|
إذا كانت مكة المكرمة هي قلب
العالم الإسلامي، فإن خطبة الجمعة في المسجد الحرام يفترض أن تكون
رسالة الإسلام الأهم لكل شعوب الأرض، ولكي تتحقق هذه الأهمية فإن
الخطبة يجب أولاً أن تتسم بالكونيّة الواسعة التي تناسب رسالة
الإسلام، وثانياً أن تتلاءم مع المكانة الرمزية الكبيرة لهذا
المنبر. ومن وجهة نظري البسيطة فإن بعض الخطب الحالية التي تُلقى
من المسجد الحرام ليست بمستوى هذه (الرسالة الكونية) ولا تلك
(الرمزية المنبرية). وكثيرٌ منها ما يأتي إما ممعن في محليته، أو
مؤدلج في توجهه، أو أحادي في نظرته. ولربما كانت تناسب مساجد أخرى
غير المسجد الحرام الذي يفترض بخطبته أن تكون المصدر الأساس لكل من
أراد أن يسمع صوت الإسلام المعاصر، أو أن يدرس بتعمق خطاب العالم
الإسلامي إلى المعمورة.
البعد الكونيّ المأمول والحريّ بخطب المسجد الحرام أن تلامسه مع كل
خطبة لا يمكن أن يتحقق دون أن يكون الخطيب كونياً في نظرته مثلما
هو مسلم في اعتقاده، ويتذكر أن من سبقه على هذا المنبر كان المبعوث
رحمة (للعالمين)، فيتمثّل أن (العالمية) هي قدر هذا الدين ورسالة
هذا المنبر، وأنه يخاطب العالم بأسره باسم الإسلام وليس فقط
مجموعةَ المصلين المتواجدين في الحرم، وبالتالي لا يوجه خطبة
محدودة الأفكار حول شؤون وأحكام معينة وهو يخاطب أقواماً مختلفي
المشارب وعقولاً مختلفة التوجهات، بل يسعى لأن يلامس الجذور
الإنسانية المشتركة بين أمم الأرض وثقافاتها المتنوعة بما يؤكد
شراكة الإسلام الإيجابية مع الأمم والأديان الأخرى من أجل إعمار
الأرض.
ولعل من أكثر الخطب تقليلاً من (كونيّة الرسالة) تلك التي تتمحور
حول ثنائية (نحن وهم) التي تنبذها الإنسانية تدريجياً في تقدمها
الحضاري، والتي لو شاء أحد من غير المسلمين أن يترجمها فلن يلام
إذا خرج بالنتيجة التي مفادها أن رسالة المسلمين للعالم هي التفاضل
والتعالي على بقية الأديان والثقافات، فأي أثر ستتركه في نفسه مثل
هذه الرسالة؟ أما إذا كان مسلماً فلعل الأثر السلبي الناتج عن
تلبسه لهذا السلوك المتعالي سيكرس نفس الرسالة بصورة أسوأ. وكان
أحرى أن يتم تفعيل منبر الحرم المكي بإيجابية لحل إشكالات المسلمين
واحتقاناتهم الحضارية مع الآخر بدلاً من أن يكرسها ويزيدها
تعقيداً، ولا سبيل إلى هذا الدور المطلوب إلا بنقلة فلسفية لخطبة
الحرم المكي من مفهوم الصراع الثقافي الذي يمارس في سياقات حضارية
مرحلية إلى الرسالة الكونية التي يرصدها التاريخ في مسيرة الحوار
الإنساني الكبير.
ولعل أكثر تلك الخطب مناقضة (لرمزية المنبر) هي تلك التي تدخل في
متاهات مذهبية وطائفية، متأثرة بظروف راهنة أو صراعات تدور خارج
أسوار الحرم. فتنزل من مستوى خطبةٍ تليق بالمنبر الأعلى في الإسلام
إلى خطبةٍ تيّارية تثير الجدل المؤقت، وتكرس التقسيمات المذهبية،
وتمنح فرصاً للمتربصين بالاحتضان السعودي للحرمين الشريفين لتقوية
مواقفهم، وتضخيم تهمهم الموجهة إلى المملكة بالاحتكار المذهبي
للمنبرين المكي والمدني، واستغلالهما في صراعات تربأ المملكة،
سياسياً ودينياً، من الدخول فيها. وتنقل إلى الآخر غير المسلم
صورةً منقوصة لدين انشغل أتباعه بالصراعات البينية عن التواصل
العالمي. ورغم وجود تلك النخب الدينية والعلمية المنتقاة من خطباء
المسجد الحرام، إلا أنه قد يتكرر مراراً أن تأتي الخطبة برمتها
وكأنها ليست إلا ردة فعل لتصعيد إعلامي ما، أو لحدثٍ محليّ طارئ،
أو محاولة لتدعيم موقف أحد التيارات المتصارعة في الميدان
الاجتماعي. كل هذا كان يمكن قبوله لو قيل على منبر عادي، ولكن منبر
الحرم المكي أجلّ وأهم من هذا كله.
أكثر من سبعين ألف خطبة ألقيت من المنبر المكي منذ بعثة المصطفى
وحتى اليوم، فكم منها نفع الإسلام وكما منها أضرّ به؟ كم منها كان
خطبة إسلامية مثالية، تنبع من صميم العالم الإسلامي وتتجه إلى كل
شعوب العالم، وكم منها في المقابل، على مدى أربعة عشر قرناً، كان
الغرض منه تأجيج الصراعات، وتأليب الناس، وتغذية السياسة، وتحقيق
المصالح، وتغليب الشأن المحليّ على الشأن الكونيّ للرسالة
الإسلامية؟ كم خطيباً وُفِّق في الفصل بين توجهاته التيارية،
وهمومه الاجتماعية، ورؤاه الشخصية، وبين ما ينتظر العالم سماعه منه
باعتباره صوت الإسلام الذي قد تتشكل بناءً عليه الملايين من وجهات
النظر حول هذا الدين؟
اليوم وقد صارت الخطبة تبلغ أرجاء الأرض بفعل ثورة الاتصالات، بل
ويمكن تسجيلها وحفظها للتاريخ لتسمعها أجيال قادمة، أصبح من
الضروري ابتكار آليات جديدة في صياغة الخطبة وبلورة أفكارها
واختيار موضوعاتها بدلاً من الطريقة المتبعة حالياً والتي تقوم على
التناوب بين مجموعة منتقاة من الخطباء. إذا كانت خطب السياسيين
تكتبها لجان استشارية كاملة، وتقارير الحكومات تكتبها مراكز بحثية
متخصصة، ألا تستحق خطبة المسجد الحرام التي تصدر من قلب العالم
الإسلامي وتتجه إلى كل أرجاء المعمورة أن يبذل فيها هذا الجهد،
وتكرّس من أجلها اللجان والمراكز والخبراء والعلماء لتخرج الخطبة
بأفكار كونية كبرى باسم الإسلام بدلاً من السجع والوعظ والحشو
والتكرار؟
مثلما لعبت السعودية أدواراً كبيرة في خدمة الحرمين الشريفين، فإن
العناية بالتميز النوعيّ لخطب المنبر المكيّ عن غيرها من الخطب هي
جزء من خدمة الحرمين وتأدية الرسالة. والعناية بالمتلقي الذي تصله
الخطبة في النصف الآخر من العالم مثل العناية بمن يصل إلى مكة من
ضيوف الرحمن، كلاهما يبحث عن الإسلام، فمن الذي يوصله إليه بصورته
الإنسانية الأعم دون أن يدخله في تفاصيل الخلافات المذهبية،
وصراعات الشؤون المحلية، ومتاهات التنافس الثقافي؟ |