الغسيل الطائفي.. وحقوق الإنسان

جريدة الوطن السعودية، 7 يونيو 2007


  التفت معالي الأستاذ تركي بن خالد السديري، رئيس هيئة حقوق الإنسان، إلى مقالي السابق (مبتعثون ولكن طائفيون) بتعقيب قصير في صحيفة "الوطن" (السبت 29 جمادى الأولى)، أشكره عليه كثيراً، لأن تعقيباً كهذا من معاليه، ومن خلال منصبه المهم، يشير بوضوح إلى أن القضية في الأصل قضية "حقوق إنسان" في المقام الأول، قبل أن تكون قضية دينية، أو وطنية، أو اجتماعية. وبالتالي، لا يمكن أن نستنطق لها حلاً من الأفواه الطائفية المتشاتمة من الطرفين، والأقلام المتصارعة من أجل جاهلية ورقية وإلكترونية غبية، لأنهم جميعاً يحيلون القضية إلى مرجعيات نظرية وتاريخية، ولأنهم، بما أنهم دخلوا طوعاً في الصراع الطائفي، فقد فقدوا جميعاً الأهلية لمحاكمة القضية إنسانياً، والاجتهاد لإطفاء نارها البغيضة، بعد أن صيروا أنفسهم وقوداً لها.


هنا يبرز دور حقوق الإنسان، لأن الإنسانية هي الجذر المشترك دائماً، والإنسانية وحدها هي التي تكفل حقوقاً متساوية للجميع، ولن يزيدنا الرجوع إلى محاكم أخرى إلا إمعاناً في تعقيد الأمور، وإبعادها عن الضمير الوطني المشترك الذي ننشده. ولهذا يجب أن يكون لهيئة حقوق الإنسان الصوت الأعلى، فالمطلوب هنا هو الحسم الحقوقي أولاً، والذي نأمل أن تنبثق منه قوانين وتشريعات تجرّم الطائفية، وبعد أن يتحقق ذلك، يمكننا أن ننطلق في خيارات تربوية وأخلاقية وتوعوية أخرى، ولكن بعد أن نكون قد استندنا فعلياً على قاعدة وطنية مشتركة صلبة هي: أن الطائفية جريمة، ويستحق مرتكبها العقاب الرادع، والتشهير الأخلاقي، والإعابة الاجتماعية الجماعية.


ولعلي أحاول أن أستنطق من تعقيب معاليه عدة نقاط أوسع بها تناول القضية من أطرافها المتعددة. فالأستاذ السديري أوضح أن عُقد بعض الطلاب، وأفكارهم المشوشة، تؤدي إلى عدم الانسجام المسيء لسمعة المملكة، وأشار على وزارة التعليم العالي تهيئة الطلاب بثقافة التسامح قبل ابتعاثهم، وذلك، برأيي، حل مؤقت، لمشكلة مؤقتة، في فترة مؤقتة، وهي حماية سمعة السعودية أثناء فترة دراسة هؤلاء الطلاب في الخارج، أو بقول آخر: الحد من نشر الغسيل الطائفي. ولكن شيئاً من هذا صعب التحقق بتهيئة مسبقة، لأن الطائفية تشبه الجين المعاق في خارطة الفرد الفكرية، يصعب تطهيره منه بتوجيهات قصيرة مركزة ما، بل يحتاج إلى سلسلة من العلاج الفكري طويل الأمد، بطول المجتمع وعرضه، مزروعة في كل المراحل التربوية، والمناهج العلمية، والحقوق الاجتماعية، والأحكام القضائية. وبعد كل هذا يصبح بوسعنا أن ننتظر النتيجة ونحن نردد: لعل وعسى!


ثمة طلاب سعوديون طائفيون في الخارج، ما وجه الغرابة؟ لقد انتقلت طائفيتهم التي كانت في الداخل معهم إلى حيث يدرسون، لأن الطائفية، مثل بقية الأمراض، لا تكشفها أجهزة كشف المعادن في المطارات، ولا يمكن تطهير العقول منها بعدة محاضرات مجدولة مسبقاً، يكاد الجميع يعرف كل ما سيرد فيها من نصائح مرتبة ومكررة سلفاً. إننا نقف أمام مشكلة ذات بعدين، قصير المدى، وهو المحافظة على صورة نظيفة لوطن يسعى بجدية، على مستوى المسؤولين وليس الشعب، أن يكون خالياً من الطائفية والطبقية، وطويل المدى، وهو تطهير بعض فئات هذا المجتمع غير المتعاونة مع نوايا القيادة من نوازع العنصرية التي تراكمت فيه مثلما تتراكم الجلطات الدموية في قلوب المدخنين، لنصبح مجتمعاً صحياً، تنعكس صورته الجميلة وحدها في الخارج، دون حاجة إلى تلميع وتحسين إضافيين.


هذا الجيل المبتعث يبدأ من الثامنة عشرة، ويقف عند الثلاثين (غالباً)، وهو شريحة اجتماعية معجونة ومخبوزة اجتماعياً داخل حدود الوطن، وما يصدر منهم من تصرفات خارجة إنما هو انعكاس لما تثقفوا عليه بداخله، فالطائفية كانت نتاجاً محلياً بدون أدنى شك، أثارت غبارها الأحداث السياسية الراهنة، بالإضافة إلى الانفتاح الإعلامي الذي زاد من كثافة الاستفزازات المتبادلة. ولكن الغبار كان موجوداً من الأساس، منحوتاً من ثقافة المجتمع، بجباله، ورمله، وصحرائه، وملح بحاره، وجاهزاً للإثارة والتحول إلى عاصفة متى توفرت الريح المتواطئة، ليمارس دوره الفيزيائي في التعمية، وإعشاء البصيرة الإنسانية، واستثارة الربو، والسعال، والصراخ، والشتائم، والعنصرية. كل ما حدث هو أن هؤلاء الطلاب وجدوا أنفسهم قبالة بعضهم البعض في الخارج، حيث الجميع يطلق عليهم صفة واحدة (سعوديين)، بعدما اعتادوا في السعودية ألا تظلهم مظلة واحدة، لا من مذهب، ولا حقوق، ولا أفكار.


وعندما نأخذ في الاعتبار أعمار هؤلاء الطلاب علينا أن نتنبأ بردود أفعال متفقة مع هذه الأعمار المندفعة، فعمر الثامنة عشرة غالباً هو عمر بناء الشخصية، وجزء أساس من عملية بناء الشخصية هو: اختيار الأعداء! فلا توجد شخصية مكتملة (نفسياً) لمن لا أعداء له، وإن لم يجد أعداءً فسيخترعهم، ولكن ثقافتنا المحلية وفرت عليه مشقة الاختراع، وإرهاق المخيلة، ومنحته طائفة كاملة، بأفكارها، وأفرادها، وجغرافيتها، وموروثها ليدرب عليها كراهيته، ويكمل بها بناء شخصيته، ويخرج على المجتمع ليقول رأيه العنصري المتوقع!


لا علاقة للأمر بالمضمون الاعتقادي لدى الطرفين، والذي يتقاطع في نقاط ملتهبة دائماً، بل بالسلوك الطائفي العريض الذي يمكن أن يمارسه أي منهم، فكل من يعتقد أن شخصاً ما، يستحقّ حقوقاً أقل، لأنه يحمل أفكاراً عقدية مختلفة، هو شخص طائفي بالضرورة، مهما امتلأ فمه بالأدلة، والحجج، والبراهين المرتبة على خطأ الطرف الذي يدينه، وسوء نواياه، وخبث طويته، إلى آخر ما يشاء له خياله من صور قبيحة، فالأمر ليس خياراً بيده، والحقوق ليست هبة بشرية، بل هي حقٌ سماوي، وتحكم الإنسان في منحها ومنعها لأخيه الإنسان هو ابتلاءٌ قديمٌ، عانى منه البشر منذ بدء التاريخ، والطائفيون من الطلاب السعوديين ليسوا إلا جزءاً من هذا المرض التاريخي على كل حال.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي