|
مصور فوتوجرافي سعودي ألقى
الأسبوع الماضي محاضرة في متحف اللوفر الباريسي حول حضارة منطقة
عسير، كما ألقى فنان تشكيلي سعودي أيضاً محاضرة عن الفن المعاصر في
السعودية في نفس المتحف العريق، وتلا المحاضرتين محاضرة أخرى
ألقتها (كاثرين ديفيد)، أمينة إدارة تقييم الفنون في المتاحف
الفرنسية، عن أعمالهما معاً. كان هذا ضمن دعوة شخصية قُدّمت
للفنانين من إدارة متحف اللوفر مباشرة، وتمت استضافتهما في باريس
من أجل ذلك.
يا له من خبر ثقافي سعيد.. لولا حيثياته!
أن يحاضر فنانان سعوديان حول فنونهما ووطنهما أمام نخب ثقافية
عالمية، في واحد من أعلى المنابر الثقافية في العالم، في مدينة
الفن والثقافة والأدب والنور والجمال، بدعوة مباشرة واهتمام كبير
من إدارة اللوفر نفسها، تعكسُ مدى ما بلغته أعمال الفنانين من
مستوى جدير بالاهتمام العالمي.. هذا، لعمري، ما يمكن بحرارة وصفه
(بالخبر السعيد) الذي يستحق الاحتفاء والاحتفال.
ولكن ألا نسمع هذا الخبر إلا من (العصفورة) بعد أن تجاهله إعلامنا
السعودي تماماً، باستثناء خبر ميكروسكوبي صغير نشرته صحيفة الوطن
السعودية عن الفعالية، (وهي تستحق الشكر على هذه الالتفاتة على كل
حال)، فإن هذه حيثية تشوه سعادتنا بالخبر نفسه، وتعيدنا إلى
الأسئلة القديمة المؤلمة حول تخاذل الإعلام السعودي الدائم عن نصرة
الحراك الثقافي السعودي حتى انتصر له آخرون. فهذه ليست المرة
الأولى التي يسجل فيها الإعلام السعودي بصحفه السبع عشرة، وقنواته
الثمان، وإذاعاته الست، ووكالة أنبائه المحدودة هذا الإخفاق
الثقافي المتعمد. لقد أقيمت الفعالية الثقافية وانتهت، واحتفى بها
الباريسيون وانصرفوا، وسطرت بوسترات اللوفر أسماء الفنانين
السعوديين في قاعاتها، بينما لا يعرف كثيرون من يكون هذان الفنانان
اللذان لا أنوي ذكر اسميهما في مقالة الرأي هذه حتى لا تبدو مثل
(فزعة) علاقات عامة، فهذا في آخر المطاف كان واجب الإعلام السعودي
الذي غضّ الطرف عن الأمر برمته.
يحق لنا إذن أن نوجه عتابنا المرير والمتجدد إلى وزارة الثقافة
والإعلام على وجهين: أولاً (كوزارة للثقافة) لم تقم بأي دور في
إيصال هذين الفنانين إلى المنبر اللوفريّ، بينما تولت هذا الدور
مشكورةً إمارة أبوظبي الرائدة ثقافياً والناشطة عالمياً، حتى إن
الأمر التبس على بعض الفرنسيين واعتقدوا أن الفنانيَن من الإمارات
قبل أن يقدم الفنانان نفسيهما أمام الجمهور على أنهما سعوديان.
وثانياً (كوزارة للإعلام) لم تسهم ولو بالقليل في الترويج لهذا
الحدث المهم قبل حدوثه حتى أدى ذلك إلى خلو الحضور تماماً من
السعوديين، ثم لم تسهم بتغطيته بعد حدوثه كما يفترض بها رغم أن
الصحف الفرنسية قامت بذلك على أكمل وجه.
ترى ماذا كان يشغل إعلامنا الثقافي، صحافة وتلفزيوناً وإذاعة، في
الأثناء التي كانت فيها نخب المثقفين العالميين تصغي إلى محاضرتي
الفنانين السعوديين في المنبر اللوفري؟ لنبحث عن إجابات..
بالنسبة للصحافة، كانت الملاحق الثقافية السعودية مستمرة في حشو
صفحاتها بأطروحات نقدية ثقيلة لأكاديميين ينشرون أبحاثهم كمقالات
قبل جمعها وتقديمها للترقية فيضربون عصفورين بحجر، وبمشاركات
القراء الركيكة التي طالما أنقذت محرري هذه الملاحق من الفراغات
الكثيرة في صفحاتهم، وبزحف الإعلانات المتزايد التي تفضّل دائماً
أن تأكل من صفحات الثقافة دوناً عن الصفحات الأخرى، وبأخبار أخرى
صغيرة حول ندوات أدبية محلية ذات مقاعد خالية، وإصدارات جديدة ذات
مبيعات مخجلة. وبالنسبة للتلفزيون، كانت قنواتنا تعرض مسلسلات
رمضان الفائت التي لم تمكنها ميزانيتها من شرائها أثناءه، وتجاهل
البرنامج الثقافي الأهم في القناة الأولى (الحصاد الثقافي) ذلك
الحصاد اللوفري المهم فلم يشر إليه إطلاقاً، ولم يسعفهم مراسل
التلفزيون السعودي في باريس بأي تغطية مصورة عن هذا الحدث الثقافي،
ولا أعتقد أن الإذاعات السعودية، بموجاتها القصيرة والطويلة،
وبجميع اللغات التي تنطق بها، وبكوادرها المتسربة تباعاً إلى مدينة
دبي الإعلامية قد خرجت عن مسارها الرتيب، أو ذكرت خبراً عن محاضرتي
اللوفر هاتين ولو على سبيل الترضية.
أما وزارة الثقافة والإعلام نفسها فيبدو أنها كانت مشغولة حتى آخر
موظف لديها بمؤتمر الأدباء السعوديين، والذي استمدّت قائمة
فعالياته بالكامل من أرشيفها، مع تغيير التواريخ بالطبع، وتمت دعوة
(نفس المحاضرين) ليلقوا محاضرات على (نفس الحضور) وفي الغالب حول
(نفس الموضوعات) ثم قاموا بعد ذلك بتكريم (نفس الأسماء) وأطلقوا في
نهاية المطاف (نفس التوصيات)، كما هو حال المؤتمرات الأدبية
السعودية منذ سنوات طويلة، مما جعل المؤتمر برمته يبدو أقرب إلى
(فيلم وثائقي) منه إلى (مؤتمر أدبي).
المشكلة أن الكوارث الثقافية تحدث تدريجياً، وببطء شديد، ولا
يلاحظها أحد، وهذا من سوء حظ الثقافة، وإلا فكل شيء بحمد الله يتم
إصلاحه بعد انكشاف عورته. فالأمانات والبلديات يتم إصلاحها بعد
كارثة ككارثة جدة، والتعليم العالي يتم إصلاحه بعد نشر التصنيفات
الجامعية العالمية، وسوق المال يتم إصلاحه بعد كارثة انهيار
الأسهم، والتعليم العام يتم إصلاحه بعد تصاعد موجات التطرف
الداخلي، وقوانين التجارة يتم إصلاحها بعد تسرب رؤوس الأموال
السعودية للدول المجاورة، ولم يبق إلا الثقافة، فمتى تتحقق لنا
كارثة ثقافية صغيرة، تلفت الانتباه، وتوجب الإصلاح المنتظر؟ |