|
الجامعات التي تُخرج بحوثها من الأدراج وتنشرها على الإنترنت في
انتظار أن يرصدها التصنيف الإسباني، والتي تبعث وفودها شرقاً
وغرباً لاستقطاب العطّارين الأجانب لإصلاح ما أفسده الدهر، والتي
تمنح شهادات دكتوراة لموظفين حكوميين على رأس العمل دون أن تطالبهم
بالتفرغ، والتي تنفق على إعلانات الصحف الاستعراضية أكثر مما تنفقه
على المنح البحثية، والتي تتفق فيها هيئات التدريس على منح زميلهم
لقب (عالم) دون أن تسأل طلابه ماذا (تعلموا) منه، كلها تسعى نحو
هدف واحد من وراء هذه الجهود المتسارعة: تحقيق تصنيف عالمي بأسرع
وقت ممكن لتحسين ملف الجامعة عندما يوضع على طاولة القيادة العليا.
من
الواضح إذن أن رأي الطالب في جامعته ليس واحداً من معايير التصنيف
العالمي وإلا لشهدنا تحركات مكثفة في هذا الجانب. فبما أن التصنيف
العالمي هو (رقم) فبالتالي هو لا بد أن يعتمد على (أرقام): مثل عدد
الأبحاث، وعدد العلماء، وعدد الشهادات، وغيرها. وفي وسط هذه اللغة
الرقمية المحددة يصبح من الصعب أن نجد مكاناً لرأي الطالب في
جامعته، إلا إذا أخذ المسؤولون على عاتقهم مهمة تصميم مؤشر رقمي
يقيس بدقة مدى رضا طلاب كل جامعة عنها، ولا نتوقع منهم ذلك ما دام
رأي الطالب في جامعته ليس عنصراً مؤثراً في تحصيل ذلك (الرقم)
العالمي المنشود.
وفي
رأيي البسيط أن رأي الطالب في جامعته التي يقضي في حرمها أهم سنوات
حياته، ويبني على شهادتها كل آمال مستقبله، أهم من رأي الإسبان
والصينين والبريطانيين فيها، وإذا كان القائمون على التصنيفات
العالمية يفترضون أن الأرقام الجميلة التي تصلهم من الجامعات
السعودية المتسابقة تعكس بشكل ضمني رضا طلابها عنها فمن غير
المعقول أن نفترض ذلك معهم، ففي آخر المطاف لا نتوقع من هذه
المؤسسات الدولية أن تملك موارد كافية لتقصيّ الرضا الطلابي في
آلاف الجامعات في العالم، وبالتالي لا يمكنهم إدراج هذا المعيار
المفقود في تصنيفاتهم ذي الأهداف المحددة، وليس المطلقة. ولكن
لماذا تتجاهل الجامعات السعودية التي تملك الموارد تصميم ذلك
المؤشر إلا إذا كانت تخشى من تحويل التذمر الطلابي المعتاد من مجرد
شكاوى ضائعة إلى (رقم) مزعج يفسد عليهم لمعان أرقام التصنيف
العالمية؟
كلما شهدنا رقم التصنيف العالمي يصعد بينما مستوى الرضا الطلابي لا
يتغيّر تتعطّل فرحتنا كمواطنين بهذا التصنيف (العالمي)، ونتمنى لو
يسعفنا المسؤولون في الجامعة برقم (محلي) يساعدنا على فهم ما يحدث.
لماذا يقول مسؤولوا الجامعات بأننا صرنا أفضل محتجين بتصنيف عالمي
متغير، بينما يقول طلاب الجامعات أننا ما زلنا في نفس المربع
محتجين بواقع يومي معاش؟ ألا يحيلنا هذا التناقض إلى ضرورة
المبادرة بقياس رضا الطلاب عن جامعاتهم بشكل رقميّ وبنفس الطريقة
التي نقيس فيها رضا المؤسسات الدولية عنا؟ ألم يحن الوقت لأن نسأل
الطالب باللغة العربية (هل أنت راض عن جامعتك؟)، قبل أن تسأل
العالم بلغاتهم الأخرى (هل أنتم راضون عن جامعاتنا؟)
أعتقد أن هذا المعيار الجديد ربما يكون حلاً لمشكلة المبالغة في
تفسير التصنيفات العالمية، ويسهم في جعل نظرتنا للأمور أكثر
واقعية، ويقطع الطريق أمام من يحاول حصر إصلاح التعليم في تحقيق
التصنيف، والأهم من ذلك كله أن تصميم مؤشر الرضا الطلابي، ونشره في
وسائل العالم دورياً، (قد) ينجح في توجيه جزء من جهود المسؤولين
نحو محور العملية التعليمية، وأساس العمل الأكاديمي: الطالب. رغم
أنه يفترض أن تتجه (كل الجهود) من أجله!
إنّ
تأخر مسؤولي الجامعات عن وضع طلابهم في قلب معادلة الإصلاح الجامعي
يدلّ على أنهم قدّموا نيل التصنيف على إصلاح التعليم. وإذا كانت
الثانية تؤدي إلى الأولى فإن العكس ليس صحيحاً بالضرورة. وإذا نجحت
جامعاتنا في الحصول على أرقام متقدمة عالمياً دون تحسن ملموس في
مستوى رضا طلابها عنها (والذي لا يقيسه أحد!) فهذا يعني أنها نجحت
في الامتثال لمعايير التصنيف العالمي، وأخفقت في الامتثال لمبادئ
العمل الأكاديمي. فالقائمون على التصنيفات العالمية لا يدرسون في
قاعاتنا، ولا يمشون في ممراتنا، ولا يعملون في معاملنا، ولا يفتشون
اختباراتنا، ولا يناقشون تلك التفاصيل الفارقة في جودة التعليم
والبحث في أي جامعة أبداً. هذا يعني أن تصنيفهم غير مسؤول عن إخفاق
الجامعات في إقناع طلابها بما تقدمه لهم.
الأسوأ من ذلك أن يكون هذا التأخر في قياس رضا
الطلاب ناتج عن يقين بأن قناعة الطالب بما يُقدَّم له من منتج
تعليمي في قاعات الجامعة، أو دعم بحثيّ في معاملها، أو قيمة
مستقبلية لشهادتها هي قناعة شكلية، لا ترفع تصنيفاً، ولا تفرز
أرقاماً، ولا تزعج مسؤولاً، ولا تهدد كرسياً. أي أن يظلّ الحال كما
كان عليه في السنوات العجاف التي كانت فيها جامعاتنا السعودية
مطمورة تحت ركام تصنيف (الثلاثة آلاف) هي سنوات تضرر منها آلاف
الطلاب والطالبات، وانعكس سوء الأداء الأكاديمي آنذاك على فرصهم
العملية، وطموحهم المستقبلي، ناهيك عن الأثر السيء الذي خلفه غياب
الحقوق الطلابية، وتسلط هيئات التدريس، وانعدام الإرشاد الأكاديمي،
وتواضع البيئات البحثية، وتقادم المنهج العلمي. آنذاك كان الطالب
هو الطرف الغائب دائماً عن معادلة القرار الأكاديمي، والآن
وجامعاتنا تطلّ برأسها من لتخترق المياه الضحلة لتصنيف (المائتين
والثلاثمائة)، ما زال الطلاب والطالبات غائبون عن المعادلة،
باستثناء من (تستغلّ) الجامعات نبوغهم الفرديّ في الترويج لنفسها،
وإبراز دورها المتوهم في تفوقه وإنجازه.
ننتظر من نجوم التصنيف العالمي المتصاعد، وأساطين الإصلاح الجامعي
المتسارع، من مسؤولي الجامعات والتعليم العالي أن يتخذوا هذه
الخطوة الشفافة سريعاً حتى نتمكن من إعادة الطالب مرة أخرى إلى
واجهة العمل الأكاديمي بعد أن غاب طويلاً في كواليسه.
وإن لم يحدث ذلك، فلعلنا
نهيب بطلاب الجامعات أن يستبدلوا منتدياتهم الالكترونية ذات الطابع
المعنوي بمواقع تحتوي على مؤشرات رقمية واضحة لرضاهم الطلابي،
ويدعم الإعلام هذه الخطوات كما هو دوره في بقية دول العالم، لعل
ملف (الرضا الطلابي) يصل يوماً ما إلى مكاتب مدراء الجامعات.
|