|
ذكرتُ في المقالة السابقة أن
قضية البيئة أصبحت محورية إلى الحد الذي كان من الطبيعي أن ينقسم
معه الناس حولها بين مصدق ومكذب، ومؤيد ومعارض. وأن كل هؤلاء ينطق
مستنداً على خلفية معتد بها علمياً واقتصادياً. ولكن النظر إلى
واقع ما أسميه بالمعارضة البيئية يحملنا على الاطمئنان إلى أن
دوافعهم ليست ضد البيئة نفسها على الأقل، فهذا ما لا يمكن تصديقه،
ولكن أغلبها تتمحور حول فكرتين أساسيتين: الأولى، أنهم لا يعارضون
مبدأ حماية البيئة نفسه بقدر ما يعارضون الآليات العلمية
والاقتصادية المتخذة في سبيل ذلك. والثانية، أنهم يتخوفون من أن
تضخيم الهاجس البيئي لدى الرأي العام هو من أجل تمرير أجندات
سياسية واقتصادية كبرى، وليس من أجل حماية البيئة كما يدّعون.
إحدى أكبر جبهات المعارضة البيئية هي شركات النفط والدول المصدرة
له بطبيعة الحال. وذلك لأن النفط قد جرى تصويره مؤخراً على أنه
العدو الأول للبيئة وبالتالي للإنسانية، بعد أن كان النفط هو
المحرك الرئيس للنهضة الصناعية وبالتالي للإنسانية. هكذا انقلب ظهر
المجنّ للنفط لأسباب مختلفة يحلو لكل شخص أن يتصورها حسب وجهة
النظر التي يراها مقنعة. فمنهم من يراها أسباباً سياسية بسبب نضوب
النفط تدريجياً في أمريكا وأوروبا وتركّزه باحتياطيات ضخمة في بقية
العالم مما يخلّ بميزان القوى الدولية الذي اعتاد عليه العالم،
ومنهم من يراها اقتصادية بسبب التخوف الطبيعي من احتكار عدد قليل
من الدول لطاقة العالم والتحكم في أسعاره كما هو الاتهام الموجه
إلى (أوبك) حالياً، ومنهم من يراها أسباباً بيئية بحتة بحكم أن
النفط من حيث الكمية التي تستهلك منه عالمياً يعتبر أكبر ملوّث
للبيئة وأكبر مصدر لانبعاثات الكربون، ومنهم من يراها أسباباً
إنسانية من حيث إن النفط صار يتركز مؤخراً في دول غير ديموقراطية
عموماً، فتستعين به قيادات دكتاتورية على قمع شعوبها وتقوية
مراكزها السياسية. ومنهم من يراها أسباباً جيولوجية من حيث إن
النفط هو مورد ناضب طال الزمان أو قصر، ولا بد من تجهيز بديل له
عاجلاً أم آجلاً. المهم في كل هذا أن النفط الآن أصبح مأكولاً
مذموماً، ويستقبل كل هذه التهم التي تكال ضده رغم أن أسعاره في
تزايد، والتنقيب جار على أشده في كل بقعة يرجونه فيها على وجه
المعمورة.
وبناء على هذه التهم تشكلت المعارضة النفطية للبيئة، وارتكزت على
الفكرتين المذكورتين أعلاه معاً. فهي معارضة للآليات العلمية
والاقتصادية لحل مشكلة البيئة التي تحاول طرح بدائل للطاقة بعيداً
عن النفط. وهي معارضة لما تظن الدول النفطية أنه استغلال لقضية
البيئة لأغراض سياسية كما تصرح بذلك إيران وفنزويلا مثلاً. وحتى لا
يبدو النفطيون لا مبالين بقضايا البيئة، أو أنهم يقدمون مصالحهم
على مصالح الكوكب، فإنهم يطرحون في المقابل حلولاً تتعلق
بالاستمرار في استخدام النفط مع محاولة تطوير طريقة لاستخدامه بشكل
نظيف والتقليل من الانبعاثات الكربونية الصادرة منه، ويحذرون من أن
البدائل الأخرى للنفط لا يمكن أن تحل محله، وأن البشرية لا يجب أن
تضيع مئة سنة أخرى في تطوير آلات تعمل على طاقة بديلة بعد كل
المشوار الذي قطعته في تطوير التقنيات المعتمدة على النفط.
كما أكدوا على فكرة أن بدائل النفط ليست بالضرورة أفضل منه، بل
إنها قد تؤدي إلى عواقب أسوأ من الاستمرار في استخدامه كما يُستخدم
اليوم. فالوقود الحيوي قد يؤدي إلى تجويع الشعوب، وإحراق الفحم
أكثر تلويثاً للبيئة، والطاقة النووية خطيرة سياسياً، وطاقة الرياح
والأمواج والشمس مازالت غير عملية، ولا يمكن الاعتماد عليها حتى
الآن.
ويمكن ملاحظة أن شركات النفط سارعت إلى دعم الأبحاث التي تسعى
لتطوير استخدام نظيف للنفط آملةً أن يخلص هؤلاء إلى نتيجة أسرع من
تلك التي تسعى إليها أبحاث الطاقة البديلة، بينما تسعى شركات
الطاقة البديلة والدول المستهلكة للنفط إلى إيجاد بدائل للطاقة في
كل الأحوال لتقليل الاعتماد على النفط وما يجره من حيثيات على
الأمن الاقتصادي والسياسي. إنه سباقٌ محموم في البحث العلمي
المستفيد الأول منه هو البيئة نفسها التي يسعى جميع الأطراف إلى
حمايتها، والمستفيد الثاني هو الاقتصاد الذي صارت تتحرك داخله رؤوس
الأموال في اتجاهات جديدة وتصبّ في مجالات غير معهودة، وهذا من
مقاصد الاقتصاد الرئيسة.
إذن، فالخلافات التي تحدث بين الدول المستهلكة وأوبك بسبب أسعار
النفط المتزايدة، وبين الدول الأوروبية وروسيا بسبب تحكم الأخيرة
في الغاز واستخدامها كسلاح سياسي، وبين المزارعين الأمريكيين
والدول الجائعة بسبب ارتفاع أسعار الغذاء العالمي مع توجيه
المحاصيل لصناعة الوقود الحيوي، وبين الاقتصادات النامية
والاقتصادات المتقدمة بسبب تقاذفهم لذنوب التدهور البيئي بينهما
وحول من يدفع فاتورة إصلاح البيئة، وبين حكومات الدول الصناعية
ومعارضة الرأي العام المتزايدة في شعوبها حول العامل الأخلاقي في
القضية، كلها تخلق دوافع كثيرة وفرصاً متجددة للاستثمار سواءً في
بدائل النفط أو أبحاث الاستخدام النظيف له. فكثرة المشكلات تحرض
على إيجاد الحلول، والمفترض أن الاتجاه نحو الطاقة الصديقة للبيئة
سيكون أشبه بالنهضة التالية للعالم بعد نهضته الصناعية، ولابد له
من دوافع ضخمة تشبه تلك الدوافع السياسية والاقتصادية الهائلة التي
أشعلت فتيل النهضة الصناعية الأولى. |