معركة الفولت

 جريدة الوطن السعودية

 

ربما كان ما كتبه الدكتور أنس بن فيصل الحجي في صحيفة الاقتصادية قبل أسابيع، وفي عدة مقالات، هو أحد أمثلة المعارضة النفطية للقضية البيئية، لأنه يشكك في إمكانية إيجاد بدائل للنفط وسط ظروف السوق الحالية، وهو ما يمثل دعوة إلى توجيه الجهود نحو (تنظيف) النفط بدلاً من استبداله. وأيضاً لأنه يفترض وجود أجندات أخرى سياسية واقتصادية وراء أغلب دعوات التحرر من النفط كملوِّث عالمي. وهذا ما يجعل موقفه، حسب تعريف مقالتي السابقة للمعارضة النفطية، أحد أمثلتها الواضحة. وقد ذكر الدكتور أنس أنه مع حماية البيئة كغاية، وليس مع الآليات المتخذة حالياً كوسيلة، وهو ما يعكس دافعاً علمياً للاعتراض، وينأى به عن أي دوافع أخرى.
وقد استخدم الدكتور أنس سيارة (الفولت) الكهربائية التي تنوي شركة (GM) الأمريكية تدشينها قريباً وبدعم كبير من الحكومة الأمريكية كمثال يشرح من خلاله نظريته حول القضية البيئية وملامح معارضته لما يجري. وأوضح في مقالاته أنها ليست سيارة (خضراء) تماماً، وشكك في قدرتها على الحلول كبديل للوقود النفطي، وذكر بعض الأدلة على حتمية فشلها المرتقب، وتجاوز ذلك إلى اتهام الحكومة الأمريكية التي دعمت المشروع بالتضليل ومحاولة تلميع الذات بطرح منتج مكتوب عليه الفشل مسبقاً.
والدكتور أنس خبير في شؤون النفط، وقد أيّد جميع آرائه بدراسات وأرقام موثقة، ولكن القضية برمتها ليست قضية دراسات وأرقام فقط، فكلا الطرفين يملكان دراسات متساوية في العدد، متكافئة في القيمة، متعاكسة في النتائج، ومتناقضة في الأهداف. الخلاف هنا هو في الموقف الذي يجب اتخاذه اليوم وكيفيته وآلياته، وأيهما يجب أن يتحمل العبء الأكبر لإصلاح الحال: الاقتصاد أم البيئة؟
والحقيقة أن هذه هذا الجدل حول السيارة الكهربائية ليس جديداً، بل إن عمره يقارب العقدين من الزمان، وبلغ ذروته في منتصف التسعينات عندما أنتجت شركة (GM) أول سيارة كهربائية صالحة للطرح في الأسواق والاستخدام اليومي، وأطلقت عليها اسم (EV1). وكان لطرح هذه السيارة في الأسواق تبعات اقتصادية وبيئية وقانونية وحكومية واجتماعية كثيرة، عبّر عنها المخرج الأمريكي (كريس باين) في فيلمه الوثائقي الشهير (من قتل السيارة الكهربائية؟). ويطرح الفيلم المؤيد للسيارة الكهربائية ردوداً موثقة بالدراسات على الكثير من الذين أسقطوا مشروع السيارة الكهربائية آنذاك بحجج اقتصادية وعلمية مختلفة، كما أشار بوضوح إلى اللوبي الذي تكون من شركات النفط وشركات السيارات وإدارة بوش الابن لإسقاط القانون الذي أصدرته ولاية كاليفورنيا احتفالاً بمولد السيارة الكهربائية لتجبر جميع شركات السيارات التي تبيعها في كاليفورنيا على (كهربة) سياراتها تدريجياً.
خلاصة ذلك الجدل السابق في الفيلم والجدل الحالي الذي أثاره الدكتور أنس هو أن البحث البيئي خلص إلى نتائج حاسمة بأن طريقة قيادتنا للسيارات اليوم تضرّ بالكوكب وساكنيه، بينما البحث الاقتصادي لم يخلص بعد إلى نتائج حاسمة حول ما يجب اتخاذه إزاء ذلك. البحث العلمي يرتكز على أسس متفق عليها في العالم أجمع، والبحث الاقتصادي يرتكز على مصالح متقلبة ومتغيرة كل يوم. السياسة لا تستطيع أن تؤثر كثيراً في ما يجري داخل مختبرات العلماء، ولكنها تستطيع أن تتدخل يومياً في ما يحدث في مطابخ الاقتصاد العالمي.
مكان العقدة معروفٌ إذن، والهدف الصعب هو الخلوص إلى معادلة لا تجعل الناس يموتون اختناقاً وغرقاً ومرضاً، ولا تجعلهم أيضاً يموتون جوعاً وفقراً وهماً. ويالها من صورة معاصرة لكل ما كافح الإنسان لأجله منذ دبّ على وجه الأرض! وبرأيي أن السيارة الكهربائية لا يمكن تقييمها بناءً على معادلات بيئية واقتصادية فقط، بل يجب علينا أن نلقي بضعة معادلات أخلاقية وإنسانية واجتماعية داخل الوعاء، لتختلط بالمعادلات الاقتصادية والبيئية. وهنا قد ينتج لدينا قرار مختلف وشامل لا يستطيع أن يتخذه ويفرضه إلا الحكومات، وبضغوط دائبة من شعوبها. وهذا ما يرفضه الدكتور أنس كما فهمت مقالاته، ويصر على أن المشكلة يجب أن تحل داخل الإطار الاقتصادي لقوى السوق، ووفقاً لما تقدمه البحوث العلمية المحايدة من حلول فقط. فإن جادتا بحل متقن وكامل، وإلا فلتبق المشكلة قائمة إلى الأبد. ولكن الكثير من المشاريع الرائدة تاريخياً تطلبت تدخلاً حكومياً لفرضها ولم تترك لقوى السوق الرأسمالية. وإنقاذ البيئة من أهم هذه المشاريع. ومن الطبيعي ألا يكون المنتج البيئي في الوقت الحالي هو (الأجدى) اقتصادياً ولا (الأفضل) تقنياً. ولكنه بالتأكيد هو الأقرب لروح الحل، والأكثر تعبيراً عن الذهنية الجديدة التي بدأت في التشكل ولا نريد لها أن تتلاشى. فلو ترك الأمر لقوى السوق الرأسمالية لاستمرت في الركض وراء الربح حتى تدمر الكوكب تماماً ما دام تدميره ليس إلا تكلفة خارجية (Externality) لا تتحملها قوائم الشركات المالية حسب قواعد الاقتصاد الكلي. وهكذا كان انحياز الحكومة للمنتج البيئي واجباً حتى ولو تضايق منه أنصار السوق الحر قليلاً، وذلك حتى يقف على قدميه، ثم تتركه بعد ذلك ينخرط في منافسة رأسمالية عادلة مع المنتج التقليدي. ومن الطبيعي أيضاً ألا يكون المنتج البيئي هو الأكثر إتقاناً ضمن المنتجات الأخرى، ولو تركنا المشروع قابعاً في المعامل والمختبرات حتى يكتمل إتقانه فسيطول الأمد قبل أن يتفوق على بدائله الأخرى. والأجدر أن نجعل من عملية تطويره عملية مستمرة لأنه ليس منتجاً عادياً ننتظر اكتماله ليبدأ تسويقه، بل منتج ضروري لحل مشكلة ملحّة لا تمنحنا الكثير من الوقت والخيارات، وبالتالي يستحق استثناءات مبررة من الخضوع لأنظمة السوق المعتادة. وللمقالة بقية حول آراء الدكتور أنس المعارضة، والآراء المقابلة له.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي