|
استند الدكتور أنس بن فيصل
الحجي في معارضته لمشروع سيارة (الفولت) الكهربائية الذي تعتزم
شركة (GM) الأمريكية طرحها قريباً على حجج علمية تثبت أن السيارة
المرتقبة ليست خضراء تماماً، وأنها صديقة للبيئة من جهة وعدوة لها
من جهة أخرى، وستفسد فيها قدر ما تصلح منها. والحقيقة أن أغلب هذه
الحجج التي طرحها الدكتور أنس، رغم جديتها ومنهجيتها، إلا أنها
حججٌ كلاسيكية تتكرر من أغلب معارضي السيارة الكهربائية، وقد تم
تداولها وطرحها طويلاً في الولايات المتحدة وأوروبا منذ سنوات، وما
زالت قيد التداول والمناظرة والجرح والتعديل حتى الآن.
وأولى هذه الحجج تتعلق بمصدر الطاقة، وهي أن الطاقة الكهربائية
المستخدمة لشحن السيارة سيتم توليدها بحرق الفحم، والفحم أكثر
تلويثاً من النفط. وهذا افتراض لا يمكن أن يبنى عليه حكمٌ يقيني.
فلربما جاءت الطاقة الكهربائية من مصادر متجددة وهذا محتمل جداً.
فاليوم يمكن للمستهلك الأمريكي أن يختار مصدر التيار الكهربائي
الذي يغذي منزله باتصال قصير مع شركة الكهرباء ليحدد المصدر الذي
يتناسب مع مزاجه وضميره (طاقة شمسية، رياح، أمواج، غاز.. إلخ)
مقابل تكلفة إضافية تضاف إلى فاتورته كل شهر. وفي الدنمارك يقوم كل
مجموعة من الجيران بتركيب توربين الرياح في منتصف الحي ليزود
منازلهم بالكهرباء من خير رياحهم دون الحاجة للاشتراك مع شركة
كهرباء أصلاً. وفي آيسلندا، تتم تغذية 86% من منازل الدولة بأكملها
بكهرباء تم توليدها من ثقب (جيوحراري) يستغلّ حرارة باطن الأرض في
توليد الكهرباء!
إنها خدمة متوفرة إذن لمن شاء، وصحيحٌ أنها أغلى قليلاً من كهرباء
الفحم ولكن هذا لن يقلل من استخدامها لمجرد أنها أغلى، وذلك
لسببين: الأول، أن من يختار أن يقود سيارة كهربائية أصلاً، ويتحمل
غلاء سعرها، فالغالب أنه سيختار أن يشحنها بطاقة كهربائية نظيفة من
مصدر متجدد، ويتحمل غلاء سعره، وإلا كان يعاني من انفصام الضمير
البيئي. والسبب الثاني: أن كل تقنية جديدة تبدأ غالية لتغطية نفقات
البحث العلمي وتكاليف التدشين وشراء براءة الاختراع ثم سرعان ما
تبدأ أسعارها في الانخفاض مع زيادة البحث العلمي لتقليل التكلفة،
وزيادة المنافسة الاقتصادية لخفض هامش الربح، وانتهاء فترة
الاحتكار القانوني لبراءة الاحتكار. وبالتالي يزداد الطلب عليها من
المستهلكين مع انخفاض سعرها، ولا يصبح للطاقة الكهربائية المولدة
من الفحم أي ميزة سعرية على الطاقة المتجددة.
ولكن، لنفترض جدلاً أن افتراض الدكتور أنس كان حقيقياً وأن زبائن
السيارة الكهربائية سيضطرون لشحنها بكهرباء تم توليدها من حرق
الفحم. فحتى هذه الحالة، رغم أنها افتراض محض، قد ثبت علمياً أنها
أقل إضراراً بالبيئة من أن تستمر السيارات في استخدام الوقود
العادي. وقد أشارت دراسة صدرت من (هيئة الطاقة الكاليفورنية) أن
آلاف السيارات الكهربائية المشحونة بكهرباء مولّدة من الفحم خيرٌ
وأحبُّ إلى البيئة من آلاف السيارات التي تُحرقُ وقودها في داخلها
وتنفثه في الهواء. وذلك لسببين رئيسين. الأول: هو أن احتراق الفحم
الذي يحدث في مكان واحد (محطة التوليد) قد يسهم في زيادة الاحتباس
الحراري مثله مثل احتراق الوقود الذي يحدث في كل سيارة، ولكن
الأولى لا تسهم في تلويث هواء الأماكن السكنية ولا تتسرب إلى صدور
الناس لأن محطات التوليد يتم إنشاؤها في مناطق غير سكنية. وبالتالي
فقد تشترك الطريقتان في جريمة الاحتباس الحراري ولكن الأولى بريئة
من جريمة التلوث الهوائي على الأقل. والسبب الثاني، هو أن حرق
الفحم عندما يتم في مكان واحد فإن ذلك يسهل من عملية معالجة
الكربون المنبعث من عملية الحرق وتنقيته وحبسه وحقنه في الأرض مرة
أخرى أو تطبيق أي تقنية جديدة من شأنها التقليل من أثر هذه
الانبعاثات، ولكن من الصعب جداً تطبيق هذه الوسائل في كل سيارة
تمشي على الطريق.
أما حجة الدكتور أنس الثانية فهي أن صناعة بطاريات السيارات
الكهربائية تحتاج إلى معادن نادرة يتطلب استخراجها إزالة عدد كبير
من الأشجار، وتدمير الغابات، كما سيخلف شحنها من مكان لآخر آثاراً
بيئية أيضاً. وهذه الحجة أيضاً مثل سابقتها مبنية على افتراض لا
يمكن أن يبنى عليه حكم يقيني. فإزالة الأشجار وتدمير الغابات يمكن
أن يحدث لو كان المنجم في منطقة غابات وقد لا يحدث لو كان في جبال
جرداء. ولو كان في منطقة غابات فمن الممكن تطبيق أسلوب (الغابات
المستدامة) الذي طبّقه الكثير من شركات الأخشاب في كندا، والذي
يقوم تجار الخشب بموجبه بزراعة شجرتين في مكان آخر مقابل كل شجرة
يقطعونها في مكان المنجم. وهي ممارسة قائمة الآن وبنجاح، وتشترط
شركة وول مارت العملاقة على كل مورديها بالخشب أن يحصلوا عليه من
غابات مستدامة، مما دفع بتجار الخشب (رغماً عنهم) إلى تطبيق هذا
الأسلوب حتى لا تكسد بضاعتهم.
أما شحن هذه المعادن وآثاره البيئية فلعل الدكتور أنس بالغ قليلاً
في تقدير هذا الضرر. لاسيما أن هذا الشحن حالة قائمة في كل حال،
فإن لم تقم السفينة بشحن معادن لصناعة سيارة كهربائية فستقوم بشحن
النفط لإحراقه في قلب محركٍ ما. وحتى الفرق بين هاتين الحالتين
سيكون لصالح السيارة الكهربائية، وذلك لأن مجموع الأميال التي
ستقطعها الشحنات بين عدد محدود من المناجم إلى عدد محدود من
المصانع، وهو أقل بكثير من الأميال التي ستقطعها شحنات النفط من
منابعه، إلى مصافيه، ثم إلى كل محطة وقود في العالم!
بقيت ثلاث حجج للدكتور أنس في معارضته لسيارة الفولت، ستناقشها
المقالة القادمة. |