وطن قيد البناء 

 جريدة الوطن السعودية

 

على (يومنا الوطني) هذا العام ألا يتوقع منّا قضاءه تأملاً في الماضي كما تُقضى الأيام الوطنية عادةً، لأنه ومنذ سنواتٍ قليلة صار لا يحلّ علينا إلا وهوس المستقبل على أشده. مستقبل الوطن الذي نصف سكانه تحت العشرين، ونصف جامعاته تحت الإنشاء، ونصف اقتصاده تحت التنويع، ونصف إجراءاته الحكومية تحت التحديث، ونصف مؤسساته المدنية تحت المراجعة، والأنصاف الأخرى تنتظر دورها في ورشة العمل الهائلة التي أقامها الملك عبدالله منذ توليه الحكم، ولا يزال واقفاً عليها يوماً بيوم، كما نشهد ويشهدون. لم نعد وطناً ناشئاً يقضي أيامه الوطنية في ترتيب أحلامه، ولم نصبح بعد وطناً مسنّاً يقضي أيامه الوطنية في تمجيد ماضيه. نحن وطنٌ قيد البناء، يمرُّ به اليوم الوطني هذا العام مثل استراحة لطيفة بين دوريتي عمل.
العمل لا يأتي إلا بخير، أياً كانت اتجاهاته وخططه وآلياته. فكل هذه الثلاث تؤثر في الوتيرة والكفاءة فحسب، ولكن نتائج العمل الدؤوب (أي عمل) لا تكون إلا إيجابية. ولو لم تكن مكاسبنا الحضارية من العيش في وسط هذه (الورشة الوطنية) إلا أن نلتاث بهاجس العمل والتنافس والسعي لكان مكسباً حضارياً هائلاً. إن كل مشكلات الشعوب، وعوامل الانحطاط، والتراجعات الحضارية لا تحلّ على وطنٍ ما إلا وهو في حالة من الخمول العام، والخدر الحضاري، وغياب الدوافع. هذه حقيقة يؤيدها المؤرخون وعلماء الاجتماع، ويؤكدون أيضاً أن الأوطان التي نجح ساستها في حقنها بالعمل المنتج، وتقليب راكدها الثقافي، وتحقيق عدالتها الاجتماعية، وتجديد آمالها الوطنية هي التي ارتقت في سلم الحضارة، وبلغت مآربها.
كل مشروع جار العمل عليه في الوطن اليوم يمكن أن يختلف حوله المختلفون، ويتجادل فيه أصحاب الرأي. جامعاتنا الجديدة، ومدننا الاقتصادية، وقوانيننا المدنية، وإصلاحاتنا البيروقراطية، وسياساتنا التعليمية، وخطابنا الديني، ومرافقنا الصحية. كلها يمكن أن تتحرك وسط عاصفة من الظنون والشكوك، إما أن تنجح وإما أن تنكفئ. ذلك لأنها مشاريع وطنية هائلة ومن الطبيعي أن يُثار حولها الجدل. الذي تغيّر بين الأمس واليوم، ويستحق الاحتفال فعلاً، هو أن كل هذه الملفات الضخمة أصبحت تجمع بين (الجدل) و(العمل) معاً، بعد أن ظلت عقوداً وهي تفرز (جدلاً) فقط. وهذا العمل، سواء حقق المأمول أو جاء دون ذلك، فإنه رصيدٌ يضيف إلى الخبرات الحضارية، ويجعل العمل الذي يأتي بعده أحرى بالصواب وأقرب للنجاح. والأهم من ذلك أن جذوته لا تنطفئ، وأنه يترك من ورائه أناساً اعتادوا عليه.
اليوم يعترف المهندسون أن لوس أنجلوس كانت خطأ فادحاً في تصميم المدن، ويعترف العلماء أن الاحتباس الحراري أحد أكبر أخطاء العصر الصناعي، ويعترف الاقتصاديون أن النظام المالي العالمي سبب نكبة اقتصادية من العيار الثقيل، ويعترف الأطباء أن أساليب العيش العصري هي أكبر خطر يحدق بالبشر. دول العالم الكبرى ترتكب أخطاءً هائلة ورغم ذلك تظلّ في المقدمة، والدول التي لم تكن يوماً طرفاً في هذه الأخطاء لا تسجل حضوراً في المشهد العالمي، لأن خدرها الحضاري هو الخطأ الكبير الذي يبتلعها ببطء، ويحرضها على مزيد من الركون إلى الاستهلاك السلبي، والحياد الخامل، والثبات على ما لا يُحمد الثبات عليه.
لا يوجد متفائلٌ واحد يمكنه الجزم أن كل جامعاتنا الجديدة ستتحول إلى أيقونات أكاديمية عالمية تشدُّ إليها الرحال، ولكن لا ينكر حتى المتشائمون أن مجرد عكوفنا بهذه الجدية على ملف التعليم الجامعي في السنوات الأخيرة، تحليلاً ونقداً، ومن ثم اتخاذنا لحلول جذرية وإن اختلفت حولها الآراء كالابتعاث، وتقسيم الجامعات، قد دفعنا إلى الأمام عشرات الخطى التي تأخرنا عنها في العقدين الأخيرين. وأن خبرتنا الوطنية في مجال تطوير التعليم العالي وتحسين مخرجاته ازدادت.. ولو قليلاً، وأن وعينا الاجتماعي بأهمية الجامعة كمركز للمعرفة وليس كمفرخة للوظائف الحكومية قد ارتفع.. ولو قليلاً. كل هذه الفوائد جناها الوطن مبكراً بمجرد أن بدأ (العمل) على ملف التعليم العالي، حتى قبل أن ينتهي هذا العمل، وقبل أن نرى ثماره ونتائجه!
حتى الآن لم يدخل على الوطن ريالٌ واحد من عوائد المدن الاقتصادية بعد، وما زال بعضها قيد الإنشاء وبعضها الآخر في طيّات الخرائط، ورغم ذلك عملت مشاريع المدن الاقتصادية كمركز تدريب وطني ضخم، تدربت فيه مؤسسات حكومية كبرى، وانتقلت بفضل هذا التدريب العملي المكثف من دائرة العمل البيروقراطي العقيم إلى الإنجاز العالمي المشهود في ظرف سنوات أقل من أصابع اليد الواحدة. تغيّرت مفاهيم جذرية في العمل الحكومي لم ينجح من قبل في تغييرها لا النقد المباشر، ولا الشكاوى القانونية، ولا تغيّر الكراسي، ولا المجابهة الإعلامية، ثم جاءت المدن الاقتصادية حتى وهي بعد مجرد دراسات ابتدائية لتعيد صياغتها بسلاسة بمجرد أن أحمتها قليلاً على أتون العمل، وبعثت في أوصالها حرارة التحدي، واستشعار المسؤولية، ورغبة التنافس، ودافع الإنجاز.
هذه الحقيقة يمكن سحبها على كل المشاريع الوطنية الهائلة التي هي قيد العمل الآن. خطابنا الديني الجديد الذي يتمركز حول الوطنية بدلاً من الأممية، والتسامح بدلاً من التشدد، والانفتاح بدلاً من الانغلاق ما زال طور الانتشار والتغلغل في النسيج الثقافي للمجتمع، ولكنه انطلق فعلاً، ومجرد انطلاقه حرض على كم هائل من التساؤل والمراجعة والنقد. وأصبح الثابت متحركاً. ورغم بطء هذا التغير الإيجابي، مثل أي تغير ثقافي، إلا أنه يحدث بوتيرة مطمئنة. وبرز للعيان جيلٌ يملك سلوكيات أكثر انفتاحاً وتقبلاً للآخر من جيل الصحوة الذي تدارك هو نفسه أيضاً، وبدأ يغير من بعض مواقفه السلبية السابقة.
المشاريع التي انطلقت جاءت بخير حتى قبل أن تكتمل، والمشاريع التي لم تنطلق بعد تعد بخير أكثر مع تراكم الخبرة. يومنا الوطني يأتي ونحن محاطون بالمشاريع الوطنية.. حتى نخشى أن ننسى الاحتفال به!

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي