بروفيسور السعادة

جريدة الوطن السعودية، 5 أبريل 2007


عام 2002، حصل البروفيسور دانيل كينمن على جائزة نوبل للاقتصاد رغم أنه لم يدرس في حياته مادة اقتصاد واحدة! ويعترف بأن كل ما يعرفه عن الاقتصاد هو ما تعلمه من أصدقائه فقط، وإلا فهو يحمل دكتوراه في علم النفس، ويعمل على أبحاث لا علاقة لها بالعرض والطلب، والتضخم والبطالة، ولكنه استحق الجائزة، حسب تعريف اللجنة، كونه (استطاع دمج علم النفس بعلم الاقتصاد بشكل عميق وواع، والتعمق في دراسة السلوكيات المحيطة باتخاذ القرارات وإصدار الأحكام البشرية)، تلك أمور نفسية بحتة، فماذا فعل البروفيسور دانيل إذن ليسبق به فطاحلة الاقتصاد المتسابقين على الجائزة، بأدواته النفسية البعيدة كل البعد عن المفهوم العام للاقتصاد؟


إذا كان كل البشر مسكونين بهاجس حيازة السعادة، فإن البروفيسور دانيل كان مسكوناً بهاجس قياسها، وبأسئلة من نوع: كيف يمكن تحديد مستوى سعادة أي إنسان؟ وما هي المعايير المختلفة التي يمكنها أن ترفع هذا المستوى أو تخفضه؟ هذه الأسئلة التي كانت رهن التناول الفلسفي المموه لأزمان طويلة، جاء البروفيسور دانيل ليخرجها من حلكتها، ويقيسها بالمسطرة. وليستخرج منها نتائج تؤسس للعلاقة الضرورية بين علمي النفس والاقتصاد، باستخدام أدوات علمية حديثة. ورغم أن هذا البحث أهّله لاستقطاب أنظار العالم، وحيازة جائزة نوبل، إلا أن إحدى النتائج النهائية للبحث كانت، كما يضعها البروفيسور دانيل (لم نتوصل حتى الآن لمقياس علمي دقيق لسعادة الإنسان!)
 

يا لهذا الإنسان الخائب! كل هذه الأجيال، والقرون، والحضارات، والأديان، والفلسفات، والعلوم، منذ بدء الخليقة وحتى الآن، ولم نعرف كيف نقيس سعادته بعد!، هذه المهمة المستحيلة مع هذا المخلوق الجدلي المتقلب، الإنسان، مستحيلة إلى حد أن مجرد فكرة التمكن من قياسها كانت على قدر من الأهمية بحيث تحوز المحاولة فقط جائزة نوبل، حتى لو لم تنجح هذه المحاولة بشكل كامل في التوصل لنتائج مأمولة، وعلى أي حال، ما زال البروفيسور دانيل دؤوباً في أبحاثه، ولعله يوماً ما يخرج لنا بوصفة اقتصادية لسعادة الإنسان، لتصبح التعاسة والبؤس والحزن أشياء من التاريخ.. من يعلم!
 

وإذا افترضنا خلو حياة الإنسان من المنغصات الطارئة، كالموت، والمرض، فلعل أول ما يتوارد للذهن من عوامل الإنسان هو زيادة الدخل. فالغالبية العظمى من الناس تعتقد أن ارتفاع دخولها هو جزء أساس من تحقق السعادة المؤجلة في حياتها، لأن السعادة في وجه النظر العامة هي كل ما يحلم به الإنسان، ولا يملكه، وارتفاع الدخل هو الطريق الأقصر لامتلاك الأحلام. هذه السلسلة المتفاعلة من (الأحلام والسعي) هي التي ترتب حركية الإنسان الاقتصادية والاجتماعية في العالم كله. ولكن دراسات البروفيسور دانيل، أثبتت أن علاقة السعادة بارتفاع الدخل ليست إلا وهماً. ورغم أن الكثير من المأثور الإنساني الفلسفي عبر الحضارات نفى هذه العلاقة في سياقات أخلاقية، ووعظية، وروحانية، إلا أنها الآن تُنفى بشكل علمي اعتمد على دراسة أحوال شرائح عديدة في المجتمعات، وتقول الدراسة التي نشرت في العدد 312 من مجلة العلم (إن الأشخاص الذين يتمتعون بدخول أعلى راضون عن حياتهم عموماً، ولكنهم ليسوا أكثر سعادة في حياتهم اليومية من الفئة الأقل دخلاً على الإطلاق، ولا يقضون وقتاً أطول في ممارسة أنشطة مسلية)، وابتكر الباحثون مقياساً لجودة الحياة اليومية أسموه (مقياس المتعة)، وطلبوا من المشاركين أن يسجلوا يومياتهم التي تتعلق بالمتع اليومية التي يمارسونها، وكانت خلاصة هذه اليوميات التي غطت شريحة كبيرة من الموظفين أن الدخل يلعب دوراً صغيراً جداً في سبيل سعادتهم. وذكرت الدراسة أيضاً أن الأشخاص الذين يتجاوز دخلهم المئة ألف دولار سنوياً يقضون وقتاً أكثر في العمل، وقضاء الالتزامات اليومية، بينما لا يقضون أكثر من 19% من وقتهم اليومي في المتعة، بينما يرتفع هذا المعدل إلى الضعف تقريباً في حالة الأشخاص الذين لا يتجاوز دخلهم العشرين ألف دولار فقط، إذ إنهم يقضون أكثر من 34% من وقتهم في المرح! (ربما لهذا السبب صار دخلهم أقل أصلاً!)
 

إن كل مستوى من مستويات الدخل يأتي معه قائمة بالهموم المتنوعة، مقابل الوسائل المتاحة للمتعة، والفارق بين الاثنين هو هامش السعادة المتبقي والذي يتم استثماره في خلق أوقات أطول للمتعة. إن الأمر ليبدو وكأن كل إنسان يحمل في قلبه مساحة محددة مسبقاً للسعادة والتعاسة، وعندما تمتلئ فليس له أن يحجز مساحة لسعادة أكثر. هل يمكن أن نتصور هذا بدون أن نتخيل كل إنسان مزوداً بخزان وقود (سعادة) ذي سعة محدودة، مثلما تختلف سعات خزانات الوقود للسيارات مثلاً؟ هكذا يكون الإنسان مجهزاً مسبقاً بحد أعلى للسعادة التي يمكن أن يشعر بها، مقابل حد أدنى للتعاسة التي يمكنه أن يتخلص منها. وبهذا يكون السباق النفسي لبلوغ السعادة مرهوناً بأن يوفق الإنسان بظروف حياتية تجعله يبدأ بحد أدنى منها، تتصاعد تدريجياً، وببطء، حتى لا يمتلئ (الخزان) مبكراً، فيقضي بقية حياته بدون طموح إضافي، أو مفاجآت سعيدة!، (وهذه هي مشكلة المشاهير والأثرياء الأزلية، والسبب الرئيس وراء ما تطالعنا به الصحف من أخبار كآبتهم، وإحباطهم، وتقلباتهم النفسية التي تثير استغراب البسطاء). تبدو هذه طريقة فانتازية في اختزال التعقيدات الهائلة التي تصنعها الظروف والأقدار، ولكن كثيراً من الأحوال تقنعنا أحياناً بأننا لسنا إلا تلك المخلوقات المزودة بخزانات وقود نفسية للسعادة، بغض النظر عن تعقيد تقنية حقن الوقود والتزود به من الحياة الخارجية، أو التنقيب الداخلي في النفس والروح.
 

كانت أبحاث البروفيسور دانيل أول محاولة علمية جادة لتطعيم الاقتصاد بأدوات نفسية. ذلك أن الاقتصاد الحديث منذ نشوئه ظل علماً معتمداً بصفة أساسية على المنطق، وراح يبني نفسه على أساس منح خيارات مستقرة لكل فرد بحيث يسعى الفرد لزيادة هذه الخيارات بما يتيحه الاقتصاد من ميكانيكات اجتماعية ومالية. بينما علم النفس لا يقوم على المنطقيات بالضرورة، بل يعتمد على أسس أكثر عمقاً في فهم الذات الإنسانية، وطرائقها في ترتيب الخيارات والأولويات. يبدو وكأن التعاون بين العلمين كان حتمياً ولكنه تأخر كثيراً حتى جاء البروفيسور دانيل الذي تبعث أبحاثه الأمل في إعادة صياغة بعض مفاهيم الاقتصاد كي تحقق هدفها النهائي، سعادة الإنسان، بطريق أقصر، بدلاً من الدورة الاقتصادية الكلاسيكية المعتادة.
 

العامل الأساس الذي يمنع ازدياد السعادة مع ازدياد الدخل، كما هو متوقع، هو أن النفس البشرية سريعة التكيف مع الوضع الجديد، وبقدر ما أن سرعة التكيف هذه قد تكون ميزة جيدة في الظروف السيئة، فإنها تجعل استمتاعنا بالظروف الحسنة أقصر. وسرعان ما نعود إلى نفس معدل السعادة المعتاد، وإن برتم جديد، وظروف مختلفة. ربما تبدو هذه الفكرة محبطة نوعاً ما، ولكنها في حقيقة الأمر، ورغم كثرة تشكلها وحضورها في حياة البشر في قناعات مختلفة، لم تفلح في إحباطهم، وما زالوا يمارسون نفس الأسلوب البشري في السعي، ومحاولة التقدم، وزيادة الدخل. ولعل في ذلك فائدة غير مرئية، فلو اكتشف الثور فجأة أنه يدور حول محور الطاحونة إلى مالانهاية لما استمر في الدوران، ولو اقتنع الإنسان يوماً بأن نصيبه من السعادة لا يختلف كثيراً عن فكرة الطاحونة إياها، فكم قرناً سيتأخر العالم إذن؟
 

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي