|
انتقاء أقوال الرموز التاريخية
المؤثرة والزج بها في ساحة الجدل الأيديولوجي ليست ممارسة حديثة.
إنها شائعة في مجتمعات عديدة ومتكررة في أزمان مختلفة. ومهما كانت
مكانة الرمز أو قداسة النص فإنهما لا يشفعان له عادة من التحول إلى
أدوات في هذا الصراع الأزلي بين التيارات لتحقيق الهيمنة
الاجتماعية والتأثير على القوى السياسية، والشواهد لا تحصى. ما
يبدو أنه شاع مؤخراً في السعودية هو الرجوع إلى أقوال الملك المؤسس
عبدالعزيز بن عبدالرحمن في محاولة من بعض متطرفي الإسلامويين
المنغمسين في معركة التيارات للتأثير على بعض القرارات الإصلاحية
الانفتاحية الحديثة في السعودية وتأليب المجتمع ضدها. وهو استمرار
على نفس النسق التاريخي للتيارات الأيديولوجية في استخدام أقوال
الرموز والزجّ بها في قضايا حديثة بشكل معتسف يُراد من خلاله
الإيحاء بأن وجهة النظر الأخرى مخالفة لآراء هؤلاء الرموز لو كانوا
أحياء، الفرق أنهم وصلوا إلى رمز مؤثر وكبير وذي علاقة مباشرة
بالسعودية، هو الملك عبدالعزيز، الذي جاء دوره في أن تُقحم خطبه
وكلماته هنا وهناك لأغراض تخدم المصالح التيارية المؤقتة.
والمطّلع على بيانات الإنترنت المعارضة لبعض المنجزات الحضارية
الحديثة في السعودية يكتشف هذه (الموضة) المتصاعدة، موضة انتقاء ما
يحلو للمعارضين المتشددين من خطب الملك المؤسس، ثم اقتطاعها من
سياقها، والزجّ بها في عرض القضية دون الاعتداد بسياقها الزمني
والمكاني ومرحلتها السياسية ومقاصدها العامة. ويبدو أن مدمني
الصراع الأيديولوجي في السعودية لا يملّون من فتح الجبهات الجديدة
متى ما أغلقت جبهة، ولا يدّخرون وسعاً في تحقيق النصر التياري مهما
كلف ذلك. إنها حالة اجتماعية معتادة وطبيعية لا جديد فيها، ولكن
المهم أن يُعرف أنها كذلك، وليس كما توحيه بياناتهم من اقتراب
الهاوية، ووشوك السقوط، إلى آخر المؤثرات الترهيبية التي يتم
تسليطها على الذهنية الاجتماعية حتى تسلم أمرها لفئة قليلة من
مسعري الحروب التيارية، وواضعي البيانات الإلكترونية.
الغريب في وصول قافلة (انتقاء أقوال الرموز) إلى الملك عبدالعزيز
هذه المرة أنها تغفل في مسيرتها ذات النيات المؤدلجة عدة أمور
مهمة:
أولاً، أن هذه البيانات المحقونة بأقوال معتسفة ومقتطعة ومنتقاة
للملك عبدالعزيز يتم توجيهها في نهاية الأمر إلى أصحاب القرار
وولاة الأمر الذين هم أبناؤه! وكأنهم لم يتربوا في كنفه ولا
يعرفونه كما لا يعرفه بالتأكيد مروجو البيانات الإلكترونية
والعرائض المشحونة الذين ولدوا بعد وفاته بسنوات. متجاهلين أن
أبناء الملك عبدالعزيز سمعوا منه خطبه العامة للشعب مثلما سمعوا
توجيهاته الخاصة بهم، وأقواله الموجهة لعامة الناس وتلك الموجهة
لخاصتهم، وكانوا هم المشرفين على تنفيذ قراراته جميعاً أثناء
حياته، وهم إذن أولى الناس بفهم مقاصده ومراميه. وبالتالي، فليس في
الزج بأقوال الملك عبدالعزيز في عرائض الشكوى المرفوعة إليهم،
وبيانات الإنترنت المعترضة على مشاريعهم إلا مزايدة لا معنى لها،
تزعم أنها تفهم الأب أكثر من ابنه، وتعرف المنهج التأسيسي للبلاد
أكثر من الذين شاركوا في وضعه منذ البداية.
ثانياً، أن هذه البيانات تتجاهل أن الملك عبدالعزيز ليس الملك
المؤسس فحسب، بل كان ولي الأمر في الحقبة التي عاش فيها ملكاً. هذا
يعني أن جزءا كبيراً من أقواله وخطبه كانت مصاغة وموجهة لتسيير
أمور الدولة في الظروف المرحلية والزمنية التي كانت تعيشها آنذاك.
وإذا كان الملك عبدالعزيز قد أنشأ دولة من قرية صغيرة في منتصف
الصحراء، وتركها وهي عضو في الأمم المتحدة، وتصدر النفط، وتستقبل
رؤساء العالم في أراضيها، فهذا لم يكن ليحدث لولا أن المرونة
السياسية كانت جزءاً من مهاراته القيادية. لقد أصدر الملك
عبدالعزيز أوامر وقرارات عندما كان محارباً يجوب الصحراء، وأصدر
أوامر وقرارات أخرى عندما كان يستقبل تشرشل وروزفلت في البحر
الأحمر، ولا شك أن المتأمل فيها يعرف أن القرار السديد هو ذلك
النابع من قلب ظروف المرحلة الحضارية، المتسق مع احتياجات المجتمع
المتغيرة. وهذا مما يُلغز فهمه أحياناً على الذين يقتطعون جملة من
خطبة له لا يدرون في أي عام قالها، ثم يحاولون استخدامها في جدل
اجتماعي يحدث اليوم، متجاهلين العقود الطويلة بين الزمنين، وكأن
الملك عبدالعزيز لو مُدّ في عمره لتوقف عن اتخاذ القرارات الجديدة،
مكتفياً بما سبق واتخذه في بداية ملكه فقط!
ثالثاً، أن الملك عبدالعزيز قد اتخذ في عهده قرارات تعتبر ثورية
بمقاييس تلك الحقبة، ولو أنه استجاب لما تمليه عليه ذهنية المجتمع
آنذاك لظلّ النفط مقبوراً في باطن الأرض حتى اليوم، ومُنعت
السيارات والآلات الحديثة من دخول البلد، وظلت غالبية السكان بدواً
رحلاً يرفضون الإقامة في الحواضر والهجر المنبوذة برأيهم. إن تحدي
الذهنية الاجتماعية السائدة، وإجبارها على توسيع حدود المقبول هو
ضرورة تنويرية ظلّ الملك عبدالعزيز يمارسها طيلة سنوات حكمه، وهو
ما قام به أبناؤه من الملوك من بعده. فمثلما تحدى الملك عبدالعزيز
المعارضين لدخول شركات التنقيب الأمريكية والآليات الأجنبية، تحدى
الملك سعود معارضي الوزارات والمؤسسات المدنية التي أنشئت في عهده،
وتحدى الملك فيصل معارضي تعليم المرأة والبث التلفزيوني، وتحدى
الملك خالد معارضي الدولة الحديثة من أمثال جهيمان وحملة أفكاره،
وتحدى الملك فهد معارضي التحالف الدولي في حرب الخليج، وتحدى الملك
عبدالله معارضي جامعة الملك عبدالله وتوسيع مشاركة المرأة غيرها.
لقد مرت السعودية في عهد الملك عبدالعزيز نفسه بتحولات هائلة، وشهد
بنفسه هذه التحولات وأدار البلاد تحت ظلها، وهو بذلك أعرف بما
تتطلبه إدارة شؤون الدولة المتحولة من مرونة، وبالتالي لم يكن
ليفرض على خَلَفِه قرارات جامدة وإلا لتعرضت مسيرة هذه الدولة
للشلل الحضاري منذ سنواتها الأولى. يوجد فرق كبير يتجاهله الكثير
من مروجي البيانات الإلكترونية بين الثبات على منهج التأسيس وبين
الجمود عند قرارات سياسية ومرحلية معنية. المقاصد السياسية الكبرى
التي كانت تقف وراء قرارات الملك عبدالعزيز في عهده صعبة القراءة
وعسيرة الفهم على المنفعلين بقضاياهم الأيديولوجية الصغيرة،
وصراعاتهم التيارية العابرة. وهذه المقاصد هي التي نشهد تطبيقها
حالياً في هذا العهد الإصلاحي، وإن تغيرت القرارات واختلفت
الأساليب. فما تتطلبه الدولة في الأربعينات الميلادية غيره في حقبة
ما بعد الألفين، وما كان يشكّل خطراً وتهديداً لبنية المجتمع في
الماضي لم يعد كذلك اليوم، وبالتالي ليس في تجنبه أو تفاديه أو
تأجيله أي فائدة ترجى. |