أهم مثقف على قيد الحياة

جريدة الوطن السعودية، 10 مايو 2007


عندما سأل أحدهم البروفيسور الأمريكي نعوم تشومسكي، الذي قضى أكثر من نصف قرن من حياته يدين ويحارب سيطرة الإعلام الأمريكي على عقول الناس، ومصادرة حرية التعبير، ويتهم العملاق الإعلامي الأمريكي بتهميش آراء الفرد، وتوجيهها نحو مصالح كبار المتنفذين من أهل السياسة والاقتصاد، كان السؤال (لماذا تعيش في أمريكا إذن ما دامت تعتقد أن حرية التعبير غير موجودة، وتتحكم فيها صناعة الإعلام؟)، أجاب بكل بساطة (لأن أمريكا، رغم كل ذلك، تظل أكثر بلد يتيح حرية التعبير في العالم!)

إجابته هذه كانت صدمة صغيرة لمن لا ينتبه إلى أن أمريكا من الضخامة والكثافة بحيث يمكنها أن تحمل الشيء ونقيضه، بكل أريحية، ويمكن أن يعيش فيها الضدان، على أرض واحدة، وينجحا معاً. فالإعلام الأمريكي من أقوى آلات الإعلام في العالم، وتشومسكي، هو أشهر مفكر يدين هذا الإعلام نفسه في العالم، وكلاهما صناعة أمريكية. والسياسة الأمريكية هي أكبر مؤثر على مسار التاريخ الحديث، وتشومسكي هو أنجح من قام بتشريح سياسة وطنه في كتبه الشهيرة، وأدان ممارساتها مزدوجة المعايير على رؤوس الملأ، وكلاهما صناعة أمريكية أيضاً، وفي المكان متسع لكليهما، فلا حاجة للمعتقلات، ولا وزارات الداخلية، ولا مقصات الرقابة، وأجهزة التنصت، ولا قاطعي الألسن!

لم يكن نعوم تشومسكي حالة عادية من حالات الـ Anti-Americanism أو (معاداة-الأمركة)، كما يحلو لخصومه أن يلقبوه، (ربما سعياً لإحراجه، ونزع الصفة الوطنية منه)، لأن عبقريته في خوض المعركة الفكرية كانت تفوق ما قام به كافة من سبقه ومن خلفه من حملة نفس الفكر، ونظرياته المثيرة للجدل، والمتراكمة في الرسوخ النظري عبر ما يزيد عن نصف قرن من الاجتهاد الفكري، جعلت جريدة نيويورك تايمز، والتي هي أحد كبار خصومه أصلاً، تمنحه لقب (أهم مثقف على قيد الحياة)، إيماناً بكل الانقلابات الفكرية العميقة التي أحدثتها كتبه، ومقالاته، ونظرياته، وحواراته، ومناظراته في تفسير الظواهر السياسية في العالم، ووضع الأمور في نصابها الحقيقي الذي تسعى القوى المهيمنة إلى تزييفه.

ولربما كان تشومسكي محبوباً لدى العرب بسبب منافحته المستمرة عن حقوق الفلسطينيين، وإدانته للقمع والتعنصر والتجني الإسرائيلي المستمر ضدهم، رغم أنه يهودي الأصل، والثقافة، وقضى مراحله التعليمية الأولى يقرأ ويكتب بالعبرية، ويدرس في مدرسة يهودية، إلا أن الإنسان الذي بداخله تغلب على الأيديولوجيا، فلم يتوان، رغم ضراوة ما لاقاه في سبيل ذلك، من التنديد بجرائم الصهيونية ضد الفلسطينيين، والدعم الأمريكي الدائم لها، (وهو يدين أيضاً التفجيرات الانتحارية التي يقوم بها الفلسطينيون، ويعتبرها جرائم!)، وإن كان يراها جرائم متوقعة الحدوث من شعب يعاني من الاضطهاد طيلة عقود. إلا أن تشومسكي لم يدن جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين فقط، بل اتسعت دائرة وعيه الإنساني لتتناول جميع المآسي الإنسانية التي تتسبب فيها قوى سياسية مهيمنة إما بالارتكاب المباشر، أو الدعم، أو التغاضي، فقد أدان جرائم إندونيسيا ضد التيموريين الشرقيين، وتركيا ضد الأكراد، وأمريكا ضد الفيتناميين والكوريين، وروسيا ضد الأفغان. وهذه رؤية متحررة من منظوري الدين والأيديولوجيا، فهو يدين الإسرائيليين اليهود، والأمريكان المسيحيين، والإندونيسيين المسلمين، على الجرائم التي اقترفوها بحق الفلسطينيين المسلمين، والفيتناميين الاشتراكيين، والتيموريين المسيحيين، ويسلط الضوء بشكل فاضح على ممارسات الإعلام في التعمية والتبرير لبعض هذه المذابح الإنسانية، والإبراز والتضخيم لبعضها الآخر، حسب ما يخدم مصالح كبار الساسة، وإمبرياليي العالم.


رغم أن الإعلام هو عدوه، وسعى أكثر من مرة إلى تهميشه وتجاهله، وإسقاط المواد التي تتناول اسمه من قائمة النشر أو البث، إلا أن تشومسكي يتمتع بشعبية ساحقة، وتحقق كتبه مبيعات هائلة، وتتم دعوته للمناظرة والتحدث في كبريات الجامعات العالمية، حتى إن معجبيه طالبوه بالترشح لرئاسة أمريكا، قبل أن يجيبهم (لو ترشحت للرئاسة، لما صوتّ أنا لنفسي!)، وتكللت جهوده وهو في السبعينات من عمره الآن بتكوين قاعدة وعي جماهيرية واسعة، تحمل في داخلها طاقة شك كبيرة تجعلها أبعد ما تكون عن الثقة بما تحمله وسائل الإعلام الكبرى إليهم، وحرك في داخل جيل كبير من الشباب نزعة التقصي، وإدمان الوصول إلى الحقيقة الحرة، والنظر إلى مجريات الأحداث من زوايا أخرى ذات منظور إنساني عالمي، غير تلك التي يسعى الإعلام لإبرازها أو إخفائها.

وفي كتابه الشهير (9-11)، قال تشومسكي إن أحداث سبتمبر لم تفاجئه إطلاقاً، لأن كل دوافعها كانت موجودة، وإن أمريكا استفزت العالم بما يكفي لأن تتوقع من العالم ضربة كهذه، كردة فعل طبيعية، (وإن كان يعتبر أحداث سبتمبر جريمة شنيعة على أي حال)، ولكنه يدين في ذلك سياسات أمريكا بنفس حجم إدانته للإرهاب، وفي ذلك يقول (أغلب الجرائم التي تحدث في الحياة، تخفي وراءها عنصراً شرعياً ما!)، فهو معارض شهير لكل حروب أمريكا التي وقعت بعد الحرب العالمية الثانية، من حرب فيتنام، وكوريا، وأفغانستان، إلى حرب العراق الحالية التي أدانها بشدة، وسخر من أسبابها المزعومة وهي إزالة أسلحة الدمار الشامل، وهو يقول (إن عدد القتلى الذين سقطوا في حرب أمريكا على العراق من أجل إزالة أسلحة الدمار الشامل، هو أضعاف عدد القتلى الذين سقطوا ضحايا لأسلحة الدمار الشامل في التاريخ!)

يذكر أن تشومسكي غير متخصص في العلاقات الدولية، ولا في السياسة، ولا في الإعلام والصحافة. فهو بروفيسور في اللغويات، ويمارس عمله في هذا القسم من معهد ماسيشيوتس للتكنولوجيا منذ عقود، ولديه في هذا المجال نظرياته ودراساته المبهرة أيضاً، بشهادة الراسخين فيه، والتي أحدثت حراكاً نظرياً كبيراً في هذا الحقل أيضاً، وغيرت بعض مفاهيمه السائدة.


ويفترض تشومسكي في جميع أطروحاته حول حرية التعبير أنها حقٌ فطري للإنسانية، وبقدر ما أنه تمت مصادرته في العالم الثالث بقوى قمعية، فقد تمت مصادرتها في العالم الأول بقوى إعلامية، وفي الحالتين بقي الفرد تائهاً في حالة معتمة، وبدون رأي. ولذلك ناصب تشومسكي العداء كل الجرائد والمجلات والمحطات التلفزيونية والإذاعية الكبرى، وافترض أن إدمانها على عوائد الإعلانات أفقدها رسالتها الأصلية، وجعلها أداة في أيدي أهل المال والسياسة، وقد أمعن تشومسكي في توثيق اتهامه هذا عبر عشرات الدراسات والإحصائيات والملاحظات التي جمعها طيلة حياته حتى أقام عليهم حججاً ما زالوا ينكرونها جميعاً، ونادى بمقاطعة الإعلام التجاري، والاتجاه إلى (الإعلام البديل)، وهي أجهزة إعلامية تقوم على جهود فردية، وإمكانيات متواضعة، ومن أهم أركانها أنها غير هادفة للربح، ولا تعتمد على الإعلانات في التمويل، مما لا يجعلها عرضة للابتزاز المادي، ومؤخراً، صرح تشومسكي أن الإنترنت هو وسيلة إعلامية بديلة وحرة إذا أحسن استخدامها.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي