبرر لصياغة خطابه هو، وهذا يوقعهما
في متاهة أيديولوجية تشبه سؤال البيضة والدجاجة. هل صار ميراويك
متطرفاً لأن بن لادن متطرف، أم العكس؟ إنها عداوة نظرية فقط، تلك
التي تبدو بينهما، ولكن، في المشهد الإنساني العام، هما ليسا إلا
حليفين في جعل هذا العالم مكاناً أسوأ للعيش، وكلاهما متورط في
زراعة القبح، وتجارة التطرف.
وفي المشهدين، السعودي والأمريكي، متسعٌ لهذا التوجه التحريضي، في
حدود معينة، من باب إبداء الرأي، وتنفيس سخط العوام، ولكن القيادات
السياسية تظل بعيدة عن التأثر بمثل هذه الأصوات الحادة، وهذا ليس
ديدن كل القيادات السياسية عموماً، فثمة بلدان أخرى يكاد يكون
عوامها أكثر حكمة من قادتها. ولعل حجم الكارثة سيكون عسيراً على
التصور لو كان لميراويك وبن لادن آذان تصغي وتستجيب في مصنع القرار
السياسي! |