|
بقدر ما هي الحياة داخل البقعة المتصارعة أيديولوجيا مستفزة ومثيرة
للقلق، بقدر ما هو المشهد من أعلى القبة الإنسانية يبدو كوميدياً،
ومثيراً للاهتمام والبحث، ويدفع المراقب للتدبر كيف أن الإنسان هو
الإنسان، ومنذ بدء الخليقة وهو مقود بدوافعه الأنانية الفطرية، ولم
يقم بناؤه الحضاري خلال كل هذه القرون إلا على محاولات لتطوير هذه
الأنانية، وتحويرها، وإعادة إنتاجها على شكل منجزات حضارية نسبية.
حاول الإنسان، في مراحل ارتقائه من الكهف إلى التحضر، أن يخرج من
الإطار البدائي الذي ينكره من أنانية الحاجات الأساسية (أكل، وأمن،
ومسكن..)، إلى إطار الأنانية المعنوية، والفكرية، (مذهب، دين، عرق،
مبدأ..)، ولكنه لا يفلح كثيراً، لأن هذه الدوافع الجديدة التي
يعتقد أنه نجح في الارتقاء إليها تظل واجهات ملونة للدوافع
الأساسية التي لن تتوقف عن التماوج داخل النفس الإنسانية، خالقةً
له القرار، والاتجاه، والطاقة، والمعنى. فأن يسود مذهبك ودينك
وعرقك، ليس إلا طريقاً يؤدي بالضرورة إلى أن يزداد أكلك، وأمنك،
ومسكنك. هذه هي الدوافع الحقيقية، بالإضافة إلى القليل من نزوات
العقل، وجيشان العاطفة، كعوامل ثانوية مساعدة!
من ينظر إلى الوطن من أعلاه، أو يمتلك منظاراً
زمنياً يتيح له اختصار الزمن، بحيث يرى البدايات والنهايات في أفق
قصير يمكّنه من المقارنة؛ فسيجد الكثير من البساطة التي تدهشه،
وسيلمس تلك الدوافع الأنانية الفطرية في كل حركيات المجتمع، من
السعي وراء الرزق، إلى الخطبة فوق المنبر، إلى الكتابة في الصحيفة،
إلى تدبيج القصيدة المادحة، إلى مناكفة الرأي الآخر، إلى تأليب
القوى الجمعية. باختصار، الإنسان يسعى بشكل فطري إلى احتلال مساحة
أوسع، حتى يتاح له ترفٌ أكبر، فالمفكر الذي تقتنع الجماعة بأفكاره،
سينام على حشية مريحة من الرضا الفكري لزمن طويل، ولن يقلق راحته،
أو يؤرق منامه، إلا تقلص هذه الجماعة، وتوزعهم على مساحات فكرية
مختلفة، مما يقلل من مساحة حشيته، وعدد مخداته، ويجعله معرضاً
يوماً ما للتداعي، والعودة إلى ميدان الكدح الفكري مرة أخرى،
ليحاول الدفاع من مساحته، ويعيد المنسحبين من مظلة أفكاره إليها،
ولو بالقوة!
ألا نتخيل من الصورة الكاريكاتورية أعلاه بضعة
إسلاميين، وبضعة ليبراليين، ومجتمعاً محدود المساحة بطبيعته، وبعض
المكتسبات الاجتماعية والمعنوية التي يسعى كل منهما لتعظيم حصته
منها؟ رغم أن كل منهما قادر، بقدرة أدواته الثقافية، أن يجعل
الصورة الكاريكاتورية هذه تبدو أنبل ما يكون، وأجمل ما يمكن أن
يسعى إليه البشر الشرفاء. إن خطب بعض الإسلاميين، وأشرطتهم، على
سبيل المثال، المشحونة بتلك الدراما الصوتية التي تُحقن في قلب
المستمع البسيط مباشرة، لا تحرض على التفكير الحر، ولا تشجع
المستمع على اتخاذ القرار الفردي، بقدر ما تحاول توطيد أساس ثابت
هو: (نحن، والله ورسوله، في صف واحد، واختلافك معنا يؤدي بالضرورة
إلى اختلافك مع الكل، فلا تخاطر بذلك، ثق بنا فقط، وسنكفيك نحن
مؤونة التفكير، وصعوبة الاختيار!)، إنها صفقة فكرية رابحة للعابر
البسيط، أن يُسقط من جبينه كل ذلك الهم الثقافي من تقرير المصير،
واختيار الطريق، وتحديد الانتماء، خلال شريط! هكذا يتعاظم العدد،
وتنتشر الفكرة، وتتسع المساحة التي يحتلها التيار، وهذا يؤدي
بالضرورة إلى أن تصبح حشيات القوم أكثر راحة، ومخداتهم أكثر،
وحاجاتهم الأنانية الفطرية المذكورة أعلاه: مضمونة!
الليبرالي الذي استيقظ متأخراً، ليجد أن المساحة التي خلفها القوم
له أضيق مما تمكنه أن يتنفس أصلاً، قرر أن يستأجر رئات إضافية.
وبدلاً من أن ينافح عن حقه الوطني والاجتماعي في مساحة أوسع
للتفكير، وجمع المؤيدين، وتعظيم مكتسباته الاجتماعية هو الآخر، وجد
نفسه واقعاً في دوامة من الاستفزاز، والاستفزاز المعاكس، انشغل بها
لسنوات طويلة، واستهلكت منه الجهد والطاقة والكلام، وانتهى بعد ذلك
إلى خيارين، إما أن يجمد مشروعه الفكري حتى يجد رحماً صناعية
لتنميته، أو يضع عقله في أقرب منطقة خارج الحدود، كيلا يتعرض
للاضطهاد الفكري داخله. هكذا مر زمن طويل من عمر الوطن والليبرالي
غائب عن الفصل مثل طالب مريض! فلم يكن من الممكن أن ينجح، ولا أن
ينتقل للصفوف الأعلى. ولذلك، عندما عاد الليبراليون فجأة في
الثمانينات، فيما يمكن أن نسميه لدواعي المقارنة فقط (الصحوة
الليبرالية)، وجدوا أن المجتمع لا يعرفهم أصلاً، ولم يتعود على
سحناتهم، ولا أفكارهم، لأنهم تغربوا طوعاً، واستسلموا منذ زمن
طويل. لذلك لم يكن مستغرباً من المجتمع، بلغة تفكيره الجمعي، والذي
تم الاستحواذ عليه سلفاً، أن يشكك في نوايا هؤلاء الغرباء
المحدثين، ويتساءل أفراده ما إذا كان هؤلاء مواطنين مثلهم، يقتسمون
معهم خبز الوطن الواحد، أو أنهم أمساخ فكرية ألقيت عليهم من خارج
الحدود، وربما كانت لهم أذيال! وهذا بالطبع سهّل كثيراً على
الإسلاميين مهمة التأليب.
هذا المشهد أصبح متسارعاً جداً، مثل أفلام
تشاري تشابلن القديمة، وأصبح أطراف المشهد أقل حرصاً على تمويه
أنانيتهم الفطرية، (ربما لأنهم صاروا أكثر إيماناً بها! ولم تعد
تخجلهم). ولعل تسارع المشهد هذا، والذي يبدو مضحكاً بعض الشيء،
مردودٌ إلى سببين، وربما كانت هناك أسبابٌ أخرى لا يتسع لها
المقال: الأول هو تسارع وتيرة التغيير، والثاني هو اتساع الميدان
الإعلامي. ففي الأول، تؤدي المتغيرات الكثيفة إلى ارتفاع درجة
حرارة الجدل، مما يدفع المجتمع إلى الدخول في حالة غير مسبوقة من
اللهاث والحنق، ذلك أن فعل التغيير نفسه صار أسرع من آلة التصنيف
الأخلاقي البطيئة التي يلجأ إليها المجتمع لتحديد موقفه من الجديد،
وهذه الآلة عتيقة جداً، ولا تحمل إلا ضوءين اثنين فقط، أخضر
للقبول، وأحمر للرفض، ولا يوجد أي ضوء محتمل بينهما، ومن خلال هذه
الآلة العتيقة يقوم المجتمع بفرز المستجدات وفق طبائعه ومُثُله
العليا، ثم يختلف عليها. وبسبب تسارع وتيرة التغييرات (المدخلات)،
يشعر أحد الأطراف أن التسارع بحد ذاته هو مؤامرة لتمرير المخالفات
في غمرة الفوضى، فيتوجس، ويعارض، ثم يبدأ تدريجياً في ممارسة سلوك
تعطيلي عام، لكل ما هو جديد. بينما يشعر طرف آخر أن سيل المتغيرات
المتتابعة هو السبيل الوحيد، وفرصته الباقية، إلى تقويض الهيكل
المحافظ الجامد، وإدانته أمام الرأي العام بأنه غير قادر على
مواكبة الحياة، وأنه فقد أهليته لقيادة المجتمع، وحماية حماه، بحكم
التقادم والصدأ.
أما السبب الثاني وراء ارتفاع حرارة الجدل مؤخراً، فاتساع الميدان
الإعلامي، فقد حول المجتمع إلى ما يشبه غرفة المرايا، حيث يرى
بعضه، ويصادف نفسه، أكثر مما تعود، وأكثر مما تتحمله أعصابه
المتوترة. فأن أكره الطرف الآخر شيء، وأن أقابله يومياً في الصحف،
والتلفزيون، والعمل، والاستراحة، والمقهى، والجامعة شيء آخر، لا
يطاق، لأنها حالة غير مريحة بطبعها، وتبعث على الاستفزاز. فعندما
يكون كل طرف مطلعاً بصفة يومية على حالات الطرف الآخر، بما أنهما
يسكنان مع بعضهما في غرفة المرايا، فإن ذلك سيؤدي إلى أن يصبح
كلاهما أكثر قدرة على فهم سلوكيات الطرف الآخر ودوافعه، وبدلاً من
أن يؤدي ذلك إلى رفع حالة الانسجام الاجتماعي كما يفترض في الأحوال
المثالية، فإنه يدخل الطرفين في نوبة من الوسواس التنافسي، يفسر
الطرفان من خلالها كل مؤشر ارتياح لدى الطرف الآخر على أنه مؤشر
تهديد له شخصياً، ودليل على وجود ما يحاك في الخفاء مما يهدد
وجوده، وكينونته، وهيمنته الثقافية. |