|
تقول القصة غير الموثقة إن
مواطناً أمريكياً مفلساً جمع ما تبقى من مدخراته، واتجه إلى إحدى
محطات التلفزيون، وطلب حجز فترة زمنية من البث التلفزيوني لا تزيد
عن بضع ثوان يظهر خلالها هو نفسه جالساً أمام الكاميرا دون أن ينبس
ببنت شفة. واشترط الرجل أن يتم بث هذا المشهد القصير في أوقات
متفرقة ولمدة شهر. استجاب مسؤولو المحطة التلفزيونية لطلبه ما دام
مستعداً لدفع ثمن البثّ، وبدأوا في عرض المشهد وهم على يقين أن
الرجل يعاني من لوثة عقلية ما، أو أنه يرغب في تحقيق نزوة
تلفزيونية أخيرة في حياته البائسة. في المقابل، أثار عرض هذا
المشهد مراراً وتكراراً فضول المشاهدين حول هذا الرجل الذي يطالعهم
بصمت عبر شاشات التلفزيون دون أن يقول أي كلمة أو يروج لأي منتج.
تحول الفضول إلى تخمين، والتخمين إلى شائعات، والشائعات إلى هاجس
شعبي شغل الناس لمدة شهر. بعد ذلك، اتجه الرجل نفسه إلى مجموعة من
الشركات الكبرى، وعرض عليهم تكرار المشهد الإعلاني لشهر آخر على أن
يعرض منتجهم في نهاية المشهد. وفي ضوء تزايد الترقب الشعبي لانكشاف
السر وراء هذا الرجل الغامض الذي يطالعهم عبر التلفزيون منذ شهر لم
تفوّت هذه الشركات فرصة إعلانية ذهبية كهذه، وراحوا يزايدون في
عروضهم، وانتهى الأمر بأن وافق الرجل على أن يعرض منتج الشركة التي
دفعت أعلى سعر، وانتهت كل مشاكله وإفلاسه الوشيك بقبضه مبلغاً
يكفيه بقية حياته. انتهت القصة.
إذا كان الظهور لعدة ثوان يومياً، ولمدة شهر واحد فقط، كفيل بتحويل
رجل مفلس وبدون أي مؤهلات إلى رمز إعلاني تتسابق الشركات لتوقيع
عقودها معه، فما هي العوائد المتوقعة من الظهور على شاشة التلفزيون
لأكثر من ساعة يومياً، ولسنوات طويلة، في برنامج إفتاء يجيب عن
أسئلة المشاهدين؟
هذه المقارنة بين الحالتين لا تهدف إلى التقليل من شأن برامج
الإفتاء والدعوة والروحانيات ومن يقوم عليها، ولكنها تشير إلى
ظاهرة اجتماعية يطرحها هذا العصر الإعلامي بوضوح وهي: سهولة صناعة
الرمز، لاسيما الرمز الديني، في المجتمع. وبما أنها صارت (صناعة)،
فتنطبق عليها ثلاث حالات عامة تشترك فيها كل الصناعات: أولاً، أنه
يمكن أن يُحسن استخدامها أو يساء بحسب من تقع في يده أسرار هذه
الصناعة ومخرجاتها من الرموز. ثانياً، أنها مثل كل الصناعات كلما
أصبحت أسهل كلما أصبحت أكثر عرضة للتقليد والغش والاستغلال.
ثالثاً، أن العوائد التي تدرها هذه الصناعة ستجذب إليها
(المستثمرين) من وسائل الإعلام الكبرى والحكومات ومراكز التأثير
التي لن تتوانى عن الاستثمار في هذه الصناعة الثمينة لتحقق منها
الأرباح والأجندات السياسية والاجتماعية والثقافية والمادية.
ولعل المجتمعات العربية، كما يعكسها الفضاء الإعلامي، صارت مليئة
بالرموز الدينية المصنوعة والتي تتحقق فيها الحالات الثلاث لهذه
الصناعة. فمنهم الذي ينفع الناس ومنهم الذي يضر، ومنهم المقلد
والمغشوش، ومنهم كذلك المستغلّ من قبل صانعيه من الإعلاميين أو
السياسيين. وما دامت هذه الصناعة ما زالت حتى الآن غير مقيدة
بقوانين تحدّ من أضرارها على المجتمع، فمن الطبيعي أن يكون الضرر
أكثر من النفع، وأن تُبتلى المجتمعات العربية بالرموز الدينية ذات
التأثير الشعبي الكبير، والأفكار السلبية المتأخرة، والأجندات
المتحيزة والمؤدلجة. فالمجتمع هنا يلعب دور المستهلك ذي الوعي
المنخفض، ويتم تسويق تلك الرموز الدينية المصنوعة عليه ليتعلق بها
بشكل ساذج، وهو عاجزٌ عن التفريق بين المنتج الذي ينفعه والذي
يضره، ولذلك يتجه للمنتج الأكثر لمعاناً وحضوراً وإلحاحاً وتحقيقاً
لاحتياجاته الأولية. وبالتأكيد أن (صنّاع) الرموز الدينية مدركون
لأبعاد التسويق مثلما هم مدركون لأسرار الصناعة.
عدد كبيرٌ من الناس في مجتمعاتنا العربية متعلقون برموز دينية دون
أن يملكوا أسباباً موضوعية يبررون بها هذا التعلق. فالمقارنة بين
رمز ديني وآخر، على مستوى الأفكار والتوجهات، تتطلب عمقاً ودراية
لا تتوفران لكثير من الناس، ولو كان لكل الناس ذلك الفهم وتلك
الدراية التي تتيح لهم محاكمة الرموز والمقارنة بينهم ومنح كل رمز
علامة النجاح أو الرسوب، فلماذا هم بحاجة لأن يتعلقوا برمزٍ هم
أعلى وأعلم منه بما أنهم بلغوا مستويات الفهم والدراية التي تتيح
لهم محاكمة هذا الرمز وتقييمه، وبالتالي اختياره رمزاً؟ إذن، من
المسلّم به أن الناس الذين يميلون إلى رمز ما إلى حد التعلق لا
ينخرطون في سلسلة من البحث والتقصي المعمقين قبل اتخاذ هذا القرار،
وأن ثمة معايير أخرى، أكثر بساطة، تحكم عملية الاختيار هذه، وتحقق
نتيجة الولاء الأبدية. المجتمعات
مفتونة بصناعة رموزها بما يجعل الأمر أشبه بالغريزة الاجتماعية،
ولا يكاد يخلو مجتمع من رموز في جميع مجالات الحياة. فالرموز تساعد
عموم المجتمع على تحديد القياسات والمعايير والاتجاهات بما يتيح
للأفراد حياة أقل قلقاً، وطمأنينة في الحراك الأخلاقي والحضاري
والمدني. الأمر يشبه الكيفية التي تسهم بها جهود تخطيط المدن
والشوارع في جعل الحياة في المدينة أسهل وأوضح، رغم أنها قد لا
تجعلها أفضل وأرقى بالضرورة إلا بقدر ما يكون تخطيط المدينة جيداً،
كذلك لا يكون المجتمع أفضل إلا بقدر ما تكون رموزه أجدر بمسؤولية
تأثيرهم الشعبي، وتنويرهم الحضاري.
ومجتمعنا يُقيم أساسه الأخلاقي على ركنين من الدين والتقاليد،
وأيما خُلقٍ انبثق من الركنين معاً كانت له مكانةً عظيمة ورسوخاً
أعمق في الوجدان الاجتماعي، وناضل المجتمع دفاعاً عنه وتكريساً له،
وذلك ما يؤكده ويل ديورانت عندما يقول: ((الأساس الطبيعي هو
التقاليد، فإذا أضيف إليها تأمينٌ يأتي من السماء عن طريق الدين،
واتفقت تقاليد الآباء مع ما يريده الله، عندئذ تصبح التقاليد أقوى
من القانون نفسه!)). هذا يعني أن الرمز الديني هو أحرى بالظهور
والبروز وكسب الشعبية بقدر ما يتفق خطابه مع الدين والتقاليد، وإذا
اكتفى بأحدهما نال شعبية أقل، وإذا خالفهما معاً فلا حظ له ولا
نصيب.
نلاحظ جميعاً أن الرمز الديني الذي يتركز وعظه وخطبه على شؤون
مشتركة بين التقاليد والدين، مثل وضع المرأة في المجتمع، تتسارع
شعبيته ليسبق الرموز الأخرى الذين تتركز خطاباتهم على شؤون دينية
بحتة لا علاقة لها بالتقاليد مثل العدل والفقه. ولربما أنفق عالمٌ
ما حياته في تأليف مجلداتٍ ضخمة عن العقيدة والمعاملات فلا يتداول
اسمه إلا الطلاب والمتخصصون، بينما يخطب أحد طلابه خطبة سطحية في
منبرٍ ما عن تكافؤ النسب وقيادة المرأة فتطبّق شهرته الآفاق حتى
ليعتدّ الناس بكلامه أكثر من كلام معلمه، ويقدمون رأيه على رأيه.
وهذا فعلٌ غير حميد عندما يقوّم الناس علماءهم ورموزهم على قدر
ارتفاع أصواتهم، وليس على قدر اتساع معارفهم.
والرمز الديني الذي يخلقُ عدواً ما يصبّ عليه اللوم والنقائص هو
أيضاً أحرى بالشهرة من ذلك الذي يتداول الأفكار فقط. فالمجتمع
يحتاج إلى أعداء ليشعر من خلالهم باكتمال قوامه الأخلاقي، واتضاح
معالم خصوصيته الثقافية. وبالتالي فإن الرمز الديني الذي يساعد
المجتمع في تحديد هؤلاء الأعداء وتصنيفهم ينال حقه من التقدير
والاحتفاء مكافأة له على هذه الخدمة المريحة للمجتمع الحائر. أما
الرمز الديني الذي يترفّع عن مهاجمة الأشخاص والتيارات، مصداقاً
لمقولة إلينور روزفلت ((العقول الصغيرة تناقش الأشخاص، والعقول
المتوسطة تناقش الأحداث، والعقول الكبيرة تناقش الأفكار)) فإن
شعبيته تظل محدودة لأن قدرة خطابه على (إراحة) الجماهير، ومنحهم
فرصة تفريغ غضبهم وكراهيتهم في شخص ما أو تيار معين محدودة أيضاً.
المجتمع لا يريد أن يكره فكرةً لأن للأفكار تداعيات وتشعبات تشتت
غضبه وتبدد شهوة الكره، إنه يريد أن يكره شخصاً لأن للأشخاص أسماء
فقط، لايرهقه حملها في ذاكرته، ومن السهل التنكيل به معنوياً
واجتماعياً.
لا تبدو مواصفات الرمز الديني صعبة ولا مستحيلة، بل إنه يبدو
نموذجاً متكرراً وشائعاً في مجتمعنا حتى لكأننا مجتمعٌ من الرموز
الدينية الجاهزة للبروز، ولا يحتاج أي منهم إلى أكثر من فرصة
يمنحها إياه ثالوث الصناعة الإعلامية (المستثمر الإعلامي، والمسؤول
السياسي، والمخرج التلفزيوني)، وبعد تربيته في الأستوديو سنوات
قليلة يتحول إلى نجم يلهب عواطف المؤمنين، ومغناطيس يجذب
استفتاءهم، ومصدر من مصادر الحقيقة المطلقة، وهنا ينتهي دوره،
بالإضافة إلى دور المستثمر والسياسي والمخرج، ليكمل الجمهور عملية
بناء الهالات حوله، هالةً بعد هالةً، مدفوعين بغريزتهم الاجتماعية
في خلق الرموز التي يتكئ عليها قوامهم الأخلاقي، ويصبح جمهور
المتفرجين على استعداد تام للدفاع عنه في كل مناسبة، والذود عن
حوضه في أي جدال، والذب عنه في كل موقف، وتبرير أخطائه وتمجيد
أقواله، حتى ينتهي أخيراً إلى رمز ديني مكتمل، بأتباعٍ ومريدين،
بعد أن تم اختياره هو نفسه قبل عدة سنوات من ضمن مجموعة من الأتباع
والمريدين.
خطورة ذلك كله تكمن في أن أصحاب القرارالإعلامي يمتلكون القدرة على
صناعة رمز ديني متى أرادوا، ومن ثم توجيهه كيفما شاءوا. وأن هذا
الرمز الديني الذي يُنتقى ليس حالة عقلية فريدة، ولا مفكراً
تنويرياً مجدداً، بل واحد من الآلاف الذين يعملون على (تقليب) نفس
المشاعر الاجتماعية ذات اليمين وذات الشمال، دون أن يغيّر فيها
شيئاً. وأن أغلب الرموز الدينية التي يعتقد الكثير من أفراد
المجتمع اليوم أنهم جبال راسخة، وقمم شاهقة، وقادة عظام، وفلتات
تاريخية، كان من الممكن ألا يشيع لهم ذكر لو أن شخصاً ما، قبل عدد
معين من السنوات، لم يمنحهم فرصة الظهور على التلفزيون، ومنحها
لغيرهم من الذين كانوا مؤهلين لبلوغ نفس الشعبية، وركوب نفس
الموجة. |