|
أنفقت (مؤسسة الإمارات) قبل
أسبوعين ما لا يقل عن مئة ألف دولار لرعاية معتكف يتفرغ فيه ثمانية
روائيين شباب من العالم العربي لمدة عشرة أيام للكتابة فقط.
معتكفات الكتابة التي تعتبر من الأنشطة الثقافية المنتشرة في الغرب
والشرق، والنادرة جداً في العالم العربي، تعتبر من أقل الأنشطة
الثقافية حظوظاً في الحصول على التمويل اللازم لأنها لا تمنح عوائد
إعلامية كافية لتبرير هذا التمويل، كما أنها لا تزال غير مقنعة عند
مقارنتها ببقية الأنشطة الخيرية التي تتطلب تبرعاً. هذان السببان
أسقطا معتكفات الكتابة من الأجندة العملية لأغلب المؤسسات الثقافية
في العالم العربي، سواء الرسمية منها أو الخاصة. حتى الجامعات التي
كثيراً ما ترعى مثل هذه الأنشطة في الغرب لم تقم نظيراتها العربية
بهذا الدور المفقود ولم تفكر في ذلك، رغم أنه يفترض بها أن تكون
حواضن العلم والفكر والأدب والثقافة.
هذا المعتكف الذي أقيم في جزيرة (صير بني ياس) الإماراتية دخل إلى
العالم العربي بوساطة بريطانية عندما تبنته جائزة البوكر كفكرة،
وموّلته مؤسسة الإمارات وحكومة أبوظبي كمشروع. وهو يحسب إلى
إنجازات (مؤسسة الإمارات) الكبيرة لخدمة الثقافة في المنطقة،
ولإمارة أبوظبي تحديداً التي بدأت تستعدّ بشكل جاد للعب دور ثقافي
كبير في العالم العربي، أنفقت عليه بضعة مليارات حتى الآن، ونتمنى
أن تبلغ به الطموح والهدف، وتحمل راية الثقافة العربية من بعد
عواصم أخرى بلغت حداً من الإنهاك السياسي لم تعد معه قادرة على حمل
أي راية!
إن انصراف الأموال غير الربحية إلى تمويل الأنشطة الثقافية الحرة
هو (بدعة) يجب تشجيعها في العالم العربي لأن أغلب الأموال التي
تمول الأنشطة الثقافية العربية حتى الآن إما شحيحة حد الفشل، أو
مؤدلجة حد السخف، أو مؤجندة من أجل تحقيق عوائد إعلامية أو سياحية
أو حتى شخصية. فلا بد للنشاط الثقافي لكي ينجح في العالم العربي أن
يكون صاخباً وجالباً للأضواء ولافتاً للأنظار، ولهذا تفوز بالتمويل
والعناية الأنشطة الثقافية التي تأتي على شكل مهرجانات موسمية أو
جوائز ثقافية. وبين هذين الصنفين ينجح قليل من الندوات الأدبية
والثقافية في الظهور بعد أن تُعتصر تكلفتها من ميزانيات مؤسسات
ثقافية يجب أن تنفقها قبل نهاية السنة. ولا أحد يرغب في إنفاق جزء
من الميزانية الثقافية لتدليل ثمانية كتّاب في معتكف كتابة لا يسمع
عنه أحد، ولا يؤتي أكله ولو بعد حين، إلا إذا نجح أحد هؤلاء الكتاب
في المستقبل ثم اعتصر ذاكرته ليمنح القائمين على المعتكف عبارة
امتنان متأخرة.
ومثلما يحتاج الأطباء إلى حضور المؤتمرات الطبية، والمهندسون إلى
حضور ورش العمل، ورجال الأعمال إلى حضور المعارض التجارية، يحتاج
الكتاب والفنانون إلى معتكفات يستجمعون فيها طاقاتهم الإبداعية،
ويتبادلون تجاربهم الفنية، ويجددون فيها حماسهم للمزيد من العمل في
تنوير المجتمع والارتقاء بوعيه وذائقته وتنشيط سعيه الحضاري.
المشكلة أن الأطباء والمهندسين ورجال الأعمال يملكون قاعدة مهنية
واسعة يمثّلون من خلالها صناعات لا تتوانى عن توفير هذه المؤتمرات
وورش العمل والمعارض لهم باستمرار مهما بلغت كلفتها لأن عوائدها
تتحقق سريعاً وفق دورة تجارية معروفة، أما الكتاب والفنانون فمن
النادر أن يتسنى لهم ذلك، لأن دورهم في المجتمعات الحيوية لا يظهر
بسرعة، ولا تتحقق عوائد عملهم وإبداعهم على مجتمعاتهم الإنسانية
إلا على المدى الطويل، وبشكل غير مباشر يصعب أحياناً إظهاره
وتوضيحه لمن يُطلبُ منه تمويل معتكفات الكتابة والفن.
من أجل هذا كان يجب أن تدخل معتكفات الفنون ضمن قائمة النشاطات
الثقافية المهمة التي يصعب تمويلها، وبالتالي يجب أن تتبناها إما
جهة حكومية لا تنتظر العوائد السريعة، أو مؤسسة غير ربحية تبحث عن
زوايا مهملة في العمل الخيري الثقافي. وفي حالة معتكف الكتابة الذي
أقيم في (صير بني ياس) فقد نال حظ التمويل من هاتين الجهتين معاً،
الأولى من ممثل حاكم أبوظبي الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان الذي
موّل بسخاء هذا المعتكف دون أن يكون ذلك ضمن أي خطة علاقات عامة،
إذ بالكاد عرف المشاركون فقط دون غيرهم عن دوره في تمويل هذا
المعتكف، ولم يظهر اسمه حتى في التغطيات الصحفية القليلة التي
واكبت النشاط، والثانية من مؤسسة الإمارات التي موّلت أيضاً جزءاً
من هذا المعتكف، وحرصت على أن تعتني بكل الظروف المحيطة به، وأن
تصغي جيداً لآراء المشاركين والمشرفين، كجزء من نيّة مبيّتة بأن
يكون معتكفها الأول هذا نموذجاً يحتذى لمعتكفات قادمة قد تتحول
مستقبلاً إلى أنشطة ثابتة في أجندة المؤسسة.
فكرة معتكفات الكتابة والفن مطروحة بتمويلها البسيط، وأهميتها
الكبيرة، وندرتها الفادحة أمام وزارة الثقافة والإعلام في
السعودية، والمؤسسات الثقافية الخيرية. |