هل استفدنا من الدعم الحكومي للنفط؟

 جريدة الوطن السعودية

 

تصاعدت أصواتٌ كثيرة في العالم منادية بإلغاء الدعم الحكومي للنفط في جميع الدول لما أدى إليه هذا الدعم من زيادة الاعتماد عليه، والإسراف في استهلاكه، والإضرار بالبيئة، وتعطيل مشاريع البحث عن طاقة بديلة. وبشكل عام فإن الحكومات اعتادت على دعم السلع الرئيسة لأسباب مختلفة. فالصين والهند تدعمان النفط حتى لا تتوقف عجلة النمو الصناعي المتسارعة، ودول الخليج تدعم النفط من باب الرعاية الاجتماعية للمواطن، وإيران وفنزويلا تدعمان النفط لمحاربة الفقر وخفض التذمر الشعبي، وبقية الدول تدعمه أو لا تدعمه حسب الحاجات الانتخابية والتقلبات الاقتصادية. وبهذا تختلف الأسباب التي تؤدي بحكومة كل دولة إلى اتخاذ قرار الدعم الحكومي. والجدير بالملاحظة أن الدول الغنية غير المصدرة للنفط لا تدعمه عادة وهذا متوقع لانخفاض الحاجة الشعبية، وارتفاع الوعي البيئي، وتوفر البدائل المقبولة. وكلما تغيّرت الظروف قامت حكومات كثيرة بتغيير سياساتها تجاه الدعم خفضاً أو زيادة أو بتغيير الآلية لتوجيه الفائدة نحو قطاعات معينة. وقد قامت الصين مؤخراً بخفض الدعم مما أدى لارتفاع أسعار الوقود على المستهلك الصيني وذلك بعد أن بلغت الصين مرحلة أولى من مراحل النضج الصناعي أصبحت فيه المصانع قادرة على الاعتماد على نفسها في توفير النفط بسعر أعلى دون أن تخسر، ومن المتوقع أن تتخذ الهند وإندونيسيا خطوات مشابهة. أما دول الغرب التي تقدم دعماً منخفضاً نسبياً للنفط فقد قرر عدد كبير منها التوقف عن دعمه في قمة العشرين التي أقيمت في بتيسبيرغ الأمريكية، وذلك في محاولة منها لتحقيق المستويات التي التزمت بها عالمياً تجاه خفض نسبة انبعاثات الكربون خلال السنوات القائمة.
المفهوم المبسط للدعم الحكومي للنفط هو أن تتحمل الحكومة تكلفة إضافية مقابل أن يتمتع الشعب بنفط رخيص. وفي كل دولة، بلا استثناء، هناك شعبٌ لا يكف عن المطالبة بالدعم والمجانية، وهناك حكومة تسعى لتحقيق الاستقرار باستخدام الدعم الحكومي للسلع. ولكن هذه الثنائية التي تكاملت على مدى عقود طويلة لا تبدو نافعة في ظل المتغيرات الجديدة. فقد تقلّصت المنفعة التي يجنيها المواطن من النفط الرخيص تدريجياً حتى انقلبت إلى ضرر، وأصبح المواطنون في بعض الدول هم الذين يطالبون بإلغاء الدعم الحكومي وبيع النفط بأسعاره العالمية العادلة. وحقيقة الوضع الآن، حسب دراسات عالمية أجراها معهد القانون البيئي بواشنطن، أن المستفيد الأكبر من الدعم الحكومي للنفط حسب الترتيب هم: شركات النفط الكبرى، الشركات التي تعتمد على النقل، الأغنياء الذين يملكون أكثر من سيارة، الطبقة المتوسطة التي تملك سيارة واحدة لكل أسرة، وأخيراً.. الفقراء. هذا يعني أن الحكومات تتكبد مبالغ طائلة من أجل أن تجعل الغني أغنى، بينما كان الهدف هو رفع مستوى معيشة الفقير فإذا به يأتي في آخر القائمة.
أعتقد أن السبب وراء هذه المعادلة المقلوبة واضح ومفهوم. فالقاعدة الاجتماعية/الاقتصادية تقول إنك إذا أعطيت الفقير مالاً بشكل مباشر فسيظل فقيراً. والدعم الحكومي يعني توفير فائض دخل بسيط لكل فقير سينفقه بشكل استهلاكي بنفس الطريقة التي جعلته فقيراً طوال عمره، وسيؤول هذا الفائض إلى الشركات والأغنياء الذين يبيعونه ما يستهلكه بسرعة، وبالتالي استفاد الأغنياء الذين يملكون أسهمها من الدعم الحكومي للنفط من جهتين: الأولى، انخفاض مصروفاتها التشغيلية، والثانية الاستيلاء على الفائض المالي الذي أتاحه دعم النفط للفقراء.
السعودية هي واحدة من أكثر دول العالم دعماً للنفط، ونتيجة لذلك صارت السعودية من أكبر عشر دول في العالم استهلاكاً له. وقد يبدو هذا الأمر طبيعياً بالنسبة للدولة التي تحوي أكبر احتياطي نفطي في العالم ويستحق مواطنها بشكل أوتوماتيكي نفطاً رخيصاً. السؤال هنا هو: ما الذي أدى إليه هذا النفط الرخيص في السعودية؟ إن المعادلة المقلوبة أعلاه تنطبق تماماً على السعودية. فأكبر المستفيدين من هذا الدعم الحكومي هم الشركات الكبرى التي حرمتها هذه النفقات المنخفضة من تطوير أدائها بشكل تنافسي، وأصحاب الدخول المرتفعة الذين يملكون أكثر من سيارة، وموظفون من الطبقة المتوسطة كان بإمكانهم تدبر أمر النفط الغالي كما يفعل نظراؤهم في كل دول العالم بنفس مستوى الدخل. لا أحد يمكن أن يثبت بدراسة موثقة أن ثمة فقراء ارتفعوا فوق خط الفقر بسبب الدعم الحكومي للنفط، كل ما في الأمر أن فقرهم جاء أخف وطأة بشكل طفيف لا يكاد يذكر. ولكن الضرر الأكبر الذي تتعرض له السعودية بسبب الدعم الحكومي للنفط هو الإسراف الهائل في استهلاك النفط، وهو ما يدلّ عليه الازدحام الذي تشهده شوارع المدن الكبرى، وارتفاع معدلات استهلاك الكهرباء، وغيرها. إذا كان الغرض الأساسي من الدعم الحكومي هو تحسين مستوى معيشة المواطن فقد حان الوقت لأن تطوّر الحكومة أسلوباً أفضل لتحقيق ذلك الهدف بدلاً من أسلوب دعم النفط المباشر لأنه، كما ثبت عالمياً، لم يعد ينفع المواطن. فالدولة تتكبد خسائر هائلة من جراء قيامها ببيع النفط بسعر رخيص للمستهلك الداخلي بدلاً من بيعه بسعره العادل للمستهلك الخارجي. الفارق في السعر هو مليارات الدولارات التي كان يمكن إنفاقها على مشاريع بنية تحتية كالنقل العام، أو أبحاث طاقة بديلة كالطاقة الشمسية، أو دعم القطاعات الصحية والزراعية والتعليمية، وكلها تعود بنفع أعظم للمواطن بدلاً من بيعه نفطاً رخيصاً فقط. ولتبسيط العملية نقول إن الدراسات تشير أن السعودية تنفق سنوياً ما يقارب 27 مليار دولار ليتمكن المواطن من شراء النفط بسعر يكاد يكون الأرخص في العالم، وهذا المبلغ يعادل ربع الميزانية العامة للدولة، كل هذا من أجل أن تبيع نفطاً رخيصاً تستفيد منه شركات لا تحتاج إلى ذلك، ومراهقون مترفون يطوفون شوارع المدن للتسلية. صحيح أن إلغاء الدعم الحكومي سيثقل كاهل الفقير (قليلاً!)، ولكن إعادة توجيه هذا الدعم الحكومي في مشاريع أخرى ستعوضه بما هو أنفع له. على سبيل المثال: تكلف إنشاء ميترو دبي 4 مليارات دولار. هذا يعني أن الحكومة السعودية إذا أوقفت الدعم الحكومي للنفط لسنة واحدة فقط، فإنها تستطيع إنشاء 6 شبكات ميترو بمستوى ميترو دبي في المدن الأربع الكبرى في السعودية. وخلال عشر سنوات، ستكون كل مدينة في السعودية تتمتع بميترو عالمي. 27 ملياراً تضخّ سنوياً في مشاريع البنية التحتية، أم 27 ملياراً توزّع على شكل نفط رخيص لا يظهر أثره على مستويات المعيشة. ماذا تختار سيدي المواطن؟

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي