المعرض الدولي للتعليم العالي: صفحة جديدة في تاريخ معارضنا

 جريدة الوطن السعودية

 

أقيم (المعرض الدولي للتعليم العالي) في الرياض الأسبوع الماضي وانتهى، ولم ير أحدنا سحباً سوداء تتجمع في السماء، ولا كارثة طبيعية على أعتاب بالعاصمة، ولا شرخاً مخيفاً في بنية المجتمع، ولا ارتفاعاً مفاجئاً في معدلات الجريمة، ولم تتكسر الأخلاق على أرضه كما تتكسر الآنية الزجاجية. فكما تقام المعارض وتنتهي في 194 دولة أخرى في العالم أثبت هذا المعرض أننا قادرون أيضاً على أن نقيم معارضنا مثلهم، دون أن ننفرد وحدنا بتلك الحالة الفريدة من تنظيم المعارض التي تنحرف عن هدفها الأساسي في (عرض) المنتجات والخدمات، لتتحول إلى معارض متخصصة في (فرض) العادات والتقاليد والمثل المحلية على الآخرين.
حضر الجميع من الشرق والغرب في تظاهرة أكاديمية حضارية راقية، وأدوا واجبهم الذي جاؤوا من أجله، ونفعوا الطلاب والطالبات وانتفعوا منهم. وتحققت الأهداف التواصلية الكبرى التي أقيم من أجلها هذا المعرض العالمي، ويكفيه نجاحاً أن آلاف الطلاب والطالبات سيتابعون دراساتهم الجامعية لسنواتٍ طويلة بناءً على قراراتٍ اتخذوها أثناء أيام هذا المعرض الأربعة، وسيذكرون دائماً المكان الذي تشكّلت فيه مسارات الحياة، والزمان الذي انقدحت فيه هممهم الكبيرة، دون أن تعكّر تلك الأجواء الأكاديمية الراقية أي ترهات أيديولوجية، ودون أن يتحول المكان إلى مسرح لاستعراض قوى التيارات، وتبادل الاتهامات، واستفزاز الخصوم، وفرض الوصايات كما هو الحال في معارض الكتاب.
((لا يحجّ الحاج إلا طمعاً في المغفرة)) كما يقول المثل الشعبي، ولا يتقاطر الناس على معرض كهذا إلا بحثاً عن فرص تعليمية عليا، تتحقق بها أحلامهم، وتتحسن بها حيواتهم، وتسمو بها أفكارهم، وتتسع بها آفاقهم. هؤلاء الذين يحضرون بنوايا مثل هذه، واللواتي يأتين لأهداف من هذا النوع، لعمري، ليسوا بحاجة لمن يعلمهم كيف يلبسون ويتصرفون ويتكلمون ويمشون، وليسوا بحاجة لا إلى الزاجرين بعنف، ولا إلى الناصحين بلطف، ولا إلى سفينة نجاة إجبارية ما داموا بلغوا حداً من الوعي يتيح لهم السباحة بمهارة في هذا المعرض، ومنه إلى بلدان الابتعاث في كل قارات العالم.
وهذا ما يبدو أن القائمين على المعرض قد انتبهوا له أخيراً، وأتمنى أن تجلس (وزارة الثقافة والإعلام) في المقعد الأول لتتعلم قليلاً من (وزارة التعليم العالي) كيف تُقام المعارض الراقية التي تحقق ما أقيمت لأجله من أهداف ولا تنجرف إلى سياقات أخرى، لعلها تتجاوز أخطاءها السنوية في معارض الكتاب التي بدلاً من أن تكون تظاهرات ثقافية محترمة أصبحت مسرحاً للرقصات التيارية التي أتقنتها الفئات، ومرتعاً للضالين من هواة الاستفزاز والاستفزاز المعاكس، وتحولت معارض الكتاب برمتها إلى قربانٍ يقدم سنوياً لاسترضاء التيارات بالتناوب.
ممثلو الجامعات العالمية وممثلاتها أيضاً تمتعوا بأجواء من الحرية والاحترام لم تتفق مع مخاوفهم (أو بالأحرى مخاوفهنّ) التي كانت تساورهم قبيل المجيء إلى السعودية. لقد وجدوا أمامهم تنظيماً عالميّ المستوى، وجمهوراً جاداً يتكون من آلاف الطلاب والطالبات الذين يفتشون بكل جدية عن مكان آمنٍ للعلم يقضون فيه السنوات الألمع في نموّهم الفكريّ، شرقاً كان أو غرباً. فعرضوا عليهم بضاعتهم الأكاديمية التي تشد إليها الرحال، وأجابوا على الأسئلة، وقدموا المعلومات، ووزعوا المطويّات، وتبادلوا البطاقات، دون أن يخشوا أن ينفلت عليهم عقال التشدد والتطرف أثناء حوار جانبي حول مجالات التخصص، ولا أن يداهمهم عرّافو النوايا وقراء الصدور أثناء تبادل الإيميلات الإلكترونية لأقسام القبول.
قدّمت وزارة التعليم العالي من خلال تنظيمها لهذا المعرض الصورة المثالية لبلدٍ نصف سكانه في مقاعد التعليم، يتسابق الآلاف منهم لمعارض كهذه، تقام في ظروف وأجواء لم تكن لتختلف كثيراً عن تلك التي تقام في الحرم الجامعي لهارفارد أو أكسفورد. وبالتالي، نجح المعرض، ليس في إثراء الثقافة الأكاديمية للطالب والطالبة السعوديين فحسب، ولا في تطوير الصورة الذهنية حول المجتمع السعودي في أذهان ممثلي أفضل جامعات العالم فقط، بل في أن يثبت لنا أن ما بيننا كمجتمع وبين المجتمعات الأخرى ليس مسافة شاسعة وحاجزاً هائلاً لا تنقطع فيها الأرض ولا تبقى فيها الأظهر، بل مجرد قرارٍ حاسم لا يلقي بالاً للإرجاف الاجتماعي المؤقت، بقدر ما يلقي بثقله في الكفة التي تحقق نماء الإنسان الدائم.
هذه الإرادة الواعية التي تمكّن مجتمعنا من استئناف مسيرته الحضارية بعيداً عن الوصائيين الذين لا يخلو منهم أي مجتمع، والذين يحذرون من ويلاتٍ لم نرها، وينذرون من مصائر لم تتحقق قط، ورغم ذلك ما زالوا يملكون الخيال الذي يختلق في كل مرحلة من مراحل المجتمع صوراً سوداوية لعواقب التغيير، ويخترع سيناريو مأساويا جداً لما يمكن أن يحدث للفضيلة لولا حراسها.
لا يمكن أن ينجح معرضٌ ما دون أن يحترم المنظمون طرفي المعرض الرئيسين: العارضين والجمهور. وهذا هو الاحترام الذي بدا جلياً في المعرض الدولي للتعليم العالي، والذي طالما ظلّ منقوصاً في معارض الكتاب. فالوصاية والزجر والوعظ المجاني وبقية الممارسات المنبثقة من احتقانات تيارية هي من أمراض (معرض الكتاب) السنوية، والتي يبدو أن (المعرض الدولي للتعليم العالي) قد نجا منها بعد أن اكتسب مناعةً حضارية عالية من الرئيس الأعلى لمجلس التعليم العالي، حفظه الله.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي