|
كم هو القرآن
جميلٌ.. لو ظلّ قرآناً!
المشكلة أن الكثير
يريد أن يجعل منه أشياء أخرى غير قرآنية. منهم من يريده أن يكون
حاجزاً حدودياً يفرز البشر إلى درجات اعتقادية في الحياة تشبه
درجات المواطنة البغيضة في المجتمعات، ومنهم من يريده أن يكون رخصة
قتل مقدسة، تتيح له اختصار عدد البشر الذين لا يتفقون مع رأيه،
وكنسهم من الأرض حتى يسقطوا من حافة الكوكب. ومنهم من يريده أن
يكون قبعة ساحر، يخرج منها كل يومٍ إعجازاً علمياً، يؤوله حسب
مزاجه المقولب، ويتحدى بها الأبحاث والجامعات. ومنهم من يريده أن
يكون كاتب ضبط، يحكم بين الناس بآلية مؤرشفة ومقننة سلفاً، تختفي
فيها معالم روحانيته اللانهائية. ومنهم من يريده أن يكون قنينة
أعشاب، تداوي النفوس والأجساد المتعلقة به تعلقاً يائساً، وقاصراً،
يقعد بهم عن الأخذ بأسباب العلاج والوقاية. ومنهم من يريده أن يكون
درعاً صوتياً، يستخدمه للمداحضة، والمحاججة، والمناظرة، والعراك
الفكري مثلما تُستخدم مكبرات الصوت الرديئة التي يسمع صوتها
الجميع، ما عدا المتكلمُ نفسه!
هذا القرآن هدية
إلهية كبرى للأرض، ولكن الكثير من أطفال البشر أساؤوا استخدامه،
وعطلوا حالاته الفكرية المتمددة بطبيعتها وهم يصرون على أن يحشروه
جميعاً في عقول جيل واحد، مثلما نحشر شجرةً تنمو باستمرار في حوضٍ
حجري ضيق، فلا الجذور استطاعت أن تمارس مهمتها الفطرية في التمدد
بمرونة، ولا العقول ارتاحت من صداع الجذور التي تحك قشرة العقل
يومياً. والنتيجة كانت أُمَّةً كاملة مصابة بالصداع الأبدي، لا
تستطيع أن تتكلم مع بقية الأمم بهدوء وعقلانية، ولا تستطيع إعادة
نقل الشجرة إلى حوض أوسع، احتراماً للأحواض القديمة!
القرآن ضوء صرف،
يملك جميع الخواص المعنوية والفيزيائية للضوء. فهو قادرٌ إلى إنارة
المكان، وقادرٌ على إعشاء الرائي أيضاً. وهو قادرٌ على الاجتماع في
شعاع واحد يخترق درعاً من الفولاذ، وقادرٌ على التشتت في زوايا لا
نهائية تضلل الجهد والجماعة. وبإمكانك أن تستقطب الضوء في عدسة
فتحرق الأرض، وبإمكانك أن تجمعه في قنديل فتضيء به للكتابة الطيبة،
والفكر المتشعب النبيل، والفلسفة الحيوية الراقية. فمن أين يمكن
اكتساب الطريقة المثلى للتعامل مع الضوء الصرف بما ينفع ولا يضر؟
في عالم التقنية
والكمبيوتر، انتشر ما يسمى بالمصادر المفتوحة، وهي أنظمة تشغيل
أساسية يمكنها تشغيل أي نظام برمجي مهما بلغ اختلافه، كأنها فكرة
مستوحاة من القرآن الكريم، هو الذي جاء مصدراً مفتوحاً قابلاً
للنفع مهما اختلف النظام، والمجتمع، والناس، والأفكار، والملل،
والطوائف، والمعتقدات. فالضوء الذي ينير لقارئ لغة ما، نفسه يمكن
أن ينير لقارئ لغة أخرى. يستطيع القرآن أن يتكلم بكل اللغات،
ويتفاهم مع كل الأفكار، ويتواصل مع كل الفلسفات البشرية الممكنة.
المشكلة تكمن في الذين يقاتلون كي يبقى القرآن نظاماً مغلقاً،
بدعوى قدسيته، فيمتنعون عن دمج فلسفة القرآن، بفلسفة البشر،
فانحرموا وحرموا التابعين من فرصة أن تتلاقح الرؤى السماوية
والبشرية، وتولد من جراء تلاقحهما المبارك أجيالٌ من الحقائق
الجميلة. ألم يكن ذلك من جدوى القرآن وأسباب نزوله؟ أن يساعد البشر
على اكتشاف الحياة، وليس أن يكتشفها بدلاً عنهم، لأن القرآن طاقة
حفز، وليس دعوة للقعود دون الحقيقة بدعوى أنها حيزت لنا سلفاً بين
دفتي المصحف، لأن صناعة الحياة الحقيقية تحدث عندما نمزج الفكرة
الفلسفية بالحقيقة الحياتية، وليس عندما نبقي كليهما في صندوقها
المغلق، وننتظر المعجزة!
إن
الخلل في كيفية التعامل مع القرآن كنص مقدس بدأت منذ نزوله،
فالبيئة الأعرابية التي نزل فيها القرآن لم تكن تقدم العقل ونتاجه
المعرفي بقدر ما تقدم العاطفة ونتاجها الصوتي، وهذا مفهوم. فمجتمع
الجاهلية قبل الرسالة لم يكن مجتمعاً علمياً يخترع، ويدرس، ويبتكر،
ويكتشف. ولم يتفوق على بقية المجتمعات إلا في الفصاحة (الصوت)،
ومهارات الحياة في الصحراء (الصدى)، بينما كان الرومان والفرس
والهنود والصينين آنذاك قد قطعوا شوطاً بعيداً في علوم الطبيعة،
والفكر، والفلسفة، والأكاديميا، والسياسة، والرياضيات. ولذلك،
عندما نزل القرآن على العرب، لم يتعاملوا معه كـ"معرفة" تستحثهم
على البحث والتقصي والتحليل، بقدر ما تعاملوا معه كـ"صوت" يطرق
أبواب عاطفتهم، ويستحثهم على الاستماتة في سبيل المبدأ، والرفعة،
والتدين، والمزايدة المعنوية. وربما كان هذا كل ما تحتاجه الدولة
الإسلامية الناشئة، وهو القوة السياسية للدفاع عن حقها في التكون
والنشوء أولاً. ولهذا جاء ذلك الجيل، جيل قصص هائلة من البطولات
المعنوية الكبيرة، لأن القوم كانوا مستعدين بيئياً لمثل هذا
السلوك، وكان القرآن محرضاً عاطفياً كبيراً لإطلاق سلوكهم هذا
بالطاقة القصوى، وقد استخدموه كأداة تحفيزية هائلة لإطلاق مكنونات
نفوسهم الصحرواية، لذلك لم نر في عهود السلف الأول أي إنجازات
علمية، أو فلسفية، أو فكرية بشكل مؤسسي، أو حتى جهوداً تحليلية
وتفسيرية للقرآن إلا ما ندر، وأستثني طبعاً آثار بعض الصحابة من
حكم، ورؤى، وسير، منبثقة من نبوغ شخصي، ولكنها لم تأت بشكل مؤسسي،
أكاديمي مثلاً، ومنظم، إلى حد يبرر لنا أن نصف به حالة مجتمع كامل.
ويبرر المؤرخون السلفيون المعاصرون ضعف النتاج الفكري المستنبط من
القرآن آنذلك بأنهم كانوا على علم بالقرآن وفهم عميق له بحيث لا
يحتاجون إلى دراسته وتأويله، وهذا مفهومٌ غير واقعي، مليء
بالمجاملة التاريخية التي تمليها العاطفة، والأصح أن الجيل الأول
فهموا من القرآن ما يكفي للقيام بدورهم الزمني الضروري المطلوب
منهم، وللأجيال القادمة أدوارٌ أخرى سوف يعينهم القرآن عليها عوناً
مختلفاً، عندما يستنطقونه استنطاقاً مختلفاً، ليتكلم معهم لغة
مختلفة، وبطريقة تناسب ظروفهم جيلهم الزمنية، وهذه هي معجزة
استمرارية القرآن وحفظه، إذ يتخاطب مع كل حقبة فكرية من حياة
البشرية بما يناسب نتاجهم الفكري، ومستوى حاجتهم للإرشاد السماوي.
ولعل من الأخطاء المميتة الاعتقاد بأن الجيل الأول فهموا القرآن
فهماً كاملاً، ثم راح هذا الفهم يتناقص تدريجياً حتى صار الحل
الوحيد لاستدراك هذا التناقص هو العودة إلى فهمهم الأول ذاك، وجره
جراً من أول التاريخ، إلى اليوم الحاضر. إن هذا يلغي تماماً مفهوم
التراكم الحضاري في حياة البشر، ويهمل إهمالاً شنيعاً نظرية
"التتابع الفكري" للأجيال، على حساب "التناسخ الفكري الثابت".
لقد
استخدم السلف الأول القرآن استخداماً نافعاً لواجبات جيله وزمنه.
فاستنبط منه الأحكام المباشرة التي أعانتهم على توحيد النفوس
النافرة، وترتيب العقل الجمعي، ورسم المعايير العامة، وإدارة
الدولة الجديدة، وتسيير المعاملات اليومية. ثم لما جاء الجيل
التالي، وأصبحت الأمور أكثر تعقيداً، وجاء نساءٌ ورجالٌ آخرون،
عندهم حاجاتٌ أكثر عمقاً، صار الناس أكثر انكباباً على القرآن
بالتفسير، والتأويل، والتنظير لما جاء فيه، ولذلك فإن أغلب الموروث
الفكري والفلسفي المستنبط من القرآن، والمتداول حالياً لم يكن نتاج
الجيل الأول، ولا الثاني، بل الأجيال التالية، وهذا يشير إلى أن
المجتمع، الإنسان، يتحركان في منظومة حضارية مرحلية تتطلب تدريجياً
دوراً أكبر للعقل ونتاجه المعرفي، على حساب العاطفة ونتاجها
الصوتي. لقد أدى كل جيل دوره، وحقق نجاحاً نسبياً يعتمد على تكامل
الظروف، وتوفر المصادر العلمية والفلسفية الأخرى التي تساعد على
تفعيل رؤى القرآن في مجتمعاتهم بشكل حيوي، يومي، نافع. ثم حدثت
قطيعة بين الأجيال، فقد فيها التسلسل الحضاري ذاكرته فجأة! مثلما
تنقطع الكهرباء فتمسح معها ذاكرة الكمبيوتر، فيبدأ الجهاز في إدارة
البرنامج من أوله، وهذا ما فعله الجيل الذي استيقظ في آخر التاريخ،
بدون ذاكرة موصولة، فقرر أن يعيد قراءة القرآن حسب طريقة أول جيل،
مع فارق هائل، وهو اتساع الفجوة الزمنية، واختلاف الظروف، وغياب
الهدف المعقول.
وإذا كانت الكتب
السماوية الأولى ابتليت بالتحريف الحرفي، فإن القرآن ابتلي
بالتأويل الفكري داخل الحوض الحجري، ولا فرق! |