|
كلما ارتفعت معدلات البطالة في دولة ما، اتجهت أصابع الاتهام إلى
العمالة الأجنبية. وهذه حالة عالمية تتكرر في دول كثيرة وليس في
السعودية فقط. الأمريكيون يعتقدون أن المكسيكيين يسرقون وظائفهم، وفي
بريطانيا توجه نفس التهمة للبولنديين، وفي فرنسا للجزائريين، وفي
إيطاليا للرومانيين، وفي ألمانيا للأتراك، وفي كندا للهنود، وفي
أستراليا للصينيين، وفي السعودية يشترك في تحمل هذه التهمة خليطٌ من
الجنسيات العاملة فيها. إنها تهمة شائعة إذن، ولكن رغم ذلك لا تزال كل
الدول المذكورة أعلاه تستقطب أفواجاً من المهاجرين والعمالة الأجنبية
كل سنة، فهل ترى الحكومات ما لا يراه الناس؟ وإذا كان هذا الأمر يحدث
في الحكومات غير الديموقراطية التي تنفرد فيها الحكومات بالقرار، فكيف
تراه يحدث أيضاً في الحكومات الديموقراطية التي يصنع الناس فيها قرارهم
بأنفسهم؟ وإذا كان الفساد الحكومي في بعض الدول يؤدي إلى تغليب مصالح
التجار والشركات الكبرى التي ترغب في العمالة الرخيصة، فكيف يظل
استقطاب العمالة الأجنبية متزايداً حتى في الدول التي سجلت أعلى معدلات
الشفافية والمصداقية الحكومية عالمياً كالسويد وغيرها؟
البطالة من أكثر الملفات الاقتصادية والسياسية سخونة على طاولة أي
سياسي في العالم، وبالتالي فإن تجاهل مسبباتها وآثارها غير وارد. فحتى
الحكومات الديكتاتورية التي لا تكترث لحال شعوبها لا ترغب أبداً في
معدلات بطالة عالية لأنها تزيد من حالة الغليان الشعبي الذي لا تحمد
عواقبه، وتشاركها في ذلك الحكومات الديموقراطية التي قد ينسف ارتفاع
معدلات البطالة حظوظها في إعادة الانتخاب أو البقاء في السلطة. نحن إذن
أمام تناقض عالميّ واضح بين ما تراه الشعوب سبباً رئيساً للبطالة، وبين
ما تقوم به الحكومات من إجراءات حيال ذلك. وفي السعودية التي تتراوح
نسبة البطالة فيها بين المتشائمين والمتفائلين من 10 إلى 20 %، يوجد
أكثر من سبعة ملايين عامل أجنبي كلهم يشغل وظيفةً ما. وبحساب بسيط،
يمكننا الجزم أنه لو تخلت السعودية عن ربع العمالة الأجنبية لانتهت
مشكلة البطالة إلى الأبد، ولكن هل هذا صحيح؟ وهل هو ممكن؟ وإذا كان
صحيحاً وممكناً، فلماذا لا يحدث؟
للإجابة على كل هذه الأسئلة ينبغي أن نبدأ بالسؤال الأهم الذي هو عنوان
المقالة: هل توجد علاقة فعلية بين البطالة والعمالة الأجنبية؟ فيليب
لقرين، الاقتصادي البريطاني الذي برز مؤخراً عبر أطروحاته في اقتصاديات
الهجرة، طرح هذا السؤال على طاولة البحث العلمي المحايد والتحليل
المبني على أسس اقتصادية، بعيداً عن المشاعر القومية التي يؤججها
السياسيون، والآثار النفسية التي يعانيها العاطلون عن العمل. وقد بنى
دراسته تلك على أحوال المهاجرين في جميع الدول التي تستقبل عمالة
أجنبية، ومن بينها السعودية، وخرج من ذلك بإجابة تبرئ العمالة الأجنبية
من تهمة التسبب في البطالة، ولكنها لا تنفي العلاقة نفياً مطلقاً.
بمعنى آخر، أن العمالة الأجنبية لا تؤدي إلى البطالة بشكل مباشر، ولكن
الأمر يعتمد على الطريقة التي تتعامل معها الدولة، اقتصاداً وتشريعاتٍ
ومجتمعاً، مع العمالة الأجنبية. ففي دول معينة، لم تكن العمالة
الأجنبية بريئة من البطالة فحسب، بل إنها أسهمت في خفض نسب البطالة،
ورفع معدلات الأجور، وانخفاض معدلات الفائدة، وانتعاش الاقتصاد الكلي!
إن اتهام العمالة الأجنبية بالتسبب في رفع معدلات البطالة يشبه أن نتهم
السكاكين بالتسبب في ازدياد جرائم القتل! لأن العمالة الأجنبية هم
نظرياً أداة اقتصادية بيد المشرّع، مثلها مثل نسب الفائدة، والإنفاق
الحكومي، والضرائب العامة، والاتفاقيات الجمركية، وغيرها.. يمكن أن
تستخدم بشكل مدروس ومتقن لإنعاش الاقتصاد، وبالتالي خفض البطالة، أو
تستخدم بشكل عشوائي وسيئ فتضر بالاقتصاد، فترتفع البطالة. إنها قضية
تشريعية يتحملها من يضع القوانين ويرسم الخطط الاقتصادية، وليس من جاء
ليبحث عن لقمة شريفة. ولكن الناس دأبوا على التنفيس عن أحزانهم
الاجتماعية التي غالباً ما تؤججها صعوبة الحصول على العمل، أو انخفاض
الدخل، باتهام العمالة الأجنبية بالتسبب في ذلك، وتصعيد ذلك الاتهام
إلى رجال الأعمال باعتبارهم المستفيد الأكبر من العمالة الأجنبية، ثم
تصعيد ذات الاتهام إلى الحكومة لتهاونها في الأخذ على أيدي رجال
الأعمال، وإيقاف تدفق العمالة الأجنبية. وعلى ضوء التشبيه السابق، فإن
ذلك يشبه اتهام السكاكين بارتفاع معدلات القتل، واتهام تجار السكاكين
باستيرادها، واتهام الحكومة لسماحها ببيع السكاكين. وبالتالي نتفق مع
لقرين عندما يقول إن العمالة الأجنبية أصبحت (كبش فداء) للاحتقان
الشعبي الذي تسببه البطالة.
علم الاجتماع يفسر هذا الإجماع الشعبي على تحميل العمالة الأجنبية وزر
البطالة على ضوء نظرية (غريزة الجماعة/القبيلة) التي تنسب كل الأوزار
للغريب/الأجنبي. وهذه النظرية لها شواهد عالمية ما زالت تتكرر في كل
مكان. فإذا كان المجتمع غنياً اتهم الأجانب بالتسلل والجريمة وسرقة
الوظائف، وإذا كان فقيراً اتهم الأجانب بالعجرفة والتعالي على القانون
ورفع الأسعار وإغراق الأسواق. وفي السعودية يمكنك أن تسمع الاتهام
الأول موجهاً إلى جالية معينة من جاليات العمالة الرخيصة، وتسمع
الاتهام الثاني موجهاً إلى الجاليات الغربية العاملة في السعودية.
* * *
الكثير ممن يلقون وزر البطالة على العمالة الأجنبية يقترحون حلولاً
مباشرة للمشكلة مثل الضغط على الشركات للتقليل من العمالة الأجنبية في
المهن العليا، والضغط على رجال الأعمال للقيام بأدوار وطنية تجاه أبناء
البلد، ومطالبة الحكومة برفع الكفاءة المهنية للمواطن ليحلّ محل العامل
الأجنبي، وغيرها من الحلول التي تطرأ فورياً على الذهن في مراحل
التفكير الأولية. ولكن هل يمكن أن يكون حل مشكلة البطالة التي تؤرق
دولاً كثيرة في العالم بهذه السهولة؟ وإذا كانت كذلك فلماذا لم تختف
البطالة في الدول الغنية، والديموقراطية، والكبرى التي سبق لكثير منها
أن طبقت مثل هذه الحلول، جزئياً أو كلياً، سابقاً أو حالياً؟
الاقتصاد ليس معادلة رياضية واحدة يمكن حلها بوضع الرقم المناسب في
الفراغ المناسب فقط، بل هو مجموعة معقدة ومتشابكة من هذه المعادلات قد
يؤدي اتزان إحداها إلى الإخلال بالأخرى. بل إنها أحياناً ليست معادلات
رياضية بحتة تكفيها الأرقام، بل يدخل في نسيجها متغيرات غير رقمية تعكس
الحالة الاجتماعية والسياسية والثقافية للبلد، مما يزيد من رقعة
الاختلاف، ويضاعف مساحة الجدل. ولاسيما أن الاقتصاد، رغم أهميته ومساسه
بحياة كل شخص، إلا أنه من أقل العلوم الاجتماعية انتشاراً في معارف
المجتمع، وتدريساً في مراحل التعليم العام. وهذا يفسر ويبرر حالات
الحنق الشعبي المعتادة لأن الناس تلجأ إلى الحدس المنطقي المبسط لتفسير
المشكلات الاقتصادية المعقدة، ثم تخرج بحلول تبدو واضحة وسهلة وفي
متناول يد الحكومات وواضعي السياسات العليا، حتى إذا لم يروا تطبيقاً
عملياً لهذه الحلول التي تبدو منطقية، عزوا ذلك لتفشي الفساد الحكومي،
وتغليب المصالح الكبرى، وازدياد العجز الإداري.
وبالتأكيد هذه الأسباب قد تؤدي وأدت إلى انهيار أو تباطؤ اقتصادات
عديدة في العالم، وبالتالي ارتفاع معدلات البطالة، ولكن المشكلة تكمن
في أن الجمهور يفترض هذه الأسباب بآلية اعتباطية، في حين أنه من غير
المنطقي أن نفترضها مباشرة لمجرد أن الاقتصاد غير منتعش إلى حد
الرفاهية، والبطالة غير متناقصة إلى حد الاختفاء. ثم ننفي هذه التهم
بمجرد انتعاش الاقتصاد، وتناقص البطالة. وياليت أن الأمور كانت بهذه
السهولة والمباشرة، ولكن الاقتصاد يظلّ ذلك الكيان الصعب والمعقد الذي
يتحكم في مصائر الأمم، ويغير أقدار المجتمعات.
عودة إلى جدلية البطالة والعمالة الأجنبية، نجد بعض الحلول المطروحة
شعبياً لمشكلة البطالة قد تكون مجدية، ولكنها صعبة التطبيق، وبعضها
يمكن تطبيقه بسهولة، ولكنه لن يجدي لأنه سيثقب الاقتصاد من جهة أخرى.
وبإمكاننا بنفس البساطة التي طرحنا بها هذه الحلول أن نتخيل تبعاتها.
فمثلاً: إجبار الشركات على التقليل القسري من عمالتها في المهن العليا
هو قيد قانوني بغض النظر عن شرعيته وضرورته، وفي ظل العولمة، صارت
الدول تتنافس على التقليل من مثل هذه القيود وليس زيادتها لضمان تدفق
رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية.
والسعودية، رغم اقتصادها المتين وجاذبيتها للاستثمار، في حاجة ماسة إلى
(إقناع) رؤوس الأموال المحلية بالاستثمار محلياً، (ومغازلة)
الاستثمارات الأجنبية للقدوم ولو جزئياً. وهذا لن يتم بزيادة القيود
وتحديد نسب العمالة، حتى لو كانت هذه الإجراءات تشفي صدور الطبقة
المتوسطة، والعاطلين عن العمل على المدى القريب، لأنها على المدى
البعيد قد تؤدي إلى انكماشات اقتصادية تزيد من معدلات البطالة، ولكن
هذه المرة بسبب قلة الوظائف المطروحة وليس بسبب منافسة العمالة
الأجنبية. والذي يتصور أن احتمالية هروب الشركات إلى دول أخرى بسبب هذا
القيد لن يسبب ضرراً للاقتصاد لأن هناك مئات الشركات التي تتمنى أن تحل
محلها وترضى بأي شروط، فعليه أن يفكر بواقعية أكبر. فجولة بسيطة في
(جبل علي) في الإمارات يمكن أن تمنحنا تصوراً مبسطاً عما يعنيه مفهوم
(تسرب الاستثمارات) إلى البيئة القانونية الأكثر ترحيباً، والأقل
قيوداً. وعندما فرضت الحكومات الأوروبية قيوداً بيئية على الشركات
تسربت إلى الصين، وعندما فرضت الحكومة الأمريكية قيوداً أمنية تسربت
شركاتها إلى الهند.
ولا شك أن جاذبية أوروبا وأمريكا للاستثمار ما زالت أعلى من السعودية
بشكل عام، ولكن ذلك لم يجنبها مشكلة تسرب رؤوس الأمول.
مثال آخر: مطالبة رجال الأعمال بلعب أدوار وطنية، وتوبيخهم على عدم
السعودة لن يعود بالنتائج المتوقعة لثلاثة أسباب: الأول، أن ذلك سيكون
نافعاً لمجموعة من الشركات الكبرى التي يقيم ملاكها وزناً لعلاقاتهم
الشخصية مع الحكومة، ولكنه لا يمكن أن يكون نافعاً مع الشركات الصغيرة
والمتوسطة التي لا يمكنها أن تغامر بهوامش ربحها القليلة من أجل الحصول
على ميدالية (وطنية) لا تسدد أقساط البنوك ولا ترضي طموحات الملاك.
والثاني، لأن نجاح هذه السياسة المفترض في إبقاء الاستثمارات (الحالية)
داخل حدود الوطن لا يعني أن الاستثمارات (المستقبلية) ستظل كذلك، ففي
نهاية المطاف يظل (رأس المال) ميالاً للبيئة ذات العوائد (المادية)
الأعلى، وليس (المعنوية) الأجمل. والثالث، لأن الحكومة، في نهاية
المطاف، مهما بلغ حجم ميزانيتها السنوية ومشاريعها الكبرى، لا تملك
حوافز كافية لكل الشركات، ولا ميداليات كافية لكل رجال الأعمال،
وبالتالي فعليها أن تصرف جهدها لتصميم وهندسة بيئة استثمارية تخلق
حوافزها وميدالياتها من ذاتها بدلاً من توزيع الميداليات وتكريم
الأشخاص.
ومثال آخر: فإن مطالبة الحكومة برفع كفاءة المواطن المهنية ليست مهمة
سهلة، فلا يمكن للحكومة أن تتحول إلى مؤسسة تدريب لكل المواطنين،
ولكنها قد تساهم في خلق بيئة مهنية تتيح للمواطن الجاد أن يتعلم
ويتدرب.
وهذا ما شهدنا جهوداً موفقة في إطاره في العهد الإصلاحي الأخير،
فالسعودية من الدول القلائل التي تمنح تعليما مجانياً من الروضة إلى
الدكتوراه، محلياً وعالمياً، ولكن لا تملك أن تزرع الإرادة في صدر
المواطن العاطل، ولا أن تحول المجتمع المعتاد على (الرعاية الاجتماعية)
في ظرف سنوات إلى مجتمع منتج يقدس العمل.
وأفضل ما يمكن للحكومة القيام به حالياً هو هندسة نظام من الحوافز
الاقتصادية للتوفيق بين الشركات والمواطنين، دون أن يكون في ذلك تنفير
للشركة من الاستثمار المحلي، أو إجبار للمواطن على تقديم تنازلات مخلة
بحقوقه الوطنية.
|