|
يقول المؤرخ الأمريكي ويل
ديورانت (أغلب التاريخ تخمين والباقي تحيّز)، وفي مقولته تلك شهادة
المؤرخ الذي عكف على تاريخ الإنسان عقوداً طويلة فلم يُبرئ أمةً من
الأمم من هذه العلّة الإنسانية القديمة التي تنتقل من حضارة إلى
حضارة وتتكرر في التاريخ كما تتكرر مواسم الأوبئة بلا نهاية. إن
الإنسان ليختلف في تبرير ما يحدث في يومه الحاضر الذي تشهده
الحواسّ فكيف بأمسه الذي تسّرب من شاشة العرض وأصبح تحت وطأة
الذاكرة والأوراق، وإن الإنسان ليجادل في تأويل حتى ما لا يعنيه من
الشؤون، فكيف بالتاريخ الذي يعوّل عليه إقامة أوده المعنوي، وتغذية
نزعته الغريزية للتمايز الحضاري.
والعرب على المستوى الثقافي، والمسلمون على المستوى التاريخي، لم
يشذّوا عن هذه القاعدة الأزلية التي اشتكى منها مؤرخ القرن العشرين
الأهم ويل ديورانت. ولكن الحالة العربية/الإسلامية في علتها
التاريخية، رغم وقوعها في نفس التحيز المتوقع الذي تقع فيه كل
الأمم، إلا أن لعلتها هي بالتحديد مضاعفات سيئة صارت تؤثر على
سيرورتها الحضارية. فالأمر لم يعد مجرد وهم تاريخي يختلف حوله
المتسامرون والندماء، ولا تزويراً معتاداً تشتكي منه الكتب
القديمة، بل إنه تفاقمٌ سلبي لكل هذه الأشياء إلى حد الإعاقة
الحضارية الواضحة عن التعالق مع أمم العالم الأخرى.
إن التاريخ العربي الإسلامي مليء بالتحيزات الكلية والجزئية إلى
الحد الذي لم يعد واضحاً لنا معه ما إذا كان تاريخاً حقيقياً لأمة
ما أم رواية قومية أسطورية. فالرموز التاريخية في التاريخ العربي
الإسلامي لا تخطئ البتة، ولا يجب أن تخطئ وإلا انهارت بذلك منسأة
سليمان التي بقيت الأمة الإسلامية والعربية واقفة عليها قروناً
طويلة. والهزائم التاريخية لا يمكن أن تفسر خارج نظريات الخيانة
والتخاذل والتآمر وإلا انشرخت معنويات الأمة التي تظللها منذ أن
خرجت إلى العراء الحضاري. من أجل هذه المحظورات كان تاريخنا كله
تبرير، وأجدادنا كلهم رموز، ومعاركنا كلها فتوح. ولم تخرج لنا فأرة
شجاعة تأكل المنسأة، ولا مؤرخ محايد يشقُّ الورم.
إذن، تاريخ الساسة في الإسلام مقدس ولا يمكن المساس به. وتاريخ
الحروب في الإسلام أكثر تشوشاً وفوضى من الحروب نفسها. وتاريخ
المجتمع الإسلامي لم يرصده أهل عصره حتى نرصده نحن. وحتى تاريخ
العلوم والمعارف التي يفترض أن تكون محايدة بحياد العلم، ودقيقة
بدقة الأرقام والجبر والهندسة، طالتها الأيدي التي تمتد للماضي
المنكوب لتسرق منه قوتاً معنوياً للحاضر الجائع. ليس لأن الحاضر
مجدبٌ فحسب، بل لأن الأيدي مصابة بالرعونة الأيديولوجية التي
تمنعها من مصافحة الأمم الأخرى، والاقتيات مما زرعوا حتى يشتد
العود، ويقوم الأود، فتزرع مع الزارعين، وتستقيم الحياة مرة أخرى.
بعض الخطابات الأيديولوجية ليست بعيدة عن أي خطاب قبليّ سحيق يبني
أمجاده من حناجر الشعراء. والذين يصرون على تأريخ العلوم والمعارف
التي أنجزها المسلمون على أنها كانت مفصلاً مصيرياً في حضارة
اليوم، ونقطة التحول الكبرى في حياة البشرية، إنما يخففون بذلك
وطأة ألمهم الأيديولوجي الهائل الذي تسببه كراهيتهم للعدو إذا
تفوق، والخصم إذا سبق. مشكلة فعلاً أن يظل الكثيرون من متلقيّ
وضحايا أسلوب التأريخ العربي/الإسلامي على يقين عميق بأن تقنية
النانو، والجراحة المايكروسكوبية، والسفن الفضائية، وعلوم الليزر،
والخريطة الجينية لم تكن لتتحقق لولا الإسطرلاب والإمبيق! وأن
الفزاري وابن حيان وابن الهيثم والخوارزمي لو أنهم لم يولدوا، أو
انشغلوا بأي وظيفة حكومية مثلاً غير البحث والاختراع، لربما كان
أوباما الآن يستخدم الحمام الزاجل في إدارة شؤون أمريكا بدلاً من (البلاك
بيري).
صحيح أن كل اختراع تقاس أهميته في سياقه الزمني، وأن الإسطرلاب
والإمبيق والانكسار الضوئي والصفر الرياضي كانت كلها إنجازات هامة
في وقتها، ولكن تحويلها من مجرد إنجازات علمية تحدث في أي
إمبراطورية مستقرة إلى محاور فاصلة في الحضارة الإنسانية برمتها هو
مخادعة كبيرة لذوات المسلمين، وتربيت سلبيّ على الكتف الإسلامي
المحبط. وتكريس هذا الاعتقاد لا يشجع المسلم المعاصر ويلهمه بقدر
ما يخدعه وينمي في داخله حس الاتكال التاريخي والانتفاخ الوهمي.
لقد جاءت الحضارة الإسلامية بمنجزات علمية هامة ولكن الحضارات التي
سبقتها (الفرعونية، اليونانية، الصينية..) جاءت بمنجزات علمية أهم
وأكبر، والحضارات التي لحقتها (الأوروبية، والأمريكية، والروسية..)
جاءت أيضاً بمنجزات علمية أهم نسبياً من ذلك. إذن، فلقد لعبت
الحضارة الإسلامية دورها المرحلي (كحلقة وصل) حضارية إنسانية فقط
وليست كأساس وحيد للنهضة العلمية. لا أعتقد أنه من المفيد للمسلم
المعاصر أن يتفاعل مع الأمم الأخرى وهو يعتقد أن النهضة العلمية
كانت ملكاً خالصاً لأجداده قبل أن يسرقها منهم الغرب، بل من الأجدر
أن يتفهم بواقعية أن حضارة أجداده كانت جملاً نشيطاً في القافلة
الإنسانية الكبيرة، ولم تكن هي كل القافلة! |