|
يقول ويل ديورانت في كتابه
قصة الحضارة حول بدايات الدخول الأجنبي لجزر اليابان قبل
قرنين:(عندما عجز المسيحيون عن فهم اللغة اليابانية، قالوا إن لغة
تلك الجزر قد صاغها الشيطان، ليمنع نشر تعاليم الإنجيل في بلاد
اليابان)، وفي العبارة حالة متكررة من تصادم الحضارات، لاسيما إذا
كان الدين حاضراً في المشهد، وما أشبه الذين اتهموا اليابانية
بأنها لغة الشيطان الواقفة ضد الإنجيل قبل قرنين، بالذين اتهموا
الإنجليزية هذه الأيام بأنها لغة التغريب ومسخ الهوية (الشيطان
الحديث)، الواقف ضد التمسك بثوابت العقيدة والدين، وحذروا منها
المجتمع والتربويين عندما طفت على السطح قضية تعليم اللغة
الإنجليزية لأطفال المدارس في المرحلة الابتدائية، وكيف بلغ الربط
بينه وبين القيم الدينية حداً من المباشرة الساذجة يجعل من السهل
على المتابع أن يستشف حالة احتقان أيديولوجي يفتش عن مكان ضعيف من
سطح الجلد، ليتورم معلناً عن احتجاج لا مبرر له. والآن، والمناهج
الدولية تدخل من باب الأمر الملكي الواسع، يعود نفس الاحتجاج مرة
أخرى، لحماية الهوية، ودرء لغة الشيطان.
الإنسان عدو ما يجهل عموماً، وأكثر المعترضين على تعدد اللغات في
التعليم السعودي يجهلون تلك اللغات، وإن عرفوها جهلوا ثقافتها، وإن
عرفوا ثقافتها جهلوا أثرها التثاقفي الإيجابي على المجتمع، وتمسكوا
بنظرية (مسخ الهوية) المتشنجة الوهمية، رغم أن اللغة أداة الحضارة،
وليست ممحاتها! ولم تلعب أية لغة من قبل دور (الممحاة) المخشية هذه
في أي مجتمع سابق، والذي يخافه الخائفون لا يخرج عن كونه محاولة
(حجب) كبرى لأفق الآخر عن طريق (تجهيل) المجتمع بهذه اللغة، أو
تأخير أخذه بها حتى (يرسخ في دينه). ومسألة الرسوخ في الدين هذه
ملغزة عندما تطرح دون تبيان، وتبدو كمن يقول (لا تتعلم الثقافة (ب)
حتى نحقن في عقلك هذه الثقافة(أ) أولاً)، وهذا تسابق وصائي على
العقول، يبدو فجاً من مجرد تصوره، فضلاً عن تطبيقه. هذه الأسلاك
الشائكة التي تقام داخل عقول المجتمع وألسنته، لتمنعه من التفكير
والنطق باختياره، وتجبره على التفكير والنطق باختيار غيره،
وبالتالي فهي فعل (قمعي) في الأصل، وليس (تربوياً) كما يتم تمريره
في الأجندات الأيديولوجية الحالية.
إنها نظرية تسقط وحدها، لأن
اليابان ظلت يابانية رغم هذا الدخول القديم للمبشرين في أرضها،
واستقبالهم لهم بالود والترحاب، وسيظل كل مجتمع يحمل هويته التي
تفرزها حركيته الثقافية، وظرفه الزمكاني، ولو كانت نظرية انمساخ
المجتمعات، وانطماس الهويات ممكنة بمجرد دخول لغة أخرى إلى محيط
المجتمع، لأصبحت أوروبا كلها مجتمعاً واحداً، لأن الأطفال فيها
يتعلمون ثلاث لغات مجاورة على الأقل في كل مدرسة، وتتحدث سويسرا
ثلاث لغات رسمية في دولة واحدة (الألمانية، الفرنسية، الإيطالية)،
ورغم ذلك ظلت سويسرية جداً، وتتحدث أغلب دول أمريكا اللاتينية
الإسبانية منذ قرون، ورغم ذلك ظلت المكسيك مكسيكاً، والأرجنتين
أرجنتيناً، بل إن أمريكا وبريطانيا تشتركان في اللغة، وتختلفان في
الثقافة اختلافاً يصل إلى حد السخرية من بعضهما ثقافياً وسلوكياً،
والشواهد لا تنتهي.
القناعة النظرية التي انطلق
منها المعارضون لتعليم اللغة الإنجليزية كانت ترتكز على ركيزتين:
الأولى، أنه سيؤدي إلى إضعاف قدرة الطالب على إتقان اللغة العربية،
والثانية، أنه سيجعل الطالب الغر أسهل تعرضاً للتغريب الثقافي،
واستقبالاً لمخرجات الغرب قبل أن ينضج فكرياً وثقافياً. أعتقد أن
كلتا الركيزتين واهية بشكل يجعل من المستغرب أن تستند على ضعفها كل
هذه المعارضة الثقيلة، ذلك أن إتقان لغة ما، في الحقيقة، إنما يسهم
في تقوية مركز اللغة في الدماغ بشكل يجعل استيعاب لغة أخرى أمراً
أكثر سهولة، فتعلم لغة جديدة هو أسهل على الشخص الذي يتقن لغتين
مسبقاً من الشخص الذي يتقن لغة واحدة، وكلما ازداد عدد الألسنة
التي يتكلم بها شخص ما،ازدادت قدرته على استيعاب لغة جديدة، وهضم
قوانينها، ومفرداتها،وثقافتها بشكل أسرع، وأدق. وهكذا فإن مزاحمة
اللغة الإنجليزية للعربية في ذهن المتعلم هي أمر غير وارد، لأن في
العقل متسعا لكلتيهما، ويقول علماء التربية إن الطفل الذي ينشأ على
التحدث بلغتين، تكون مهاراته الاجتماعية، وقدراته العقلية أكثر
حدة. ولربما بدا الأمر بدهياً حد عدم جدوى الاستنجاد بعلماء
التربية، ولا اللغويات، والاجتماع، وعلم النفس. فلاشك أن الذي يملك
مطرقة وإزميلاً أنفع ممن يحمل أحدهما فقط دون الآخر. وفي أماكن
محدودة من العالم يوجد من يتحدث لغتين أساسيتين كلتاهما تعتبر
اللغة الأم دون تفرقة، مثل مونتريال الكندية، وشمال إفريقيا، وجنوب
آسيا. ثنائيو اللغة غالباً يملكون أدوات أوفر في التخاطب مع
ثقافتين، ومزية البقاء بشكل دائم في حالة مقارنة إيجابية وفعالة
للقيم، والحضارة، والإبداع، مما يسفر عن شخصية مسؤولة فيما بعد،
ومستقلة، وقادرة على بناء نظامها الأخلاقي بشكل أدق.
أما بالنسبة للركيزة الواهية
الثانية، فليس من المنطقي أن يكون الأسلوب الأمثل لمقاومة تأثير
أية ثقافة، (إذا سلمنا جدلاً بضرر هذه الثقافة)، هو التوقف عن
تعليم لغتها. فإن اتفق أن جو مدينة ما صار ملوثاً لا يعني بالضرورة
أن نعيش في بيت بلا نوافذ! ومحاولة إغلاق النوافذ اللغوية هذه
اتقاءً لشر الثقافة إنما هو محاولة انتحار ثقافي فظيعة، وتجفيف
شنيع لقدرات المجتمع على التحاور ثقافياً بشكل خلاق مع المجتمعات
والثقافات الأخرى التي تشاركها الكوكب. ولاسيما الثقافات ذات
التأثير المعاصر الأعظم على مجمل الكرة الأرضية، منذ بدء التاريخ.
ولربما كان هذا شرطاً كونياً قبل أن يكون كشفاً علمياً، (وجعلناكم
شعوباً وقبائل لتعارفوا)، فأي تعارف هذا الذي يمكن تطبيقه تحت شرط
التنازل عن إحدى اللغتين؟
أعتقد أن اللغة العربية التي
نجلّها نحن العرب ، لا مانع لديها مطلقاً من الترحيب بلغة أخرى إلى
جوارها، في لسان مشترك. ولا أعتقد أن اللغات، أدوات المعرفة تلك،
لها علاقة بمشاكلنا الأيديولوجية المعقدة، وشعورنا الفوبوي
بالاستهداف والتآمر. فاللغات المتعددة في العقل تتعاون على بنائه،
ولا تتصادم فيه، أو تتصارع على تكريس هوية ما، ومحو هوية أخرى، كما
يظن الظانون.
لا أدري حقيقة متى يمكن أن
يكون من الأمن على فرد ما أن يتعلم اللغة الإنجليزية دون أن يكون
عرضة لهذا التغريب الموهوم الذي ترتعد منه فرائص القوم؟ ولربما كان
تحرزهم منه، بدلاً من تثاقفهم معه، هو الذي منحه تلك السطوة
الإضافية على مجتمعاتنا. كيف يمكننا أن نقوم بأي عملية فرز بسيطة
بين النافع والضار في أية ثقافة دون أن نتكلم لغتها؟ هذه أسئلة أقل
جدلاً من أن تطرح!
أطفالنا بحاجة إلى نوافذ
جديدة، وبحاجة إلى لسان إضافي يكفينا شر التأتأة الاجتماعية كلما
اصطدمنا بعامل ثقافي جديد علينا. نحتاج إلى خطوات أوسع نحو هذا
الآخر، مادمنا مرعوبين إلى هذا الحد من فكرة أن يخطو إلينا هو،
ولعلنا أن نخرج من
ضيق (تعلم لغتهم لنأمن مكرهم) إلى فسحة (تعلم لغتهم.. لنشاركهم
الكوكب!) |