مع الشيحي وتصنيف الجامعات

 جريدة الوطن السعودية

 

شكراً للأستاذ صالح الشيحي على مقالته التي نشرت يوم السبت الماضي والتي انتقد فيها سلوك الانتقاص من المنجزات الوطنية. أتفق مع الأستاذ صالح في كونه سلوكاً سلبياً يمكن إحالته إلى مجموعة من العوامل السوسيولوجية والحضارية التي تتداخل معاً لتشكل حالات من الرفض المستمر لفكرة النهضة، والمقاومة القهرية للتغيير، ولا علاقة لها بمنسوب الوطنية برأيي. ثمة ذهنية معينة تفترض السيئ فيما هو سائد، والأسوأ فيما يخرج عن السائد، وهي ذهنية شائعة في مجتمعات كثيرة.
وبما أن الأستاذ صالح ضرب مثلاً لذلك بأولئك المنتقصين من إنجازات الجامعات السعودية على مستوى التصنيفات العالمية، فلعله من المفيد أن نسلط الضوء على هذه الحالة تحديداً، ونسعى لتحليل الخطاب الناقد لها. ما الذي يجعل مواطناً سعودياً يشعر أن التصنيف العالمي الذي حصلت عليه بعض الجامعات السعودية هو شأن لا يستحق كل هذا التقدير؟ هل هو سلوكٌ جمعيّ تجاه كل منجز حضاري يتساوى فيه تصنيف الجامعات مع إصلاح القضاء، وتمكين المرأة، وتنويع الاقتصاد، وغيرها، أم إنه سلوكٌ متعلقٌ بالجامعات تحديداً حرّض عليه التكثيف الإعلامي لمنجزاتها الأخيرة؟
سبق أن ذكرت في مقالة سابقة أن التصنيف العالمي مهم لأنه أداة قياس، وخبراء الإدارة يرددون دائماً أن ((ما يتم قياسه، يلفت الانتباه)). وبالتأكيد فإن الجهود التي بذلها مسؤولو الجامعات لتحقيق أرقام عالية في التصنيف هي جهود محمودة، بل وواجبة إلى حد ما. وإبقاء التصنيفات العالمية نصب العين التنموية ضروري جداً في الحراك التنافسي العولمي، ليس كخطة عمل، بل كدليل استرشادي يطمئننا بين وقت وآخر إلاّ أننا لا نبتعد عن العالم، وما زلنا نتسابق في المضمار الصحيح.
وبما أن مسؤولي الجامعات نجحوا فعلياً في إدخال الجامعات إلى نادي التصنيف العالمي، ويبدون حريصين على الصعود إلى أرقام أعلى، فلعله من المفيد أن نطرح اقتراحاً يسهم في سد الطريق أمام منتقصي هذا الإنجاز الوطني، ولعل الأستاذ صالح الشيحي بشعبيته الكبيرة وقلمه المؤثر يعضد هذه الاقتراح. ألا وهو العمل بنفس الجدية على الوفاء بمعايير الجودة التعليمية المقدمة إلى المستفيد الأساسي من الجامعات، الطالب، مع الاستمرار في العمل على الوفاء بمعايير الجودة البحثية المرفوعة إلى مؤسسات التصنيف العالمي المختلفة. إن السبب الأساسي الذي يحرض المنتقدين الواقعيين لحمى التصنيف العالمي على النقد هو دهشتهم من تسارع خطى الجامعات في مضمار التصنيف العالمي، وتباطؤها في مضمار الإصلاح الداخلي للأنظمة الأكاديمية الداخلية، لاسيما تلك المتعلقة بحقوق الطالب، وجودة التعليم، وخدمات الجامعة وغيرها. وفيما رأينا جامعاتنا تقفز في التصنيف العالمي قفزات هائلة، ما زلنا نشهد يومياً حالات شائعة من مزاجية أعضاء هيئة التدريس، وتواضع الوسائل التعليمية، وغياب الأنشطة الثقافية، وضعف الرقابة الداخلية، وغيرها. باختصار، لم تسع الجامعات السعودية حتى الآن لأن تضع (رضا الطالب) ضمن أولوياتها بوصفه المستفيد الأساسي من الكيان الأكاديمي، لأن رضاه غير قابل للقياس، وحتى يصبح قابلاً للقياس فلن يلفت الانتباه.
إن موضع النقد ليس التصنيف العالمي بقدر ما هو السلوك المحلي في التعامل معه. فلا أحد يكره أن تتقدم جامعاتنا في أرقام التصنيفات العالمية، ولكن المشكلة عندما يتحول التصنيف العالمي من (مقياس) إلى (هدف)، وهذا ما يبدو أنه حاصلٌ اليوم. القصة كانت يجب أن تكون هكذا: الجامعات في بيئة مثالية تسعى لتقديم أفضل أداء أكاديمي يجذب إليه أفضل الطلاب وينتج عنه أفضل الأبحاث في دورة تعليمية مثالية تسهم في بناء المجتمع المعرفي، وبعد أن تفرغ من هذه العملية الأساسية يحقّ لها أن تستعين بالتصنيف العالمي لتتأكد من أنها تسير في الاتجاه الصحيح. المشكلة أن مسؤولي الجامعات لدينا، وكما يبدو لي، قلبوا المسار، وقرروا أن يبدؤوا العملية الإصلاحية من الأعلى نزولاً بدلاً من الأدنى صعوداً، وأن ينالوا التصنيف ثم يصلحوا الجامعات بدلاً من أن يصلحوا الجامعات لينالوا التصنيف، وتوقعوا أن اعتدال الانحرافات الأساسية التي أدت إلى تصنيفنا المتأخر سيكون تحصيل حاصلٍ لتحسّن التصنيف العالمي. وعندما وقعت على السعودية طامة تصنيف (الثلاثة آلاف) وحيثياته الشهيرة بذلت جامعاتها كل ما يمكن أن يُبذل من أجل إقناع القائمين على هذه المنظمات الدولية بتصنيفنا بشكل أفضل، وخاضت معركة (علاقات عامة) كبرى وتناست معركتها الأهم مع العوامل التي أدت إلى مثل هذا التصنيف من الأساس، وأولها إدارة الجامعة على أنها دائرة حكومية والطالب مجرد (مُراجع) فيها تستمر معاملته أربع سنوات! لم يكن أي من المسؤولين مستعداً لأن يواجه تصنيف الثلاثة آلاف بخطة إصلاحية طويلة قد يترك منصبه قبل أن تظهر نتائجها، وآثر أن يكرس جهوده لصناعة انتصارات تصنيفية سريعة تخدر الرأي العام، وتطمئن القيادات العليا، وتؤمن أجواء أهدأ لتصحيح المسارات. وبما أن الأستاذ صالح الشيحي أشاد بما يقوم به معالي الدكتور عبدالله العثمان في هذا الصدد، والذي أجده برأيي شخصية تكنو-أكاديمية تستحق التقدير، فلعل الدكتور عبدالله العثمان يأخذ قصب السبق في تولية معيار (رضا الطالب Satisfaction Students) مكانته المستحقة بين المعايير الأخرى، وأن يوجه إدارته بالشروع في تصميم مؤشر الرضا الطلابي النزيه والشفاف وإشهاره بشكل دوريّ في وسائل الإعلام ليسجّل له ذلك في سجل إنجازاته المميزة.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي