الذي اتَّبع هواه.. فتشدد!

 جريدة الوطن السعودية

 

شاع في الذهنية الاجتماعية أن (التشدد) هو الفعل النقيض لـ(اتباع الهوى)، ولكن الكثير من القراءات النفسية والسوسيولوجية تنفي هذا التناقض. القراءة النفسية للشخصيات المتشددة تفسر التشدد بأنه سلوك يبعث على الراحة والسكون لدى الشخصية المتشددة سواء التي نبع تشددها من قناعاتٍ مرسّخة ثقافياً أو صراعات متجددة مع المجتمع، لأن التشدد ليس إلا التزاما بمعايير العالم الداخلي الذي اختاره المتشدد ورضيه لنفسه، وبالتالي فهو يجد فيه طمأنينة الروح وقرارها مثلما يجد الغرباء الطمأنينة والسكينة في أوطانهم مهما تخلّفت عن بقية المعمورة وشذّت عنها. فالمتشدد إذن، نظرياً، هو متبع لهواه ولما يعود عليه بالراحة النفسية والسعادة، ويمارس تشدده وفقاً لهذه المعادلة البسيطة بعيداً عن الموضوعية التي تتطلبها ممارسة سلوك كهذا. أما القراءة السوسيولوجية فتقول إن كثيراً من المجتمعات ما زالت تربط التشدد بجملة من القيم العليا كالنزاهة والقوة والحكمة، وتضع المتشدد في منزلة من منازل السمو والترفع عن السفاسف بدون مناقشة وجوه تشدده ومدى عقلانيتها، وهذا العائد المعنوي المباشر والسهل الذي تمنحه مجتمعات كهذه للمتشدد يشكّل حافزاً كافياً له، يعوّضه عما حرّمه على نفسه، ويمنحه وقوداً كافياً للنضال والمضي قدماً في تشدده. لاسيما وأن الموقف المتشدد ليس صعباً، ولا يكلفه أكثر من اجتراح مواقف سلبية في مكان عام، أو شتائم مركبة في منبر وعظي. هذا يعني أن المتشدد، في مجمل أحواله، هو متبعٌ لهواه النفسي والاجتماعي.
وإذا أخذنا التشدد الديني مثالاً لاحظنا أن له أثراً في جماهيرية رجل الدين، عالماً كان أم واعظاً. فبعض رجال الدين الذين تراجعوا عن تشددهم استقبلهم الجمهور بالنفور والانصراف واتهموهم بالتخاذل و(اتباع الهوى) لأنهم لم (يتبعوا هوى) الجمهور الذي يطربه التشدد وتجذبه الصورة الطوباوية لرجل الدين القويّ الشديد مهما ابتعدت عن الواقع، ذلك لأن الجمهور يجترّ تراثاً ثورياً لم يعد له موقع من الإعراب الاجتماعي الحديث، ويتلذذ بإمكانية رؤيته على الواقع. صورة رجل الدين الذي (لا يخشى في الله لومة لائم) تمّ تعميمها وتوظيفها اجتماعياً حتى تحوّلت من نتيجة لاحقة يصل إليها رجل الدين بعد فهم عميق لدوره الاجتماعي والديني إلى سلوك ابتدائي يرجى منه اكتساب اللقب وتحقيق الحالة بأسرع وقت.
شخصيات بسيطة في التيار الإسلاموي اكتسبت شهرة واسعة بسبب مواقفها المتشددة ليس إلا، وشخصيات أخرى تحمل عمقاً فكرياً فقدت الكثير من جمهورها بسبب تخليها عن هذه المواقف المتشددة. لنأخذ على سبيل المثال ظاهرة (تكسير المسارح وتخريب الندوات الثقافية) التي راجت العام الماضي وكانت مرشحة للاستمرار لو لم يئدها الموقف الحكومي الحازم. الشخصيات البسيطة التي قادت هذه الأحداث تحولت إلى نجوم مؤقتة رغم أن أفعالهم لم تتجاوز التحريض والتكسير وافتعال المواقف التي (توهم) بأنها نابعة من فهمٍ نادرٍ لمجريات الأمور، ولا تصدر إلا من شخصية سيكون لها شأن. رغم أن أغلب هذه الشخصيات لا تملك نتاجاً فكرياً يبرر هذه الشعبية الديماغوجية التي حققتها بتكسير مسرح وتخريب ندوة.
هذه ظاهرة سوسيولوجية ليست جديدة. فأي موقف متشدد يخلق جمهوراً عشوائياً ويجني أتباعاً موالين لا يطرحون أسئلة كثيرة عما يفعلون. ذلك لأن كاريزما التشدد تخاطب الغرائز المتطرفة في الجماهير. تلك الغرائز التي، مثل كل الغرائز البشرية، تخبو مع ازدياد الوعي الحضاري والخطاب العقلاني، وتتأجج مع غيابهما وقصورهما، ويزيد من هذا التأجج حضور المهيّجات السوسيو-سيكولوجية للغريزة المتطرفة في الجماهير مثل: القمع والإحباط والتهميش وغيرها من أمراض المجتمعات المختلفة. الجمهور الذي يعاني من هذه الأمراض العمومية يتحلّق حول المتشددين لأنهم يطلقون الصرخات الاجتماعية التي يحتاجها للتنفيس عن مكبوته الاجتماعي، ويساعدونه في التخلص من تراكماتٍ ربما لا علاقة لها بما يفعله المتشددون، ولكنها تريحه وتنفّس عنه.
شخصيات أخرى في التيار الإسلاموي غلبت هواها وفارقت تشددها، وتنازلت مقابل ذلك عن جمهور المهللين والأتباع العشوائيين، وفقدت الكثير من اللمعان الزائف الذي كان يغلف مواقفها من قبل واكتفت بقنديل العقل الذي لا يراه إلا قلة. هذه الشخصيات التي تنازلت عن وهج التشدد كانوا يعرفون ما هم بصدد فقده. والحقيقة أنهم فقدوه فعلاً، إلا القليل منهم ممن استطاع أن يبتكر مشروعاً مختلفاً، فعوّض الجمهور المفقود بجمهور جديد يبحث عن أفكار دينية خلاقة. ولكن ليس كل من انتبه إلى عبثية التشدد والتزمت بقادر على أن يبتكر مشروعاً بديلاً، وإذا كانوا قد خطوا خطوات موفقة نحو الانفتاح فهذا لا يعني أن هناك قمماً بديلة للقمم التي ترجلوا عنها طوعاً واختياراً وعقلاً.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي