مطلوب: أطفال!

جريدة الوطن السعودية، 31 مايو 2007


  فقد هرم النمو السكاني في اليابان شكله الهرمي، وأصبح أشبه بمستطيل يتساوى فيه عدد المسنين، مع عدد الأطفال، مع عدد ما بينهما من مواطنين منتجين، وحتى الآن لا يبدو الأمر مخيفاً، ولكن ما يجعله كذلك هو أن المعدل في انخفاض مستمر، ويتنبأ علماء الاجتماع أن ينقلب الهرم تماماً في عام 2050، لتصبح اليابان دولة من العجائز والشيوخ، فيما ينظر الاقتصاديون للأمر من زاوية أخرى، فهذا التراجع يعتبر كارثياً على مستقبل النمو الاقتصادي، في ظل تراجع الطبقة المنتجة، واختلال ديموجرافية المجتمع ككل، وهو، في حالة تحققه، قد يجعل اليابان عند ذاك غير اليابان التي نعرفها اليوم، وكذلك إيطاليا، وألمانيا، والنمسا، والسويد، وروسيا، وإسبانيا، وأغلب دول العالم المتقدمة تقريباً، مما يجعل اهتمام هذه الدول بتقنية الاستنساخ وعلم الجينات لا يبدو مستغرباً على الإطلاق!


يرى الكثير من الاقتصاديين أن هناك علاقة سببية بين انخفاض معدل الولادات في دولة ما وقوة الاقتصاد، ولا يمكن استيعاب العلاقة للوهلة الأولى إلا باستدعاء الأسباب. فإنجاب الأطفال مكلف جداً في الدول الغنية بقدر ما هو رخيص، وعادي، في الدول الفقيرة. هذا يرجع بطبيعة الحال لارتفاع معايير المعيشة، فالطفل في الدول الغنية يتطلب (قانونياً) الرعاية التامة حتى بلوغه سن الرشد، وأي تقصير في هذا يعرض الأبوين لفقدان حق الحضانة، وانتزاع طفلهما منهما، وهذه الرعاية تكلفهما وقتاً وجهداً يمكن بذلهما في مشاريع أخرى تعود بعوائد أفضل حسب قانون تكلفة الفرصة الاقتصادي الشهير Opportunity Cost، وفي مجتمعات مصممة بحيث يضطر كل فرد تقريباً للعمل من أجل البقاء ضمن مستوى الدخل المقبول، يبدو إنجاب الأطفال ليس ميلاً عاطفياً وقلبياً بقدر ما هو أيضاً معادلة اقتصادية معقدة. وفي المقابل، لا يعدو إنجاب الأطفال في الدول الفقيرة أكثر من روتين تناسلي عادي، تحفز عليه العادات والتقاليد أحياناً، وأحياناً أخرى تترتب عليه قيمة اقتصادية عندما يزجُّ بالطفل في سوق العمل منذ بلوغه الخامسة، (وهذه تعتبر جريمة في الدول الأخرى)، وأيضاً فإن تكلفة العناية بطفل إضافي منخفضة نسبياً ما دام البيت مليئاً بالأطفال أصلاً. الغريب أنه في الدول الفقيرة غالباً ما يعمل أحد أفرادها لإعالة أسرة كاملة لا تعمل، بينما في الدول الغنية صار من الصعب على الطبقة الوسطى أن تبقى في نفس المستوى دون فردين عاملين على الأقل، وبعدة وظائف أحياناً، وهذه من ألغاز الرأسمالية التي يصعب حلها بسهولة، فمن جهة، يرى البعض أن هذه قيمة اقتصادية منعكسة من خلق الدوافع للاستفادة من جميع طاقات المجتمع، مما يدفع بالاقتصاد ككل إلى الأمام في حلبة التنافس العالمي، ومن جهة أخرى فهو يمنح أسر الطبقة الوسطى خيارات أقل رفاهية، في دولتهم الغنية نسبياً!
 

تحاول الحكومات في أغلب الدول الأوروبية، وأستراليا، واليابان وغيرها تحفيز الأزواج على إنجاب أطفال أكثر من أجل الحفاظ على مستقبل الدولة، وصنع التوازن بين نمو الاقتصاد، ونمو السكان، وليس أبلغ من كلمة وزير الخزانة الأسترالي، بيتر كاستيلو، في هذا الشأن وهو يقول (أنجبوا طفلاً للأب، وطفلاً للأم، وطفلاً من أجل أستراليا!)، ولم يقتصر الأمر على هذا التحفيز الكلامي فقط، بل قامت أستراليا فعلياً بسن قوانين صديقة للإنجاب، ووضع حوافز كبيرة في طريق الأسر الجديدة، تبدأ من منح علاوة قدرها ثلاثة آلاف دولار أسترالي للأسرة المنجبة، وإجازات أمومة إجبارية على الشركات، وفي دول أخرى كهولندا وفرنسا بلغ الأمر بأن تتولى الحكومة تكلفة حضانات الأطفال أيضاً، وكأن الأمر يبدو مثل (سنتولى نحن رعاية الأطفال، ولكن فقط: أنجبوهم!)، إلا أن الكثير من المراقبين المحليين يرون أنه، بناء على تركيبة الاقتصاد في الدول الرأسمالية، ما زالت الحوافز غير مغرية بما يكفي على ما يبدو.
 

في المقابل، يبدو أن أمريكا لا تعاني من هذه المشكلة نسبياً، رغم أنها الاقتصاد الأكبر في العالم، وقلب الرأسمالية النابض، فما زال الأمريكيون راغبين في الإنجاب دون أن تسعى الحكومة لوضع أي محفزات في الطريق، وينجب الأمريكيون ما معدله أربعة ملايين طفل سنوياً، (ربع سكان السعودية في عام واحد!) بتأرجح طفيف في المعدل نزولاً وهبوطاً، إلا أنه ما زال رقماً مطمئناً في الدولة التي يبلغ عدد سكانها ضعف سكان اليابان تقريباً، وتحوي وحدها ما يقارب خمسة في المئة من سكان الأرض، ولكنها رغم ذلك، وبسبب مساحتها الشاسعة، تعتبر من أقل البلدان في العالم كثافة في عدد السكان (المساحة الجغرافية نسبة إلى عدد السكان)، حيث يقيم 29 أمريكيا فقط في الكيلومتر المربع من أمريكا، مقابل 336 يابانيا في الكيلومتر المربع في اليابان، أو 244 بريطانيا في الكيلومتر المربع من بريطانيا. وبذلك، ما زال في الولايات المتحدة مساحات شاسعة غير مأهولة، تنتظر مستقبلاً وأطفالاً جددا. ويعتبر الأمريكيون من أصول لاتينية Hispanic من أكثر الأعراق في ارتفاع عدد الولادات في أمريكا، وهم أساس بقاء معدل الولادات في أمريكا أعلى من مستوى الخطر الذي تعاني منه الدول الغنية الأخرى، وإلا فإن بقية الأعراق الأمريكية الأخرى (البيض، الأمريكيين من أصل أفريقي، والآسيويين) ما زالت معدلات الإنجاب بينهم منخفضة مقابل المد الهيسباني، مما يبشر بأمريكا جديدة، تتحدث الإسبانية، يوماً ما!
 

بين هذه المعدلات المنخفضة، تقع السعودية في الطرف الآخر، وتحتل المرتبة السابعة عشرة بين دول العالم في نسبة النمو السكاني الإيجابي، وهي نسبة خصوبة تحسدنا عليها كل دول العالم الأول، وبعض دول العالم الثاني، إلا أنها أيضاً تدق أجراساً عديدة، فالدول المتقدمة اكتملت لديها بالفعل أدوات التكامل الاقتصادي، ومعادلات النمو، والمنافسة العالمية، وليست بحاجة إلا إلى شعب كاف لتشغيل الآلة الاقتصادية، أما في السعودية، فإن النمو السكاني يجب أن يواكبه نمو اقتصادي متزن، حتى يجد الأطفال إذا كبروا ما يجده آباؤهم الآن من فرص، وإلا فالعاقبة وخيمة، ولا أعتقد أن هذه الأرقام الواضحة تغيب عن ذهن صانعي القرار، ومخططي المستقبل في العهد الحالي، فهو ما تحثهم عليه الأجيال الحالية، وما لن تسامحهم على إهماله الأجيال القادمة.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي