|
النزاع على خيارات الأبناء الحياتية حكاية اجتماعية رتيبة ومتكررة
على مر القرون، وما زال البشر يتساءلون ببطء شديد ما إذا كانت
خيارات الأبناء حقاً أبوياً/أمومياً يكفله لهما فعل الإنجاب وثقافة
التوقير، أم مشيئة حرة مكفولة للأبناء بمجرد بلوغهم سن التمييز
المتفق عليه؟ والواقع طبعاً أنهم لا يتساءلون قولياً ولا فلسفياً،
بل حضارياً عبر ممارسات اجتماعية ملحوظة، تخلق في مجمل تغيراتها
البطيئة صفات المجتمع، ونظامه الأسري الشائع. ولكن صفة لا تبقى،
ونظاماً لا يستقيم، لأن المجتمعات البشرية حركية بطبعها، ومساءلة
السائد والثابت هي عادة إنسانية أزلية، فلا يملك أي جيل (تثبيت)
المجتمع على تركيبة أخلاقية ما، إلا إذا امتلك قوى ثقافية وقمعية
تكفل له ذلك إلى أمد مؤقت، وفق شروط حضارية معينة.
استحالة الثبات هذه هي سبب صداعات الجيل السابق دائماً، ومنطلق
نزوات الجيل اللاحق. إنها حكاية بعمر البشر أنفسهم، تثبتها الطرفة
الأثرية المشهورة التي ضحك عليها العالم، عندما اكتشف أحد علماء
الآثار المصرية ذات يوم لوحاً منحوتاً بالهيروغليفية عمره أكثر من
4000 سنة، وعندما قام بترجمته، وجده كتابة كهل فرعوني، يشكو فيها
تمرد الجيل الجديد! ولا يكاد يوجد فرد على وجه هذه الأرض، نشأ بين
أبوين، إلا وتذمرا من تصرفاته يوماً ما، في مرحلة ما، في ظروف
معينة، ولعل جدل الأجيال هذا هو أقدم جدل في التاريخ، ما يزال
قائماً حتى الآن، وبحالات لا تنتهي، ولا تختلف في جوهرها ومظهرها،
فحياة الإنسان ليست إلا سعيا مستمرا لتحقيق معادلة المثالية التي
يتصورها حسب معطيات زمنه ومحيطه ومعتقده، وعندما يبلغ الأبناء عمر
التصرف الفردي، يكون الأبوان قد بلغا بالضرورة عمراً يشعران فيه
باكتمال نظريتهما المثالية حول الحياة عموماً، وليس أمامهما إلا
الأبناء لتحويلهم إلى واجهة تطبيقية مباشرة، دون الالتفات إلى أن
لهؤلاء الأبناء جولتهم المستقلة في الحياة، فوق الأرض، وتحت
السماء، ولهم سعيهم المختلف نحو معادلة المثالية التي تناسبهم
أيضاً، والتي سيحاولون تطبيقها ذات يوم على أبنائهم!
تلك إذن من طبائع المجتمعات الثابتة، وما زال ملايين الآباء
والأمهات يواصلون عملهم الوصائي الفطري على الأبناء وكأنه جزء من
عملية الإنجاب نفسها، أو كأنه حقٌ أوتوماتيكي مكفول من حقوق
الأبوة/الأمومة لا يختلف عما يحدث في الأصلاب والأرحام، وغيره من
مراحل الإنجاب. ورغم أنه لا أحد يستغني عن هذا الدور الوصائي
الطبيعي، إلا أنه ككل ما في الطبيعية من حالات، تختل أحياناً،
وتتعرض للأمراض، كالإمعان فيها مثلاً، أو اعتبارها (حقاً مملوكاً)
يُقاتَلُ اجتماعياً وأسرياً من أجله، ويتشبثُ به حتى يظهر الشيب
فعلاً في رؤوس الأبناء، وليس (مهمة موكلة) تنتهي عند أجل مسمى، ككل
المهمات. إن الإنسان بطبعه لا يملك العدسة الكونية التي تمكنه من
رؤية السيرورة الإنسانية في صورة كلية واحدة، وكيف أن البشر قاموا
منذ الأزل بتحديد خياراتهم جيلاً بعد جيل، باستخدام ميكانيكية الشد
والجذب، ولو استجابت البشرية لقوى الجذب الأبوي/الأمومي لما اكتشفت
حتى العجلة، ولا خرجت من الكهف، ولو استغنت عنها كلياً في المقابل،
لسقطت في الهاوية، وماتت الحكمة. والكهف هو الشكل الرمزي لنزعة
الجيل السابق للثبات، والقرار، والاكتفاء بما تحقق له، وتوارث إليه
من الإيمان والأخلاق والسلوك، بينما يتعارض هذا مع نزعة الجيل
اللاحق في اختراع نسخته الخاصة من هذا الثلاثي الحتمي، وما بين
النزعتين المتضادتين، ينشأ الجدل المعتاد.
وإذا اعتمدنا بعض المعايير الجغرافية الكبيرة، بشكل عام، نجد الشرق
مؤمناً بأن خيارات الأبناء يجب ألا تخرج عن المعيار
الأبوي/الأمومي، ولهم الحرية النسبية فيما دونه، وحتى وإن لم يتفق
كل الشرقيين مع النظرية تماماً، فهم حتماً يمارسونها كجزء مدسوس في
التربية، يكفل تماسك الأسرة في حالة صمغية تجعل الفكاك منها صعباً،
ومليئاً بالعثار، واللوم، والتقريع. بينما الغرب الذي يقدس
الفردية، (بعد أن ذاق ويلات الجماعية سياسياً وتاريخياً)، ينظر إلى
الأبوة/الأمومة بوصفها جزءاً من العمل، ومشروعاً بشرياً ينتهي
بتسليم العهدة إلى الأبناء أنفسهم عند بلوغهم سن التخيير الذي
يمنحهم إياه القانون أو العرف، فينطلق بعدها الأبناء نحو تجربتهم
الإنسانية الشخصية بعيداً عن التأثير الخلفي للأبوين المتشبثين بهم
بإحدى قوتين: الهيبة، أو العاطفة.
إن الحالة الشرقية تنتج أماناً اجتماعياً، مقروناً بالتأخر
الحضاري، بينما الحالة الغربية تنتج تقدماً سريعاً، مقروناً بهزات
اجتماعية متعاقبة. ولكن أيهما أقرب إلى الواجب الفطري الإنساني؟
الشرقيون، والشرق أوسطيون بالذات، يعيشون في مجتمعات ثيولوجية
عموماً، تتخذ التقاليد فيها لبوساً مقدساً، أو ترتبط ارتباطاً
شديداً بردود أفعال اجتماعية غير قابلة للتفريط (كالعرض مثلاً)،
وبما أن الآباء/الأمهات هم الذين يقفون بجانب التقاليد غالباً،
لأسباب زمنية، فإن هذا الدعم الثيولوجي يختلط مع إيمانهم المسبق
بأحقيتهم في رسم الخارطة الأخلاقية لأبنائهم، وناتج هذا الخلط هو
ثقافة ضاغطة، مهيمنة، محاصِرة، لا تألو جهداً في محاولة التأثير،
والإجبار، ابتداءً من القمع الجسدي، مروراً بالتأثير المعنوي،
وانتهاء بالابتزاز العاطفي المرمز بالعقوق وغيره. ولا يوجد من هو
أقدر على القمع من الذي يعتقد (أو يتوهم) أنه يحمل رسالة تربوية
وأخلاقية يجب أن يؤديها، لاسيما إذا كان يعتقد (أو يتوهم أيضاً) أن
هذه الرسالة موكلة إليه من جانب علويّ (الدين، المثل العليا،
الفلسفة الأخلاقية وغيرها). هؤلاء يمارسون القمع التربوي بشكل
يومي، وهم في حالة عمى تام عن نتائج قمعهم النفسية، والتربوية،
والاجتماعية، وسبب هذا العمى هو: أولاً، ركونهم الأبدي تجاه
نظريتهم الأخلاقية المكتسبة أو الموروثة، بكونها حقاً لا يبطل،
وحقيقة لا تزول، وثانياً، إيمانهم الذي تعمقه شواهد قليلة وضيقة
وانتقائية، تثبت لهم أن من فعل كذا قد ندم، ومن استنكف، ما يزال
بخير.
ومما يزيد من حدة هذه الممارسة هو طبيعة المجتمعات الشرقية في
تمييز أفرادها على أساس عائلي، إقليمي، طائفي، ديني، أيديولوجي،
وغيرها. مما يفقد الفرد حرية الاختيار ما دامت اختياراته هذه تنعكس
بشكل أو بآخر على جماعته الرمزية. فالفتاة التي تخرج عن تقاليد
الأسرة تُقمَعُ لأسباب لا علاقة لها بدراسة تحليلية حول أثر خروجها
هذا على سعادتها في الحياة، فلا أحد سيرهق نفسه بإجراء هذه
الدراسة، بل لأنها فقط عرضت جماعتها الرمزية (الأسرة) لخطر النقد
الاجتماعي، وتخريب المشروع الصوتي لهذه الأسرة (السمعة)، وهو سببٌ
كافٍ لاستنهاض القمع بكافة صوره الممكنة، لفظياً، وجسدياً،
وعاطفياً. رغم أن أغلب الأسر لا تعترف بهذا، وتحاول أن تخترع
تبريرات للقمع أكثر إراحة لضمائرها، فتحشرها في أطر دينية،
واجتماعية، وأخلاقية، كلها مرتكز على ركيزتين أساسيتين في النهاية:
تهميش الرغبة الفردية الفاسدة مقابل رغبة الجماعة الخيّرة،
والالتزام بالطقوس والبروتوكولات الاجتماعية التي تعودت عليها
الأسرة بصفتها الدرع الأصلب أمام نبال النقد الاجتماعي.
إن المجتمعات الشرقية تعاني من (فوبيا الفردية) إذن، رغم تضخم
الأنا الفردي في المقابل، ويبدو أن تضخم هذا الأنا لم يكن إلا ردة
فعل على استشعارها مسبقاً نوايا المجتمع الأزلية في تهميش الفرد،
وإخضاعه للقوانين العرفية المقررة سلفاً قبل أن يولد، وكذلك هو
الحال داخل الأسرة، باعتبارها مجتمعاً صغيراً، مهما حاولت كل أسرة
تنزيه نفسها اجتماعياً عن السائد والقطيع، إلا أن الممارسة هي
المعيار، وليس التبريرات المجانية. |