السيارة الكهربائية: إشكالية النفايات والسعر والأمن القومي

 جريدة الوطن السعودية

 

ذكر الدكتور أنس بن فيصل الحجي أن السيارة الكهربائية تعمل على بطاريات تحتوي على مواد سامة بتركيز شديد مما يجعل من عملية التخلص منها صعباً بسبب خطورتها على الإنسان والبيئة. إذا كان هذا السبب معتداً به لرفض مشروع السيارة الكهربائية فإن البديل هو الاستمرار في استخدام السيارات العادية التي تنفث انبعاثات مضرة بالإنسان والبيئة أيضاً. الأسئلة الفاصلة هي: أيهما أشد ضرراً المواد السامة داخل البطارية، أم المواد السامة في الهواء؟ وأيهما أسهل: تنظيف ملايين البطاريات من المواد السامة أم تنظيف هواء الكرة الأرضية من انبعاثات الكربون؟ وأيهما يمكن تطبيق القوانين عليه: الشخص الذي يتخلص من بطارية سيارته الكهربائية بشكل غير آمن، أم الشخص الذي يقود سيارة تنفث ثاني أكسيد الكربون من عادمها؟
إنني أتفق مع الدكتور في أن التخلص من البطاريات الضارة هو تحد جديد من تحديات السيارة الكهربائية، ولكن من غير المتوقع أن نطرح منتجاً من شأنه أن يغيّر المفهوم البشري حول صناعة السيارات منذ اختراعها دون أن نصطدم بتحديات جديدة، تماماً مثلما أن اختراع السيارة نفسه اصطدم بتحديات مماثلة قبل مائة عام واستطاع تجاوزها. وكما يعلم الدكتور أنس بالتأكيد فإنه قبل مائة عام كان هناك سيارة كهربائية أيضاً، ولكنها اندثرت وتوقف تطويرها بعد أن اكتشف المصنِّعون أن حرق النفط يولد طاقة أقوى، وبالتأكيد لم يكن السؤال البيئي مطروحاً آنذاك. فلنتخيل لو أن تطوير السيارة الكهربائية ظلّ مستمراً مذاك، وحتى اليوم، ماذا يمكن أن يكون شكل المنتج النهائي بعد مائة سنة من التطوير المستمر؟
إن آليات التخلص من النفايات الضارة موجودة ومفعّلة حالياً في كل مكان في العالم للتخلص من النفايات الطبية والنووية والكيميائية وغيرها. هذا يعني أن العالم لا يحتاج إلى ابتكار آلية جديدة للتخلص من بطاريات السيارات بقدر ما يحتاج إلى (توسيع) الآليات الحالية لتستوعب الكم الجديد من نفايات البطاريات. وبالتأكيد أن انتشار السيارة الكهربائية بين الناس سيكون تدريجياً مما يتيح للدول التدرج في زيادة السعة الاستيعابية لآليات التخلص من النفايات دون أن يضعها أمام ضغوط مفاجئة. هذا بالإضافة إلى أن أبحاث إعادة التدوير تعتبر من أسرع حقول الأبحاث نمواً مما يبشر بيوم لا تصبح فيه هذه البطاريات تكلفة إضافية، بل ربحاً بيّناً.
وطرح الدكتور أنس أيضاً حججاً اقتصادية يدحض بها (الاخضرار) المزعوم للسيارة الكهربائية. فمن وجهة نظره كما فهمتها من مقالته أن الفرق بين سعر السيارة الكهربائية المتوقع والسيارة العادية (وهو حوالي 17 ألف دولار) هو أكثر من الضرر البيئي الذي تتسبب به السيارة العادية. و(تسعير) الضرر البيئي هو أحد الأساليب التي اقترحها الاقتصاديون من باب المشاركة في إيجاد حلول بيئية لمشاكل التلوث. وهي نظرية شاعت مؤخراً، وتهدف إلى السيطرة على انبعاثات الكربون عن طريق خلق حوافز لمصدري الانبعاثات لكي يقللوا منها وتمكنهم من (بيع) هذا التناقص في الانبعاثات لطرف آخر، فيكون تقليل الانبعاثات مصدراً للدخل. والمشكلة الرئيسة التي تواجه هذه النظرية هي أنها معتمدة في نجاحها على أمرين أساسين: الأول، جدية الحكومات مجتمعة في وضع حدٍ أعلى مناسب للانبعاثات تضطر معه الجهات التي تصدرها إلى شراء (حق التلويث!)، والثاني: السعر الذي تحدده قوى العرض والطلب في البورصات العالمية للطن الواحد من انبعاثات الكربون. وما زالت حكومات العالم مختلفة الكلمة، ومترددة في حسم هذين الأمرين تحسباً للتبعات الاقتصادية المتوقعة لمثل هذه النقلة الكبيرة في سياسات الصناعة في العالم بأسره.
من الممكن أن يكون كلام الدكتور أنس صحيحاً بأن الآلاف السبعة عشر هي سعر مرتفع جداً مقابل التلويث الذي ستحدثه سيارة عادية كما ذكر في مقالته، ولكن الدكتور يعلم أنه سعرٌ متغيّر لأن سعر حق تلويث الجو بطن واحد من انبعاثات الكربون يشبه سعر برميل النفط، ينخفض ويرتفع تبعاً للطلب العالمي. وبالتالي، في حالة أن الحكومات اجتمعت وأقرّت تطبيق النظام بشكل جماعي لا يسمح بتسرّب المصانع من دول ملتزمة إلى دول غير ملتزمة فإن هذا الفارق الكبير في السعر بين السيارتين سيتقلص تدريجياً حتى تصبح كلفة قيادة سيارة عادية أعلى من كلفة قيادة السيارة الكهربائية. وعلى ذلك، فإن حجة الفرق السعري تبطل لأنها تستند على عنصرين متغيّرين وهما سعر (حق التلويث) وسعر برميل النفط.
هذا إذا اتفقنا مع الدكتور أنس على الاحتكام إلى قوانين اقتصادية بحتة في مناظرتنا حول حجته، ولو أضفنا إلى ذلك القوانين الأخرى لزادت الحجة بطلاناً. فحتى لو كان الفرق السعري مفرطاً فإن الهدف النهائي يستحق التكلفة ولو تحملتها الحكومات. ومن واجب الحكومات عادة تحمل التكلفة التي لا يريد أن يتحملها أحد للصالح العام، ولا تنتظر منها عائداً اقتصادياً، وتكتفي بعائدها الاجتماعي والسياسي أو حتى عائدها الاقتصادي بعيد المدى. وفي المثال الذي ذكره الدكتور أنس أن هذه التكلفة الحكومية المتكبدة تأتي من أموال مقترضة من الصين التي تشتهر بتلويث البيئة. وبرأيي أن هذه حالة غير ثابتة. فالضغوط التي يمارسها العالم على الصين اليوم للكف عن التلويث والالتزام بالمعاهدات البيئية أصبحت متزايدة. وقد بدأت الصين في تطبيق بعض هذه المعايير فعلياً، ليس استجابة للضغوط العالمية فحسب، بل تجنباً للكوارث الصحية والبيئية التي بدأت تحيق بشعبها الملياريّ بسبب حياتهم داخل (ورشة) عمل غير مستوفية للشروط البيئية. ومماطلات الصين في هذا الجانب هي مماطلات مؤقتة حتى يتسنى لها ترتيب بيتها البيئي بأقل قدر من الخسائر التنافسية، ويبدو أنها تقوم بذلك بتسارع جيد تتناقص معه قوة هذه الحجة التي استخدمها الدكتور تدريجياً.
وقد طرح الدكتور أنس أيضاً قضية (الأمن القومي) باعتبار أن المعادن المستخدمة في صناعة السيارة الكهربائية تتركز في بلدان معينة مما قد يمنحها قوة سيطرة عالمية لا تحبذها الدول الكبرى. وأعتقد شخصياً أن الأمر ليس بهذه الخطورة لسببين: الأول، أن البديل لذلك هو البقاء على قيد (النفط) الذي يتركز هو الآخر في بلدان معينة. والثاني، لأن اعتماد السيارة الكهربائية على معادن معينة هو اعتماد مؤقت لأن التطوير والتحديث مستمران. والبطارية التي تحتاج إلى البلاتينيوم والبولديوم اليوم كما ذكر الدكتور قد لا تحتاج مستقبلاً إلى أكثر من الماء والهواء في تشغيل محركها.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي