|
وصلت رسائل إلكترونية عديدة
تعقيباً على المقالة الأخيرة (مع الشيحي وتصنيف الجامعات). القواسم
المشتركة بين هذه الرسائل هي أنها، أولاً، جميعها بلا استثناء وردت
من موظفي جامعة الملك سعود وطلابها فقط دوناً عن الجامعات الثلاث
والعشرين الأخرى في السعودية رغم أن المقالة تناولت الجامعات
السعودية الحكومية بشكل عام. والقاسم المشترك الثاني هو الحب
العميق الذي عبرت عنه هذه الرسائل لجامعة الملك سعود، والتفاؤل
المبهج بمستقبلها وخطاها التطويرية. وأعجبني كثيراً أن هذه الروح
الإيجابية تشكلت لديهم في نفس الوقت تقريباً، إذ وصلت أغلب الرسائل
تباعاً في حدود فترة زمنية لا تتجاوز الساعات الثلاث من ظهيرة
اليوم الذي نشرت فيه المقالة.
هذا الإعجاب (المنظّم) جداً جديرٌ بالتقدير، سواءً كان شعوراً
عفوياً عاماً وشائعاً في جامعة السبعين ألف طالب وطالبة، أو جهداً
إعلامياً محترفاً ومنسقاً حرّضت عليه مذكرة قيادية عليا تم تعميمها
بشكل آلي. سنفرح للأولى طبعاً لأن طلاب الجامعة أصبحوا راضين عن
جامعتهم بعد طول خصام، وسنفرح للثانية لأنها تشي بما يشبه
الاستراتيجيات المعدّة مسبقاً للتعاطي مع الإعلام، حتى مع ما أسماه
بعضهم (المقالات المتحاملة) كالمقالة السابقة. وهذا ديدن المؤسسات
الكبرى ذات المهنية العالية.
قرأتُ الرسائل مراراً، والمقالة أيضاً. المقالة كانت تشير إلى أن
ثمة تسارع في خطى الجامعات نحو إصلاح كل ما يحقق رقماً أعلى في
التصنيف العالمي في مقابل تباطؤ نسبي في إصلاح ما له علاقة بالطالب
مباشرة من حقوق طلابية وجودة أكاديمية وغيرها، بينما الرسائل
الإلكترونية التي وردت في المقابل كانت تؤكد على أن ثمة اهتمام
واضح بالطالب، ودللّت على ذلك ببرامج مثل (الشراكة الطلابية)
و(حاضنات التقنية) و(لجنة الحقوق الطلابية) وغيرها. هذا هو محور
الجدل المشترك الوحيد بين المقالة والرسائل، أما غير ذلك مما ورد
في الرسائل من (استحقاق الجامعة التصنيف)، و(تزايد الدعم البحثي)،
و(افتتاح مول في السكن الداخلي) وغير ذلك فلم يرد أي اعتراض عليه
في المقالة، ولا أدري لماذا طرحه الإخوة والأخوات في تعقيبهم
عليها، لاسيما وأنهم تجاهلوا كون المقالة تتحدث بشكل عام عن أربع
وعشرين جامعة حكومية في السعودية، وليس عن جامعة الملك سعود
تحديداً.
إذا كان طلاب جامعة الملك سعود وموظفوها وأعضاء هيئة التدريس
مقتنعين أن معدلات الرضا الطلابي عالية، وأن الطالب يقع في قلب
معادلة الإصلاح، فلعلهم يتفقون معي إذاً في ضرورة المسارعة بتصميم
مؤشر الرضا الطلابي. أولاً، لحفظ حقوق كل من عمل على رفع مستويات
الرضا الطلابي هذه وتكريمه، وثانياً، للتأكد من استمرارية معدلات
الرضا العالية وعدم هبوطها في السنوات القادمة مع الإدارات
المتغيّرة والميزانيات المتقلبة، وثالثاً، حتى نوفّر الورق الذي
تنفقه الصحافة في التشكيك بمعدلات الرضا الطلابي والوقت الذي ينفقه
منسوبو الجامعات في الرد عليهم وتفنيد ادعاءاتهم.
وبما أن منسوبي جامعة الملك سعود الذين وصلت رسائلهم هم الذين
أبدوا اهتماماً بالأمر، فلعلها تكون المبادِرة بهذا السبق. وليتم
تكليف قسم (الإحصاء وبحوث العمليات) في الجامعة بتصميم المؤشر وفق
معاييره العالمية الشائعة، ثم تكليف قسم (نظم المعلومات) بربط
المؤشر بالصفحة الإلكترونية الخاصة بكل طالب وطالبة في الجامعة، ثم
العمل على تحديث بياناته بشكل دوري، وربطه بوسائل الإعلام لتكون
بذلك رقيباً وشاهداً على الأداء الجامعي، وليضاف ذلك إلى سجل
إنجازات الجامعة التي تحدث عنها بإسهاب وإعجاب كل من بعث، مشكوراً،
برسالةٍ إلكترونية يدافع فيها عن جامعته.
إن وجود برامج كبيرة مثل (الشراكة الطلابية) و(لجنة الحقوق
الطلابية) وغيرها في جامعة الملك سعود يجعل من صميم عمل هذه
البرامج الهروع إلى تصميم مؤشر الرضا الطلابي حتى لا تظل آراء
الطلاب حول جامعتهم غير قابلة للقياس، ورهناً للانطباعات المنحازة،
وردود الأفعال الفردية، والسمعة المتقلبة، والتداعي الإعلامي. فلا
يوجد مبرر لاعتبار هذا المؤشر غير ضروري حتى ولو هتف الطلاب باسم
جامعتهم في الشوارع وحملوا لافتاتها في الميادين. بل إن مؤشر الرضا
الطلابي هو المقياس الذي يمكن أن يتأكد من خلاله القائمون على
برامج الشراكة الطلابية وأعضاء لجان الحقوق الطلابية من أنهم
يسيرون في الاتجاه الصحيح، وأن جهدهم الذي حاولوا توضيحه في
رسائلهم لم يضع هباءً.
من الطبيعي أن يختلف رأي الطالب الذي رعت الجامعة بحثه العلمي،
وعيّنته عضواً في لجنة الحقوق الطلابية، وموظفاً في برنامج الشراكة
الطلابية، عن رأي الطالب الذي لم تساعده قدراته الشخصية أو العلمية
على تجاوز حدود يومه الجامعي البسيط الذي يبدأه بإيقاف سيارته،
وحضور محاضراته، وتناول إفطاره، واستذكار دروسه، ومراجعة معلميه،
والعودة إلى سكنه. كلاهما له حقوقٌ متساوية: الطالب المبدع الذي
كرمه مدير الجامعة تحت أضواء الكاميرات، والطالب العادي الذي لم
يسبق له أن التقى عميد الكلية أو حتى رئيس القسم من قبل! إن برامج
الشراكة الطلابية ولجنة الحقوق الطلابية هي عوامل مساعدة تسعى
لإعادة الطالب إلى دوره الطبيعي في جامعته، ولكنها ليست مقاييس
معتمدة لمستوى الرضا الطلابي. كما أن ضمان حصول الطالب على حقوقه
كاملة ليس بالضرورة أن يحقق رضاه بقدر ما يمكن أن يزيل سخطه فقط،
وإشراك الطالب في صناعة القرار بشكل انتخابي لا يضمن أن يجبي
أوتوماتيكاً معدلات رضا مرتفعة لأن السبعين ألفاً لا يمكن أن
يستوعبهم البرنامج معاً. وبذلك يكون المؤشر ضرورياً لأنه يعكس
الصورة الكبيرة، ويُضعف من عوامل التحيز، ويقيس بدقة ما إذا كانت
جهود الجامعة لإرضاء طلابها قد تركّزت على فئة قليلة منهم لأنها
الأقدر على لفت الانتباه، وتجاوزت الفئة الأكبر التي (تحتاج) إلى
هذه الجهود أكثر من الفئة الأولى. |