|
في الصحيفة المحلية الخاصة
بسكان ضاحية تايغرد الصغيرة، شمال غرب الولايات المتحدة،
نُشر الإعلان الذي عنوانه:(دعوة للسكان
إلى المشاركة تطوعاً في حملة لتبني
الشوارع)، ثم جاءت بقية الإعلان كما
يلي:(على المتطوعين تشكيل عدة فرق نظافة، ويقوم
كل فريق بتنظيف أحد شوارع الضاحية،
والتقاط النفايات، والفضلات، مرة شهرياً،ولمدة
سنة كاملة، وتتولى بلدية الضاحية توفير
المكانس،وأكياس القمامة، ومعدات
السلامة،بالإضافة إلى تدريب المتطوعين
على تنظيف الشوارع!)، وبلدية المدينة إذ تنشر
هذا الإعلان لا تبدو واثقة فقط بأن هناك
من سيتطوع لتنظيف شارع لمدة سنة كاملة، في
ضاحية ممطرة ثمانية أشهر في العام، ولا
تنقصها ميزانية لعمال النظافة، وتقطنها
غالبية من الطبقة الوسطى التي تعمل عشر
ساعات يومياً، بل إنها تجاوزت تلك الثقة
المفترضة بأن ختمت إعلانها بهذه
المعلومة(علماً بأنه لم يبق إلا شارعان فقط في انتظار التبني، وهما
الشارع رقم 72، وشارع جاردي(!
هذا الإعلان لا يجب أن
يدهش
أي قارئ عابر أبداً، لا سيما إذا كان سعودياً،
فنحن في السعودية ولله الحمد، لا
تنقصنا مثل هذه الروح التطوعية أبداً،
بل نزيد عليها! فما زال فينا أبداً من يترك
عمله وأهله، ويسافر إلى مدينة بعيدة،
لينكر أمسية أدبية آثمة، وما زال فينا من
يضيّع الوقت والجهد وحبال الصوت ليحجب
وجه امرأة، ويمنع نشر كتاب. وما زال فينا من
يقضي نزهته اليومية في شارع المشاة
ناهراً ناهياً، أو ناصحاً واثقاً، بل إن فينا
أيضاً من تفيض عنده الروح التطوعية إلى
حد تحطيم مسرح كامل! وإذا تمكنا من إعادة
تقسيم هذه الجهود التطوعية بعدالة،
فسنجد حتماً الكثير ممن يرحبون بتبني شوارع
الرياض، والتكفل بتشكيل فرق تنظيف شهرية
لكل شارع فيها، ولمدة سنة كاملة، من أجل
مدينة نظيفة، ومن أجل أجر إماطة الأذى
عن الطريق. فالحسنات هي نفسها الحسنات في
النهاية، تنزل في صحيفة كل المجتهدين،
سواء زجروا امرأة، أو نظفوا شارعاً، لا
فرق!
إن هذه المقارنة لا تأتي من قبيل
السخرية، ولا من باب التهكم إطلاقاً. فكل
المجتمعات، مهما كان مكانها على سلم
الحضارة والأخلاق، لا تعدم غالباً متطوعين
يغذُّون سلامهم الروحي بالقيام بما
يرونه خيراً صرفاً من وجهة نظرهم، وبذلك يكون
التطوع صفة اجتماعية ثابتة لا يمكن أن
يباهي به مجتمعٌ ما مجتمعاً آخر، مهما اختلفت
توجهاته، وفاعليته، وحوافزه، وأثره حسب
متغيرات عديدة لا يمكن حصرها هنا. في
النهاية، هناك متطوعون، ولكن هناك
مجالات تطوعية تصنع الفرق، وترسم الصورة.
إن
تصميم المجالات التطوعية، وهندستها
اجتماعياً لتكتسب دوافعها مباشرة من المجتمع، هي
مربط الفرس، وتحتاج بالطبع إلى وعي،
وجهد، وتوسع في استخدام أدوات علم النفس
الاجتماعي. ففي مجتمع مثل السعودية،
انحشرت كل المجالات في خانات ضيقة جداً، وبقيت
مجالات أخرى خاوية تقتات على الجهد
الحكومي مدفوع الثمن، والاستجداء التوعوي
المثقوب. رغم أن نوعية الجهود التطوعية
المتوفرة في السعودية، والمدعومة بحوافز
دينية غالباً، قادرة على العمل في كل
المجالات المتاحة، من إنكار المنكر، إلى إماطة
الأذى. ولكن لننظر إلى نصيب كل من هذين
الأخيرين من الجهود التطوعية، كم هو الفرق
شاسع!الآلاف يتحركون يومياً في شكل شبه
منظم لتوجيه الناس كيف
يلبسون،ويتصرفون،ويمشون،ويتكلمون، بينما نفس
هؤلاء الآلاف المؤلفة، لا يمكن أن
ينتظموا في فرق عمل شهرية، مثل سكان
ضاحية تايغرد، ليتبنوا شارعاً،وينظفوا حارة،
ويحتسبوا أجراً صافياً من الله، دون
الحاجة إلى عراك مع المارة، وصراع مع
الإعلام!
في
الواقع:لا يبدو هذا السيناريو قابلاً للتطبيق! ولكنه على الأقل
يفتح المجال للعديد من الأسئلة حول
الدوافع الحقيقية وراء أعمال التطوع غير المنظمة
في السعودية. لأن الدافع الديني الصرف،
رغم قوته، يظل دافعاً نظرياً، لا يقوى وحده
على تحريك الآلة التطوعية الكبيرة التي
تزجر الجماهير، وتكسّر المسارح. ثمة دوافع
أخرى متنوعة، تشكل الذراع الحقيقية
للحركة التطوعية بأكملها، وتجعلها أقرب
للاستيعاب والواقعية، وهي دوافع أزلية
منعجنة في تراب الإنسان، وجبلّته النفسية
الأصلية. فلا يخفى طبعاً أن التطوع
للنهي عن المنكرات يحمل في أردانه المستترة
أحلاماً سلطوية صغيرة تغذي العروق
المعنوية الجافة التي تتوق إلى الاحترام
المكتسب،(أو المنتزع!). والظاهر أن
الحصول على قطعة شهية من السلطة ليس أمراً سهلاً
على المتطوعين الشباب خاصة، فما زال
أمامهم مشوارٌ تعليمي، وعملي، واجتماعي طويل
قبل أن يوفّقوا لحيازة مكانة اجتماعية
ما تمنحهم نصيباً من احترام الذات، وطاعة
التابعين، وسلطةً للتحكم في الآخرين.
ولكن ما الداعي لقطع هذا المشوار الزمني
الطويل،والدرجات الاجتماعية المزدحمة،من
أجل لقمة سلطة يمكن حيازتها بسهولة بمجرد
ارتداء بشت، والذهاب لمعرض الكتاب؟
الأجر هو
الأجر، والحسنات هي الحسنات، ولكن
حسنة في الآخرة، وسلطة في الدنيا، أفضل
من حسنة في الآخرة، ومكنسة في الدنيا! ولذلك
لا يمكن بسهولة تحريض مجموعة من الشباب
المتطوع على تبني شارع ما بالتنظيف، حتى لو
استعرنا إعلان التايغرديين هذا، ونشرناه
في كل الصحف المحلية، وأضفنا إليه آيات،
وأحاديث، وعظات كثيرة، فلن نظفر إلا
بقلة قليلة، يزهق معها المشروع، ويختنق في
مهده. ولكن في المقابل، من السهل إقناع
شاب ما أن يتطوع ليلعب دور "حاكم صغير
بأمره"، في ساحة معرض،أو شارع مشاة، أو
مركز تسوق، مالكاً حق التدخل التعسفي في كل
ما يحدث أمامه،موزعاً بركاته على ما
يرضى، وصيحاته على ما ينكر، والناس من حوله إما
ممتثلون لما يقول، أو متجنبون للجدل، أو
ساخطون عليه بصمت، وكلها ردود أفعال "شعبية"،
تعزز في داخله صورة "الحاكم الصغير بأمره". ورغم كل هذا العائد
النفسي
والمعنوي العاجل الذي يحصده هذا الفتى بمجرد
المشي بين الناس، إلا أنه ما زال يتوقع
أجراً إضافياً، فهو في آخر المطاف،
"متطوع"، يتعب كثيراً من أجل محو المنكر، ويستحق
أن يجزيه الله خيراً، ويجزيه الناس
إعجاباً!
هذه
الصفقة الاجتماعية مغرية جداً
إذن! ومن الصعب مقاومة إغرائها المعنوي
الكبير ما دامت أعراف المجتمع مصممة بحيث
تضمن مثل هذه العوائد المعنوية للمتطوع
إياه، ولذلك سيستمر هذا المجال التطوعي، إذا
اتفقنا على كونه تطوعاً، أكثر المجالات
انتفاخاً، وبروزاً في الواجهة، حتى إن
الزائر الغريب سيلاحظه فوراً، ويلتصق في
ذاكرته دائماً، ليصبح (الزجر السعودي)، سمة
شعبية مميزة للسعودية، مثله مثل البرود
الإنجليزي مثلاً! بينما تظل الشوارع أقل
نظافة من ضاحية تايغرد، وإماطة الأذى عن
الطريق سنّة معطلة، لم تأخذ حقها التطبيقي
بعد، لأنها للأسف، لا تأتي ضمن باقة من
الدوافع النفسية والمعنوية الشهية مثل إنكار
المنكر، ولا تدغدغ في النفوس أياً من
أحلامها الفطرية.
سأختم هذا
المقال بخبر
إضافي صغير: في الأسبوع الماضي، قام أكثر من
خمسة آلاف "متطوع" بتنظيف شواطئ ولاية
أوريجون، ورفع أكثر من 45 طناً من
النفايات عن شواطئ ولايتهم، في يوم واحد.
|