|
في الصيف الماضي كتب الروائي
المغربي الفرنكفوني (الطاهر بن جلون) مقالة ينتقد فيها ما أسماه
(التصحر الثقافي في المملكة المغربية) وذكر فيها أن السبب الرئيس
وراء هذه الحالة ليس شحّ الموارد المالية بل غياب الإرادة
السياسية، على اعتبار أن الثقافة متّهمة دائماً بإثارة القلاقل،
وتغيير الأفكار، وتحريك الساكن، الأمر لا تحبذه السلطات في دول
كثيرة. والمتأمل في وضع المغرب العربي الآن على مستوى الحراك
الثقافي والإنتاج يجده من أنشط الدول العربية وأكثرها مدعاة للفخر
(النسبي!). ويعدُّ المثقفون والكتّاب المغاربة من أكثر نظرائهم
العرب وصولاً إلى العالمية إلى جوار المصريين واللبنانيين
والعراقيين، وكلهم أبناء وطنٍ واحد في نهاية المطاف.
ماذا تراه يكون رأي (الطاهر بن جلون) لو أن مقالته تلك تناولت
الوضع الثقافي في السعودية؟ حيث لا تنقصها الموارد المالية وهي
تحقق فوائض في الميزانية كل عام، ولا تنقصها الإرادة السياسية التي
سخّرت عشرة مليارات من أجل جامعة واحدة؟ وبالتأكيد، كما ذكر الطاهر
بن جلون في مقالته، توجد وزارة ثقافة بوزير وموظفين، ولكن هل توجد
نيّة حقيقية لإحداث حالة غليان ثقافي لدينا تشبه تلك التي تعيشها
الدول الأخرى كحالة يومية، أم أن النيّات البيروقراطية مكرّسة
لتسيير الثقافة في الاتجاه الذي لا يخلق الصداعات ولا يزعج
السلطات؟
أتساءل بحق إذا ما كان عدد روّاد جميع الأندية الأدبية في السعودية
بأسرها لمدة (سنة كاملة) يتجاوز عدد رواد مركز بوبورج الثقافي في
باريس الذي أشار إليه بن جلون في مقالته ويتجاوز رواده الآلاف في
(اليوم الواحد)؟ وقبل أن يرمي المسؤولون باللائمة على الفارق
الحضاري بين السعوديين والفرنسيين، يجب أن نتفق على أن (الفارق
الحضاري) ليس تضريساً جغرافياً يحتاج إلى قرون ليتشكل، ولا معجزة
سماوية تحتاج إلى أنبياء لتتحقق. وأن الفرنسيين لا يملكون جينات
ثقافية خاصة غير قابلة للنمو في العقل السعودي. كل ما في الأمر أن
الفرنسيين وجدوا أمامهم فرصاً ثقافية أتاحتها لهم حكوماتهم
المتعاقبة فنموا وارتقوا بوعيهم الثقافي حتى صاروا إلى ما صاروا
إليه، بينما ظلّ السعوديون ينتظرون أن يُقدم لهم أكثر من الأندية
الأدبية ذات المباني المتهالكة، والنشاطات الضئيلة، والمطبوعات
المترهلة، والرقابة الثقيلة، والميزانيات المضحكة، ولم يتهيأ لهم
أكثر من ذلك، فانصرفوا عن الثقافة عندما لم يجدوا من يستثمرهم
فيها، لتتلقفهم الفضائيات، والعصبيات، والتطرف، والآيديولوجيا،
والانسلاخ، والأحادية، وبقية الأمراض التي تجتهد الحكومة اليوم
لعلاجها بتكلفة وطنية باهظة جداً، بينما كان يمكن أن نقيم أود
الثقافة السعودية بربع هذه التكلفة.
معارض الكتاب التي تقام عندنا ليست إلا (أسواقا) لبيع الكتب،
وميادين للصراع التيّاري بين رجل هيئة وشاعر حداثي، وفرصة
للاستفزاز الرقابي المتجدد. الأمسيات الشعرية والقصصية ليست إلا (كشتة)
في مبنى النادي الأدبي بين مجموعة قليلة من المهتمين يتناقلون
الخبر فيما بينهم كما يتناقلون أخبار الولائم الاجتماعية وغيرها،
وحتى يأتي موعد الأمسية لا يأمنون اتصالاً هاتفياً يأتي ليلغي
الأمسية برمتها قبل ابتدائها بربع ساعة. فن المسرح الذي هو مفخرة
أمم أخرى مختزلٌ في أنشطة سياحية ترفيهية تحدث في الأعياد
والإجازات بإشراف من أمانات المدن (ما يثبت أنها مشروع سياحي)،
والقليل من المسرحيات التي تقام في بعض الجامعات بجهود فردية من
قبل الممثلين أنفسهم، وبالكاد يسمع أحدٌ في المدينة بأن المسرحية
ستقام في موعدها المحدد فضلاً عن التغطية الإعلامية الباهتة.
المهرجانات الثقافية تقام في سياق وطني كبير تحضر الثقافة كجزء منه
وليس أصلاً له مثل (الجنادرية)، وهي أيضاً تقام بإشراف الحرس
الوطني وليس لوزارة الثقافة أي دور رئيس فيه، ولعلنا نتأمل في سوق
عكاظ الذي يجري الإعداد له حالياً أن يأتينا بأنشطة تنافس مهرجان
أصيلة المغربي، أو قرطاج التونسي، أو بعلبك اللبناني. معارض
التصوير الفوتوغرافي شبه منعدمة إلا عندما يتبرع المصورون أنفسهم
بجدران منازلهم لعرض نتاج كاميراتهم، ولا يعرف الكثيرون أن ثمة
مصورين فوتوغرافيين سعوديين يقيمون معارض عالمية مهمة كان آخرها في
فينيسيا الإيطالية. متاحفنا تعرضُ على الجمهور مساحات من الرخام
الصقيل أكثر مما تعرض من التحف واللوحات والآثار، وتكاد تخلو هي
الأخرى من الزوار باستثناء القليل من السياح الأجانب العابرين
وطلاب المدارس المجبرين. معارضنا التشكيلية خاوية إلا من بعض
الهواة الذين يقيمون معارضهم بجهود شخصية، ولا يعلم الكثيرون أيضاً
أن فنانين تشكيليين سعوديين تُعرض لوحاتهم الآن في المعرض الوطني
البريطاني. مشاركاتنا في المحافل الثقافية الدولية مقتصرة على ذات
الأسماء التي ملّت هي نفسها من اختيارها دون تغيير كل عام بعد أن
تم التأكد عشرات المرات من سلامة توجهاتهم الوطنية، ومن عراقتهم
(الزمنية) في المشهد الثقافي السعودي، ولن نتحدث عن الحفلات
الموسيقية الراقية التي أصبحت تُمنع وكأنها رذيلة ثقافية،
والمحاضرات الثقافية التي أصبحت تُلغى وكأنها مظاهرة سياسية، وليس
آخرها عندما ضاق صدر جامعة هائلة كجامعة الإمام محمد بن سعود عن
محاضرة ثقافية من ساعتين للدكتور عبدالله الغذامي الذي يحاضر
يومياً ومنذ سنوات في جامعة شقيقة تبعد عنها أقل من عشرين كيلو
متراً! ثم يزعم المسؤولون في جامعة الإمام أنها (جامعة) و(شاملة)!
إذا كان ما يحدث في المملكة المغربية هو نوع من (التصحر الثقافي)
كما يراه الطاهر بن جلون، فماذا يمكن أن يصف به الروائي نفسه
الحالة الثقافية السعودية؟ |