في بداية القرن
العشرين، كان يوجد في نيويورك من
الإيطاليين أكثر مما يوجد في روما، ومن
الآيرلنديين أكثر مما يوجد في دبلن، ومن
الألمان أكثر مما يوجد في حاضرة ألمانية
كبرى، وكان ذلك بالطبع نتيجة حتمية لتدفق
أفواج المهاجرين على مدينة نيويورك من
أوروبا مثل طوفان من الأحلام المكسورة،
قادمين من بلاد لا تنقصها العراقة، ولا
المجد، ولا القوة، ولكنها آنذاك، كان
ينقصها الأمل. وهو السلعة المغرية التي
باعتها وظلت تبيعها نيويورك للعالم حتى
الآن، في تجارة رابحة جداً عندما يكون
المقابل هو كل المكونات الأساسية لمدينة
كبرى، ومختلفة. ويبدو أن الحظ تجاوز
أحلامها في أن تكون تلك المدينة الكبرى
فحسب، لأنها، في الحقيقة، أصبحت الكبرى في
العالم، وحتى الآن.
كان التحدي مخيفاً، وجديراً بأن يسبب
صداعاً ثقيلاً لأي عالم اجتماع آنذاك،
لاسيما وأن التاريخ لم يحبل من قبل بتجربة
شبيهة مطلقاً، ولم يسبق للبشرية في
تاريخها المديد، قبل التجربة النيويوركية،
أن أقامت كياناً متنوعاً وحيوياً بهذا
الحجم، دون رابط عرقي أو ديني، وبدون سلطة
قمعية مطلقة، ولم يكن أحدٌ يتصور أن
ملايين البشر من مشارب مختلفة يمكن أن
ينتظموا مثل خرزات آمنة في خيط من الحرية،
والعدالة، والمساواة. وهذا ما جعل سياسيي
أوروبا ينظرون إلى ما وراء المحيط الأطلسي
وهم ينتظرون انهياره الوشيك، وغرقه في وحل
من الصراع القومي، فلم يأسفوا على رحيل
الرعاع إليه. ولكن خانتهم ظنونهم تلك،
أيما خيانة، عندما عاد هؤلاء الرعاع
لينقذوا بلادهم القديمة من وطأة الجنون
النازي.
بدأ القرن العشرون ونيويورك تحتضن ما
يقارب ثلاثة بلدان كبيرة، وعدة بلدان أخرى
صغيرة، وأقليات متنوعة، وبضعة أديان، في
مدينة واحدة!، هذه الشوربة الديموجرافية
المخيفة، غير المسبوقة، بدأت تثير قلق
السياسيين وعلماء الاجتماع تدريجياً خوفاً
من أية حروب أهلية صغيرة محتملة داخل
المدينة، لاسيما وأن كل جماعة كانت تقطن
حياً مستقلاً منها، وتتراكم فيه، وتبذل
جهوداً جادة للاحتفاظ بهويتها القومية.
مثل ما كان يحدث في الحي الإيطالي
تحديداً، عندما يفتحون نوافذهم صباحاً في
وقت واحد، ويغنون الأغاني القومية
الإيطالية، لإشاعة الشعور القومي وإبقاء
جذوته مشتعلة، ثم ينزلون معاً إلى أعمالهم
ومصانعهم، مستبدلين اللغة الإيطالية
بالإنجليزية من أجل لقمة العيش، قبل أن
يعودوا مساء لارتداء قبعاتهم القومية،
والنوم في إيطاليا الصغيرة داخل نيويورك،
كذلك كان دأب كل الأعراق الأخرى، لاسيما
الآيرلندية، والألمانية، والإنجليزية،
واليهود، واليونانيون، مما أبطأ عملية
الاندماج التي كان يحلم بها سياسيو
المدينة.
الأسوأ من ذلك، أن أغلب المهاجرين كانوا
من الطبقات الأفقر في أوروبا، غير
المتعلمة، وبدون ثقافة محرضة على الحوار
والتبادل المعرفي والحضاري، وأيضاً،
بخلفية محتقنة بتاريخ من الحروب والكراهية
والعنصرية، واختلاف المرجعيات الدينية،
كما أن غالبيتهم لم تكن مؤهلة مهنياً
لإنتاجية جيدة، وبدون مهارات، وبعاهات
وأمراض منتشرة بينهم بشكل مخيف، وبالعديد
من الأطفال الذين ينوء بهم كاهل كل أسرة،
مما حدا بأحد المؤرخين آنذاك أن وصف نوعية
تلك الهجرة المتزايدة بوصفٍ ثقيل لا يمكن
تصوره بسهولة، عندما قال ((أوروبا تتقيّأ
علينا!))، ولكن الجزيرة الصغيرة التي كانت
تتوقف عندها سفن المهاجرين عند مدخل
نيويورك ظلت فاتحة ذراعيها للجميع، بدون
أي انتقائية، ومن ورائها تمثال الحرية
الذي حفرت فيه قصيدة إيما لازوريس الشهيرة
(أم المنفيين)، وهي تعبر بلسان حال
نيويورك للمهاجرين: ((أعطوني تعبكم،
فقركم، وحنينكم المحتشد للتنفس
بحرية...)).
ولكن لا رجال السياسة، ولا رجال الثقافة،
ولا رجال الدين، ولا أساتذة الجامعات، ولا
علماء النفس والاجتماع استطاعوا حل هذه
المشكلة، بينما، وبدون قصد، استطاع رجال
الاقتصاد حلها بنجاح كبير. ولقد تحققت
بذلك معجزة اقتصادية تدعو العالم إلى
مراجعة مفهومه حول الاقتصاد كعلم مالي،
إلى كونه علماً اجتماعياً في الأصل، ذا
أدوات مالية، قادراً على المساهمة الفعالة
في حل المشكلات الثقافية المستعصية.
وللتاريخ القديم شواهد أكثر بلاغة على
نجاح الاقتصاد حيث تفشل السياسة، ألم
يتمكن تجار العصور القديمة من دخول بلدان
حصينة بسلام بينما عجز عنها قادة الجيوش؟
ولطالما استعصى على الغزاة أن يوحدوا
شعبين أو دينين على الأكثر، تحت حكم واحد،
إلا لأجل مسمى فقط، وبأدوات قمعية قاسية
جداً. نيويورك كانت نسخة القرن العشرين من
هذه النظرية، ذات التطبيق الأكثر وضوحاً،
عندما استطاع تجار نيويورك، واقتصاديوها
أن يوحدوا دولاً بأكملها في مدينة واحدة.
تنقل لنا أفلام الفيديو
البدائية آنذاك الصورة المعتادة لطوابير
العمال الممتدة أمام أي إعلان عن فرص عمل
جديدة، وهذا الطابور كان مختلطاً بشكل يصعب
رسمه على رسام محترف، مالم يكن يملك ريشة
عالمية، إيطاليون، وآيرلنديون، وألمان،
وصينيون، وصقليون، ويونانيون، ويهود،
وكاثوليك، وبروتستانت، كلهم استطاعوا قراءة
إعلان الوظيفة المكتوب بالحروف الإنجليزية رغم
اختلاف ألوان عيونهم واتساعها، وكلهم اتفقوا
على حاجات مشتركة، وانخرطوا في عملهم كفريق
واحد. هذه الماكينة الاقتصادية الهائلة كانت
من الحنكة بحيث استغلت كل هذه الطاقات الهائلة
في بناء مشاريع جبارة حتى بمقاييسنا الحالية،
وليس بمقاييس القرن الماضي. وأسهمت في إبقاء
نيويورك كأقوى مدينة اقتصادية في العالم طوال
القرن وحتى الآن، بل أيضاً ساهمت بشكل فعال في
هضم كل الجنسيات المختلفة، وإعادة تدويرها
لتفرز سكاناً مخلصين للمدينة الحلم، وهنا مربط
الفرس، لقد كسبت نيويورك رهانها مع العالم على
تحويل المهاجرين المعدمين الذين جاؤوا من
أصقاع الأرض، إلى مواطنين مخلصين، متفانين في
حب مدينتهم الجديدة، بينما تعجز دول أخرى عن
جني هذا الانتماء.
وبالطبع، لم تكن التجربة بهذه البساطة، ولم
يكن العائد بدون ثمن مقدم. فشوارع نيويورك ما
زالت شاهدة على أحداث، وانهيارات، وفواجع،
وحرائق، مرت بها المدينة خلال عمرها القصير
نسبياً بين المدن، ولكنها ابتلعت مصائبها
بألم، وسقطت مريضة في مراحل عديدة، ولم تمت.
ولو أنها ماتت لربما تعرض أرباب توحيد العالم
تحت المظلة الإنسانية إلى إحباط تاريخي طويل
المدى، ولربما أدى إلى تعطيل تجارب دول ومدن
أخرى، لحقت بها في مجال الاختلاط الثقافي
والعرقي، وتخفيف الاحتقانات بين البشر، وإحالة
أدوات الحروب إلى المتاحف. إنها ولا شك تجربة
تستحق حيزاً كبيراً من التمعن التاريخي،
وإعادة التصدير ثقافياً إلى أماكن أخرى من
العالم، موبوءة بالتطرف، والعرقية.
وأنا أدرس تاريخ المدينة عن قرب، فكرتُ أن
نيويورك كانت قد مرت بأعظم التحديات
الديموجرافية التي عرفتها الإنسانية في
تاريخها، واستطاعت تجاوزها بنجاح هائل!، ومتى؟
في بداية عشرينات القرن الماضي، بينما ما زالت
نواح أخرى من الكوكب، بعد مئة سنة من تجربة
نيويورك، يقتل فيها الناس بعضهم بعضاً على
الاسم، والهوية، والمذهب، والطائفة، والدين،
والقبيلة، والعرق، والإقليم، رغم أنهم اتفقوا
مسبقاً على العيش تحت ظل أنظمة قمعية بسلام،
ثم اندفعوا إلى قتال بعضهم بعد زوال النظام
القمعي، فيا سبحان الله، كيف يوحّدنا القمع،
وتفرقنا الحرية.
|