القضية البيئية: حقيقة أم مسرحية؟

 جريدة الوطن السعودية

 

عددٌ متصاعد من الأصوات بدأ ينظر للقضية البيئية على أنها لعبة من ألاعيب السياسة العالمية، وأنها مجرد أداة للقيام بتغيرات جذرية في موازين القوى شرقاً وغرباً، وإجراء نقلات كبرى على خريطة الطاقة والتبعية الاستهلاكية في العالم. هذا التصاعد في أصوات المشككين في فداحة القضية البيئية تجاوز النسبة المعتادة من المشككين في أي قضية عالمية (نسبة المؤمنين بنظرية المؤامرة). وعلاوة على هذا التجاوز الكمي، فهناك أيضاً تجاوز نوعي يتمثل في أن المشككين مؤهلون علمياً ومهنياً لدحض النظريات التي يطرحها أنصار البيئة على أنها حقائق، وللدعوة إلى النظر بتمعن فيما خلف كواليس مسرحية التدهور البيئي. يقابل هذه الأصوات ذلك الكم الكبير من الدراسات والإحصاءات، بل والمشاهدات الملموسة، لما آل إليه حال البيئة في القرن الأخير.
ويقف المرء حائراً أحياناً بين وجهات النظر المتضاربة، والمدعمة بأهلية علمية ثقيلة لا يمكن تهميشها بسهولة. ويزيد من حيرته ذلك التداخل السياسي والاقتصادي في البيئة، والأجندات الدولية التي لا يمكن تفكيك مواقفها بسهولة للوصول إلى دوافعها الأولية. فما هي حقيقة القضية البيئية في العالم؟ ولماذا بلغت هذا الحد من الانقسام في وجهات النظر، رغم أن العلم طالما كان يوحّد الآراء بسبب اعتماده على التجربة والبرهان، فإذا به يفرقها حول قضية تلامس مصير كل إنسان على وجه الأرض؟ ككل القضايا الهائلة التي واجهتها البشرية، ينقسم الناس حول القضية البيئية انقساماً حاداً كما هو متوقع منهم. ذلك لأنها قضية محورية، والمحاور لابد لها أن تقطع الأشياء من المنتصف. ولو لم تمنح القضية معارضيها أسباباً للمعارضة لاخترعوا أسبابهم، ولو لم يفعلوا لما كانت هناك قضية أصلاً، بل مجرد تحد من تحديات الجنس البشري عبر التاريخ.
المسألة لم تعد بسيطة يمكن حلها بصياغة معادلة نضع في حدها الأول الضرر البيئي، وفي الثاني العائد الاقتصادي، ثم نقرر أي الكفتين أولى بأن ترجح، ونتخذ ذلك القرار حول طاولة صغيرة يجلس على طرفيها عالم بيولوجي وخبير اقتصادي فقط، بل دخلت في المعترك كل التخصصات العلمية ذات العلاقة (والتي قد لا نتصور أن لها علاقة!)، وضرب الناشطون الحقوقيون بأطنابهم في قلب الميدان بتصميم يبدو معه أنهم لن يتزحزحوا بسهولة من المكان، وانقدحت في رؤوس المحامين آلاف الأفكار حول قضايا رابحة لمتضررين من (تلوث) البيئة ومتضررين من (تنظيف) البيئة أيضاً! وراح الأطباء يلوحون بصلات سببية وثيقة بين حالة البيئة وأمراض الإنسان التي كانت مجهولة السبب في السابق، وانقلب المهندسون إلى مصانعهم ليخرجوا منها ما يمكن تسويقه بمعايير المرحلة الحالية، وأعاد الفلاسفة شحن القضية أخلاقياً للتحول إلى ما يشبه العقيدة الخضراء التي وحدت الكثير من الناس من مشارب مختلفة، وحتى الاقتصاديون الذين طالما وقفوا ضد البيئة وجدناهم يغيرون مواقفهم ليطرحوا أفكار الاقتصاد الأخضر، والمسوقون يلونون شركاتهم بالأخضر، والماليون يعملون بدأب ليبتكروا البورصة الخضراء، وحتى علماء الأديان عادوا إلى البحث والتنظير حول العلاقة التاريخية بين التعاليم الدينية والمصالح البيئية، وبالتأكيد رأى السياسيون فيها فرصاً لإلهام الرأي العام وكسب الأصوات الشعبية، ولاحظنا أن ملف البيئة كان جوهرياً في انتخابات أغلب الدول الكبرى في الأعوام الأخيرة. وهذا دليل آخر على المصيرية التي بلغتها القضية مؤخراً. لا يمكننا أن نفترض أن كل أولئك الذين دخلوا معترك القضية البيئية دخلوا بدافع أخلاقي بحت، وإنما بدوافع متداخلة ومختلطة اختلاطاً يصعب معه أحياناً تصنيف المواقف. فبعضها مادي يتطلع للانتفاع من الفرصة المواتية فحسب، وبعضها هجين بين الأخلاق والمادة، وبعضها يوتوبي جداً حد الذوبان الروحاني في القضية. وبين ذلك كله الكثير من الدوافع المعنوية والاجتماعية والسياسية والدينية والقومية، كلها تشكل حزمة لا يمكن حصرها من الدوافع التي تجعل شخصاً ما ينشغل بالمشروع البيئي حد الهوس في بعض الأحيان، ويبذل من أجله جهوداً لا يمكن تصورها. وهذا دليل آخر على مدى اتساع حجم القضية حد قدرتها على خلق كل هذه الدوافع، وتوليد كل هذه الطاقة الإنسانية من أجل خدمتها.
إنها قضية تستحق الجدل الحضاري بكل تأكيد. وبالتالي، ليس من المستغرب أن نحفظ عن ظهر قلب وجهات نظر كل الأطراف، وردود كل طرف على الآخر. والموثقة جميعها بدراسات وأرقام تبدو في وهلتها الأولى غير قابلة للدحض، فإنقاذ (الكوكب) بدون الإضرار (بسكان الكوكب) ليس مسألة من تلك التي نتوقع أن ينتهي الناس فيها إلى رأي واحد، وإن فعلوا فلن يتفقوا على مصلحة مشتركة، وإن اتفقوا على مصلحة مشتركة فلن يتفقوا على آلية عمل موحدة. وفي رأيي أن حل القضية البيئية ليس حلاً واحداً حتى يتفق عليه الجميع، بل إنها آلاف من الحلول التي يمكن أن تشكل نتائجها المتفاوتة حالة أفضل، وليس حالة أمثل. إنها تشبه معركة الإنسان التاريخية مع المرض، والتي اجتهدت البشرية للإتيان بآلاف الحلول (العلاجات) لها دون تنسيق بينهم، حتى أدت النتائج المتضافرة لتلك الحلول المطروحة إلى تطور علوم الطب إلى ما هي عليه الآن، فازداد معدل الأعمار، وقل معدل الوفيات عن القرون السابقة بشكل كبير. وتحقق الهدف البشري في النهاية. إن انكباب عقول كثيرة للعمل في إطار القضية البيئية يدعو للتفاؤل، مهما بدت جهودهم متضاربة ونتاجهم بطيئاً. أقول هذا لأن تضارب الجهود (والذي مردّه إلى تعارض المصالح أصلاً) يخلق بيئة تنافسية مناسبة لخلق الحلول العبقرية. فإصلاح البيئة الآن ليس من أجل إنقاذ سكان قرية أو تنظيف نهر أو حماية الحياة الفطرية، بل إن مصالح دول بأكملها صارت على المحك. وقد شهد التاريخ بأنه عندما تتنافس الدول الكبرى على مجموعة من المصالح المتضاربة ينتج عن ذلك ما لم يتصور أحد أن العقل البشري قادر على ابتكاره، وشواهد القرن العشرين التي تدل على ذلك كثيرة.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي